ثماني مؤسسات في سورية تقدم خدمات التمويل المتناهي الصغر
الكاتب: ثامر قرقوط

تتجه الأنظار إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بصفتها مشروعات أكثر قدرة على مواجهة تداعيات أزمة المال والاقتصاد العالميتين، والخطوة التي يمكن من خلالها الالتفاف على الظروف القاسية التي خلقتها الأزمة تجاه الاقتصاد العالمي.

وأكثر من ذلك بدأت بشائر التمويل الصغير والمتناهي الصغر تبرز على الساحتين الاقتصادية والتنموية، وتأخذ دوراً أكبر في الاقتصاديات العالمية، وتمارس مهمة تشغيلية مثيرة بالنسبة للعاطلين عن العمل والباحثين عن فرصه.

المؤسسات أو الشركات الصغيرة والمتوسطة والتمويل الصغير والمتناهي الصغر، هما التجربة الاقتصادية القادمة بلاشك، والدعامة الأساسية التي يمكن أن تكون المنقذ الحقيقي من تبعات وآثار الأزمة العالمية الاقتصادية والمالية، والطريق الذي يمكن من خلاله السير نحو الخروج من عنق الزجاجة التي تفرضه أي أزمة ناشئة.

هذا التوجه العالمي ليس جديداً، بل تشير الإحصاءات إلى تنامي دور الشركات الصغيرة والمتوسطة في دعم الاقتصاد العالمي، وهناك دول تقوم اقتصادياتها على روافع هذه الشركات، إذ تقدر إسهامات هذه الشركات في الناتج المحلي الإجمالي للدول الأوربية بنحو 80 بالمئة، وترتكز صناعات الصين على هذه الشركات. والسؤال: أليس مطلوباً أن تنظر الدول النامية ـ وسورية منها ـ إلى هذه التجربة؟

يبدو من الصعوبة بمكان أن تنافس دولة نامية باقتصاد ضعيف شركات عملاقة وكبيرة، ومع هذا فرض التحدي التنموي على الدول أن تخوض تجربتها الخاصة تنموياً واقتصادياً واستثمارياً، واستطاعت قلة من هذه الدول أن تجد لنفسها موطىء قدم على الساحة الاقتصادية العالمية، بينما عكفت دول أخرى إلى تلبية احتياجات أسواقها المحلية، في خطوة يمكن وصفها بأنها الطريق الأفضل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي ومعالجة مشكلات التنمية على الصعيد المحلي وتحدياتها.

تجربة التمويل الصغير والمتناهي الصغر التي تؤسس لشركات ومشروعات صغيرة وتتطور فيما بعد لتكون متوسطة، نجحت في عدد من الدول، وربما في تجربة مصرف الفقراء، أنموذج صالح للمضي قدماً للعمل على تأسيس ثقافة التمويل الصغير وتلبية احتياجات رواد الأعمال الذين يملكون أفكاراً ربما تكون من ذهب، ويقف التمويل حائلاً أمام تحقيقها. ودخلت سورية على هذا الخط منذ سنوات، بإعداد الإطار التشريعي للتمويل الصغير والمتناهي الصغر، ومنها المرسوم رقم 15 الصادر في شباط 2007، الذي أوضح الطريق أمام الفريق الاقتصادي للسير في اتجاه مواز للخطط التنموية الرسمية التي وضعت، وهو يشكل رافداً لتحقيق التنمية المستدامة. وعلى المستوى ذاته نشط المجتمع الأهلي في ممارسة دور كهذا، من خلال الجمعيات الأهلية وغيرها، إذ يوجد ثماني جهات حكومية وأهلية تقدم التمويل المتناهي الصغر في سورية، وهي: مؤسسة التمويل الصغير الأولى التابعة لشبكة الآغا خان للتنمية، دائرة التمويل الصغير في الأونروا، مصرف التوفير، الصندوق السوري للتنمية الريفية (فردوس)، مؤسسة دعم وتحفيز الشباب (بداية)، مشروعات وزارة الزراعة، مكتب التنمية ومكافحة الفقر ( زيزون)، مشروع تمكين المرأة والحد من الفقر (وزارتا الزراعة والشؤون الاجتماعية والعمل).

وتشير الخبيرة الدولية في التمويل الصغير مي نصر، عضوة فريق عمل الاستراتيجية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى أن عدد المستفيدين من مؤسسات التمويل المتناهي الصغر وبضمن ذلك هيئة التشغيل وتنمية المشروعات يصل إلى نحو 49.017 ألفاً، وأن 1.2 مليون أسرة فقيرة يمكنها الاستفادة من الخدمات المالية. وهناك نحو 420 ألف أسرة قابلة للاستفادة من القروض المتناهية الصغر، ونحو 260 ألف أسرة مهيأة للحصول على خدمات مالية. وتضيف نصر : لا تغطي مؤسسات التمويل المتناهي الصغر الرئيسية القائمة أكثر من 5% من الشريحة المستهدفة، أي هناك 95% من الشريحة المهمة لا تستفيد من خدمات التمويل المتناهي الصغر.

وتوضح الخبيرة الدولية، في ورقة عمل لها بعنوان ملخص الوضع الراهن للتمويل المتناهي الصغر في سورية قدمتها في شباط الجاري، مشكلة حصول مؤسسات التمويل هذه على مواردها الأساسية التي تعتمد على منح المؤسسات الراعية وبعض التبرعات من المجتمع الأهلي ومساهمة الحكومة في بعضها، وهذا ما يؤدي إلى مواجهة صعوبات في تحقيق الاستدامة التشغيلية.

لايملك الاقتصاد السوري عموماً مشروعات ضخمة بالمعنى الكامل للكلمة، إلا أن مشروعاته المسماة ضخمة هي بالمقارنة مع حجم هذا الاقتصاد، وليس بمشروعات مماثلة في اقتصادات أكبر حجماً. لكن المشروعات الخاصة والشركات الصغيرة تمارس دوراً كبيراً فيه، وهذا يعكس مدى أهمية تأمين التمويل اللازم، وبالذات المتناهي الصغر، القادر على تأسيس مشروعات ذات جدوى اقتصادية و تسهم في خلق فرص عمل، وهذا هو المنعطف الذي يواجه اقتصادات العالم فضلاً عن الاقتصاد السوري.

بحكم المؤكد يحتاج الاقتصاد السوري في مرحلته القادمة، نظرة أعمق للتمويل المتناهي الصغر، وتقديم التسهيلات المناسبة والضرورية لطالبي هذه القروض، وأبرزها معالجة نسب الفوائد المرتفعة التي تتقاضاها مؤسسات التمويل المتناهي الصغر، إذ إن الحلول الصغيرة تسهم في مواجهة المشكلات التنموية وتحدياتها الكبيرة.

المصدر - النور