صدرت أول أبجدية للبشرية.. أوغاريت: مملكة تختصر فكرة الخصب والخلود عند السوريين القدماء 
عمل الإنسان منذ اقدم العصورعلى تحقيق حلمه بالخلود ووثق حلمه وعمله بالأساطير التي تركتها الشعوب من خلال تأطير معتقداتها وفنونها وآدابها وطرق تحقيقها وحفظها وهذا مادلت عليه كل الآثار المكتشفة والمدافن التي وجد فيها حاجات الموتى ولوازمهم التي تدل على قناعتهم بأن الجسد سيعود لاستقبال الروح مرة ثانية.
ولا شك أن أوغاريت تكتسب أهمية استثنائية لكونها صدرت أول أبجدية للبشرية "رأس شمرا" واختصرت فكرة الخصب والخلود عند السوريين القدماء من خلال مدافنها ومعابدها.
حاول الإنسان الأوغاريتي المحافظة على أشيائه العزيزة التي تشكل ثروة كبيرة كالتحف والخزف والصناعات اليدوية الفريدة والنادرة ووفر كل الشروط لحفظها من عوامل الطبيعة لتقاوم السنين وتوضع معه أثناء دفنه ليجدها عند عودته وراعى عند تشييد المدافن توفير كل الشروط لذلك جاء معظم بناء المدافن تحت أرضيات البيوت على شكل غرف مستطيلة معمرة بالحجر المنحوت وتتوزع في جدرانها طاقات مخصصة لوضع الأسرجة والتقدمات الجنائزية وتضيق جدران المدفن باتجاه السطح ويغطى عادة بألواح من الحجارة المنحوتة ليفتح المدفن في المناسبات الدينية.
وذكر الباحث جمال حيدر مدير آثار اللاذقية أنه تم الكشف في الجهة الشرقية من مدينة أوغاريت عن معبدين يرجع تاريخ إقامتهما إلى عصر البرونز الوسيط ما بين 2100/1600قبل الميلاد لكنهما بقيا قائمين حتى دمار مملكة أوغاريت في مطلع القرن الثاني عشر قبل الميلاد وهما معبدا "بعل" و"دجن".
وأشار إلى أن المعبد الأول بعل كان مكرسا لعبادة الرب بعل ولايزال محافظا على بعض أجزائه وهو مبنى فوق مصطبة كبيرة مستطيلة الشكل مدخله من الجهة الجنوبية عبر بوابة كبيرة تؤدي إلى ردهة للمذبح الذى يتقدم الهيكل أو قدس الأقداس ومن الخارج يوجد سلم حجرى يؤدي إلى سطح المعبد ونستدل من عمارة هذا المعبد أنه بناء ضخم على شكل برج عالي وتتم رؤيته من مسافة بعيدة فى البحر فكان نقطة علام للبحارة القادمين إلى ميناء "مينة البيضا" والبقايا الموجودة في داخله وخاصة المراسي الحجرية لمراكب الصيد والتجارة تدل على ان هذه المراسي كانت تقدم نذورا وهدايا من قبل البحارة وهذا يظهر أن البحارة كانوا يقدسون هذا المعبد بشكل خاص ويعبرون عن شكرهم للإله بعل الذي يحميهم من أخطار البحر.
اما المعبد الثاني فهو معبد "دجن" الذي تم تشييده على أرض مستطيلة الشكل يماثل في مخططه معبد بعل وهو مجاور له على بعد ستين مترا شرقا ويتألف من المذبح والهيكل ثم السور والرواق والسلم الحجري الذي يصل إلى الطابق العلوي ومن ثم إلى السطح ولم يتبق من عمارة هذا المعبد إلا القليل.
وقد أسفرت أعمال التنقيب الأثري فيه على العثور على عدد من النصب الحجرية مدونة باسم الإله "دجن" المعروف لدى الأوغاريتيين بأنه إله الحصاد والحبوب وواهب الأرزاق لذلك مجدوه وبنوا له هذا المعبد وقدموا له الضحايا والنذور.
وأضاف أن زائر حاضرة أوغاريت يرى مبانيها الحجرية المتناسقة والمتفاوتة المساحات والحجوم والمدافن ذات هندسة معمارية فريدة من نوعها في الشرق شيدت ضمن مخططات مدروسة لاتقاء عوامل الطبيعة من حر الصيف وبرد الشتاء والكوارث والزلازل وقد راعت هذه العمارات الاستفادة من المياه من خلال قنوات تصل إلى البيوت ثم قنوات تحت الأرض لتصريف المياه المستعملة إلى خارج المدينة كلها أعمال فنية نادرة وثمينة تدل على جملة من القيم والمزايا فهي فن رفيع وجهد إنسان مبتكر ونادر وتاريخ لفترة ما وقيمة حضارية كبيرة ومصدر الهام ومعرفة للعديد من الجوانب المتعلقة بمكان وزمان إنجازها.
فتلك الأوابد والمكتشفات تعكس موهبة مبدعها وتشير إلى تطور الحضارة التي كانت تنتمي إليها ولاسيما في المرحلة التي أنجزت فيها.
سلوى سليمان
المصدر: سانا

|