محافظة الرقة و DOX BOX إبراهيم العلوش 
ينعم أهالي العاصمة بالكثير من النشاطات الفنية والثقافية التي تقيمها الوزارات والمؤسسات والمراكز الثقافية العربية والأجنبية، فما يتم تنظيمه من نشاطات في العاصمة في يوم واحد يزيد على ما يتم تنظيمه في شهر على الأقل ضمن محافظة متوسطة أو صغيرة مثل الرقة!
ولعل تظاهرة سينما الواقع DOX BOX التي تقام هذه الأيام في دمشق ولمدة عشرة أيام لا تحلم بها مدينة مثل الرقة رغم أهمية التظاهرة وتنوعها الشديد علما بأن الرقة كانت موجودة فيها بفيلم (كلام حريم) لعدنان عودة وسامر برقاوي الذين اثبتا جدارة وجرأة جعلت النقاش حول الفيلم شديد الأهمية كما قال المخرج الكبير محمد ملص.
يتناول فيلم كلام حريم قرية زور شمر الواقعة شرق الرقة وعلى ضفة نهر الفرات الجنوبية، ورغم إن الفرات نهر من أنهار الجنة فإن عيشة المرأة على ضفته نوع من مكابدة الجحيم، فالرجال لايجدون غير أخواتهم ليتمرجلوا عليهن بإخراجهن من المدارس واستعبادهن بأعمال الحقول الشاقة التي يأنف الشبان والرجال العمل فيها فالطفلة تخرج من المدرسة في الصف الرابع أو قبل ذلك والمحظوظة تبقى حتى الصف السادس إذا كان أخوتها متفتحين دون أن يشذ أحدهم ويحلو له إخراج أخته - عرضه - من المدرسة خاصة وأن المرحلة الإعدادية تترافق مع التبدلات الجسدية التي تثير الجزع في نفوس أهل البنت وفي استفراد تام تغيب عنه السلطات الرسمية من مديرية التربية وقوانين التعليم الإلزامي التي تبقى حبرا على الورق في منطقة الجزيرة التي ما تزال راتعة في العصور الحجرية من حيث التعليم وغيره من الخدمات تحت رعاية الأعراف شبه البدوية التي ترتعد خوفا من جسد الانثى فتنهال عليه استبعادا واسعبادا باستفراد لا تنفع معه القوانين والانظمة مهما بدت حضارية أو متطورة، يبين الفيلم أن تسرب الإناث من المدارس شبه تام وخاصة بعد المرحلة الابتدائية علما بأن التعليم الأساسي ينص على أن الحد الأدنى للتعليم هو الصف التاسع (الثالث الإعدادي) حسب تعليمات التربية التي تغيب عن القرى الفقيرة وتتجاهل حقوق أبنائها وبناتها وحمايتهم من وطأة الجهل والتخلف.
الفيلم يصور عمق التدهور والتخلف الذي ترزح فيه بنات قرية مهمة من قرى الجزيرة الفراتية ولا مغيث لهن إلا الرضوخ الأبدي علّ الأنظمة والقوانين تنجدهن من الاستعباد، فالحديث الجماعي للحريم في آخر الفيلم أشبه بحديث أبطال رواية كوخ العم توم التي تصور الرق بشكله الوحشي، وحسنا فعل المخرج إذ أخفى الوجوه في الظلام الدامس الذي بدا أبديا والنساء يصفن ما يعانين منه سواء بالحرمان من التعلم أو بالزيجات المتكررة أو في البحث عن منقذ، ولا شاغل للرجال طوال الفيلم إلا التفاخر بعدد الأولاد والنساء إذ ظل أحد الأبطال يعدد أسماء أولاده وبناته السبعة عشر طوال الفيلم ولم يتمكن من تذكر أسماءهم كاملة رغم انتهاء الفيلم، فمرة يعدهم ثلاثة عشر ومرة أكثر ومرة أقل حتى ينتهي المشهد بأخذ لقطة جماعية رائعة له ولزوجاته وجحافل أولاده وبناته الذين لم يتذكر أسماءهم فكيف يمكن أن يعتني بهم ويؤهلهم للحياة بشكل لائق!!
بعد عرض الفيلم تم نقاش حاد حول الجزيرة السورية وبقائها الأبدي كمصدر من مصادر الواقعية السحرية أو كذاكرة للعصور الحجرية أمام سمع وبصر الحكومات المتعاقبة وهيئات التخطيط التي لا نجد ما تخططه بشان الجزيرة السورية إلا على الورق، وهذا ينطبق على كثير من الأرياف السورية النائية كما قالت إحدى المتحدثات، لكن المخرج الكبير محمد ملص دعا إلى عقد حوار موسع حول هذا الفيلم المهم الذي يطرح الواقع بشكله الجارح وخارج الهوس السياسي – كما قال - وهذه إحدى فضائل الفيلم المهمة!
وتعقيبا على النقاش الذي دار حول الفيلم نتمنى أن يعرض هذا الفيلم في وزارة التربية وهيئة تخطيط الدولة للإطلاع على الواقع التربوي و التنموي لمنطقة الجزيرة ،و لعل الأهم هو عرض هذا الفيلم في مديرية التربية في الرقة بحضور السيد محافظ الرقة الذي استلم مهامه مؤخرا ليطلع وباختصار شديد على الواقع التربوي في قرى محافظة الرقة وفداحة التسرب من المدارس وخاصة للبنات وحتى الأولاد، ناهيك عن الواقع التربوي المتسيب والفوضوي في المدينة نفسها وحتى على بعد أمتار قليلة من قصر المحافظة الفاخر!
المصدر - (كلنا شركاء) 
|