اللجاة في حوران.. حضارة تعود إلى ما قبل التاريخ ومدن أثرية تزخر بالمباني والقلاع والقصور تدعو إلى زيارتها وإعادة اكتشافها

تعد منطقة اللجاة بمحافظة درعا من أهم المناطق الأثرية في حوران وهي منطقة صخرية وعرة تقع جنوب سورية تبلغ مساحتها 1000كم2 سميت "تراكون " وأطلق عليها الرومان "تراخونيتس" بمعنى الوعرة أما العرب فقد سموها "لجاة" لكونها شكلت ملجأ للثوار والذين كانوا يلوذون بها عندما كان الاستعمار يضيق عليهم.

وتمتد منطقة اللجاة من شرق الأردن حتى جبل العرب وهي على شكل مثلث متساوي الأضلاع يقارب طول كل ضلع 45كم ومتوسط ارتفاعها عن سطح البحر 800 م كما تشكلت وعورتها بسبب المقذوفات البركانية الناتجة عن جبل العرب وبركان تل الشيحان القائم في طرفها الشرقي والذي يبلغ ارتفاعه 1140م.

ويشير الباحث الاثري ياسر ابو نقطة إلى ان منطقة اللجاة حافلة بالمباني والقصور والمساكن والمعابد والقلاع والابراج والمسارح والمدافن والطرقات والبرك والابار وهي بحق متحف متكامل في الهواء الطلق لا ينقصها سوى يد الرعاية وتوفير الامكانيات للكشف عن كنوزها وإبراز معالمها وتوظيفها.

ويصف شهاب الدين بن أحمد ابي الفتح الاشبهي في كتابه "المستطرف في كل فن مستظرف" منطقة اللجاة عند حوران بانها مدينة عظيمة يقال لها اللجاة فيها من البنيان ما تعجز عنه السنة العقلاء كل دار فيها مبنية من الحجر المنحوت ليس في الدار خشبة واحدة بل أبوابها و غرفها وسقوفها وبيوتها من الصخر المنحوت الذي لا يستطيع أحد أن يصنعه من الخشب وفي كل دار بئر وطاحون وكل دار كالقلعة الحصينة إذا خاف أهل تلك النواحي من العدو دخلوا إلى تلك المدينة.

ولفت أبو نقطة إلى أنه لم يعرف حتى الآن زمن الاستيطان البشري الاول لهذه المنطقة وذلك بسبب ندرة الدراسات عنها حيث اكتفى العلماء و الرحالة بزيارة المناطق السهلة فيها وكتبوا ورسموا وصوروا ما أمكنهم إلى ذلك سبيلا إذ انه من المستحيل استخدام أي واسطة نقل في عمق منطقة اللجاة حتى ان بعض المناطق لا تستطيع الحيوانات المشي فيها لافتا إلى أن الكهوف و المغارات المنتشرة في بعض اجزائها كتلك القائمة في مواقع "شعارة - أم الزيتون - دان - قم - ام الرمان - الدلافات" قد تكون سكنت في العصور الحجرية.

وركزت البعثة السورية الفرنسية الخاصة بالمسح الاثري أعمالها في صيف عام 2003 في منطقة اللجاة واكتشفت موقعا من العصر الحجري النحاسي الكالكوليت يعود لحوالي الالف الخامس قبل الميلاد وفق معطيات مبدئية قد تعطي في حال تم التأكد منها مفاهيم جديدة للابحاث التاريخية والاثرية ليس لمنطقة اللجاة فحسب وانما لجنوب سورية بشكل عام فشواهد ذلك العصر نادرة للغاية.

وأوضح الباحث الأثري أن مواقع و مدن اللجاة ازدهرت بشكل ملحوظ في القرنين الثاني والثالث الميلاديين وتؤكد ذلك شواهد مادية تتوضع في مدن المسمية و شعارة وسحر وازرع وتتمثل في معابد وثنية ومقرات قيادات عسكرية قديمة و ابراج عالية تتعلق بنظام دفاعي متقدم وشبكة مواصلات عاندت قساوة صخر منطقة اللجاة لتربط الحواضر والمدن بعضها مع بعض إضافة إلى مسرح موسيقي في قرية سحر يبلغ طول قطره 20م و قطر ساحة العازفين 25ر 10 م أما المدرج فيتألف من سبعة صفوف تفصل بينها ثلاثة ادراج ويوجد فيه ثلاث ممرات سفلية تصل حتى ساحة الاوركسترا كما يوجد مسرح آخر في موقع صور الا انه لا يعرف عنه شيء حتى الآن.

وتدل النقوش والكتابات اليونانية التي عثر عليها في بعض مناطق اللجاة على ازدهار الحياة فيها خلال العصر البيزنطي حيث لوحظ وجود ثلاث اسقفيات رئيسية واحدة في قسطنطينة براق وثانية في المسمية وثالثة في ازرع.

كما ذكر الأب متري هاجي اثناسيو في كتابه سورية المسيحية في الالف الاول الميلادي بعضا من المدن التي كانت تابعة لابرشيات اللجاة و منها بصر الحرير- حران - جمرين - عاسم - شعارة - جاج - جدية - خرسا - كريم - لبين - صور - الطف وقم - اوبير- نجران - داما العليا - ديمة - اللحف - الصورة الكبرى - دير الجواني.

وقال قاسم المحمد رئيس شعبة التنقيب في دائرة آثار درعا إن آثار منطقة اللجاة تتميز بخصوصيتها حيث انها لم تتعرض لأعمال التخريب والتعدي كونها منطقة صخرية صعبة وليس من السهل المرور أو التنقل فيها لذلك يمكن للزائر أن يرى قرى بكاملها لا تزال على حالها أبواب الحجر تعمل فيها حتى الان كما في موقع الطف وتماثيل ولوحات كتابية لا تزال تترامى هنا وهناك كما هو الحال في مواقع سحر و شعارة و منارة شريف مشيرا إلى كثرة الابراج الدفاعية فيها و التي أقيمت بهدف مراقبة الجهات الرئيسية واستشعار الاخطار التي يمكن ان تحدث ونقل الاشارات التي قد تكون على شكل دخان ناتج عن نار لانذار المدن الرئيسية كبصرى ودرعا والسويداء وعمان والبتراء لاتخاذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة مخاطر وشيكة.

ولفت المحمد إلى التنوع الكبير في أشكال هذه الأبراج بهذه المنطقة فمنها أبراج مخروطية الجذع متصلة بالمساكن و ابراج ذات جوانب عمودية وأخرى لها جدران جانبية مائلة إلى الاسفل ومنها ابراج مربعة الشكل كتلك الموجودة على طول الرصيف الروماني موضحا أن ابعاد اضلاع هذه الابراج تتراوح بين 6 - 8 م وهي مبنية من الحجارة البازلتية على صفين يرتفع بعضها 15 مترا.

وقال رئيس شعبة التنقيب إن الشيء الذي لم يتم تفسيره حتى الان هو وجود بئر و قبر إلى جانب كل برج لافتا إلى أن أعدادا أخرى من الابراج الضخمة تتركز في المنطقة الغربية من اللجاة كأبراج جنين - المطلة - بلانة وهي كما يبدو خطوط دفاعية متقدمة مضيفا أن منطقة اللجاة تشتهر بالكهوف و المغارات و تكاد لا تخلو اي منطقة من مناطقها من وجود مغارة او كهف واشهر المغارات في المنطقة مغارة الدلافة التي يبلغ عمقها الظاهر 350 مترا عثر فيها على ادلة للسكن البشري متمثلة ببعض التصاوين الحجرية وبعض كسر الفخار و هياكل عظمية لحيوانات أليفة.

ولفت المحمدان إلى أن منطقة اللجاة تضم حوالي 70 قرية وهذه القرى عبارة عن مواقع اثرية نموذجية نظرا لغناها بالاوابد التاريخية التي لم تطرأ عليها سوى تغيرات بسيطة فمن يزور قرية الطف مثلا يلاحظ ان الابواب والنوافذ الحجرية لا تزال قائمة حتى الان كما تاسر الزائر لقرية مسيكة اكثر من 57 بناء بحالة شبه كاملة واسوارها لم تظهر حتى الآن لافتا إلى أن هذه القرية ازدهرت خلال الفترات الرومانية و البيزنطية والاسلامية وابرز ما فيها الجامع والكنيسة وخزانات المياه والابار المحفورة في الصخر.

وأشار إلى أنه عثر في اساسات احد البيوت خلال عمليات التنقيب التي قامت بها بعثة سورية فرنسية مشتركة عام 1993 على نقود من عهد قسطنطين في القرن الرابع الميلادي موضحا ان موقع شعارة لا يزال كما هو و يمكن اعتباره مدينة اثرية بتفاصيلها المعمارية و اسواره متينة تحيط بالمدينة من الجهات كافة مع وجود حمامات ومقابر وأربعة معابد خارج الاسوار ثم قوس النصر في الجهة الشمالية يليه طريق يفضي إلى جامع ما هو الا كنيسة مقامة على انقاض معبد وثني من عصور اقدم. واكتشف في العام 2002 تمثال لاحد الارباب في مدينة المسمية وكانت آخر الاكتشافات الاثرية الهامة في عام 2003 موقع منارة شريف وهي تماثيل و منحوتات ولوحات كتابية بالغة الاهمية.

واذا تمعن المرء في ملامح و سمات التماثيل المكتشفة في منطقة اللجاة ملامح فن عربي محلي متأصل وأسلوب موحد في الارجاء كافة وقد اكتشفت بعض الكتابات اليونانية التي تحمل أسماء عربية مثل غاموس بن ناصر ولا تزال الكثير من الاسرار ترقد بين طيات اللجاة الصخرية ويحتاج الوصول اليها حملات استكشاف متوالية ودراسات مستفيضة تشمل كل شبر منها.

ويمكن القول إن منطقة اللجاة الصخرية هي عبارة عن محمية طبيعية فيها الكثير من التنوع البيئي ويعتقد انها كانت منطقة غابات خضراء الا ان ظروفا متعددة ازالت الغطاء النباتي وتحتوي اليوم على بعض الاشجار والنباتات التي تأقلمت مع طبيعتها الصعبة وفيها اعداد كبيرة من الطيور المختلفة والحيوانات كما انها منطقة غنية بالمياه الجوفية.

تقرير: سلطان الجاعوني - محمد ابوشنب
المصدر: سانا