يا أمة ضحكت من إسرافها الأمم...

فاجأتني رشا، وأنا أتصفح بريدي الالكتروني، بزيارتها الصباحية قبل الموعد المعتاد.

انتبهت رشا – وهي تطالعني لتلفت نظري إلى وصولها – بأن ما أقرأه على الشاشة فيه الكثير من الإزعاج، لما طرأ على وجهي من تعبير عن الضيق والألم، فاقتربت مني لتعرف ما في الرسالة من مواضيع لم أستسغها.

وبرادار نظراتها الثاقبة لقطت عنوان الرسالة وهو: "أرقام مذهلة"، فاستأذنت في معرفة ماهية هذه الأرقام، معللة رغبتها في ذلك الوقوف على مسبب ما اعتراني من ضيق وألم، وأن العنوان "أرقام مذهلة" مثير للفضول، لما تسببه الأرقام في هذه الأيام من ضيق وألم عند الجميع ودون استثناء، لارتباطها بحسابات البنوك وأرصدة العملاء التي اضطربت بين مد وجزر، ورواتب الطبقة العاملة التي أخذت تنكمش شيئاً فشيئاً جراء إلغاء البدلات التشجيعية والحوافز التي كانت تصرف لهم، وعند الآخرين من أرباب المهن والأعمال الحرة أخذت تكتسب اللون الأحمر. كل ذلك بسبب الركود الاقتصادي، وإحجام المستهلك عن شراء الكماليات والسلع غير الضرورية. ناهيك عن ظاهرة فقدان العديد من العمال والموظفين لوظائفهم في كل دول العالم بسبب تسونومي الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية الذي لم يترك بلدا في العالم إلا ورماه بأذاه وأصابه بسهم قاتل.

فما كان مني إلا أن أعطيتها مقعدي لتقرأ بنفسها ماهية تلك الأرقام المذهلة، لأرضي رغبتها من جهة، ومن جهة أخرى لأستمع إلى قراءتها وأقف على مدى تقدمها في اللغة العربية التي تدرسها كلغة ثالثة.

وأخذت تطالع النص كعادتها عندما تصادف نصاً عربياً فتهجي حروفه  قبل قراءته. 

وقبل أن ينطلق لسانها تحولت عن الشاشة لتقول بأن الأرقام فعلا مذهلة وغير منطقية، ورغبت شرح طبيعتها ومبرر إقبال شعوبنا العربية على أوجه صرف من هذا النوع، في وقت تمر معظم شعوبنا العربية بظروف غير مطمئنة، لتوسع دائرة الفقر بين مواطنيها، ومعاناة الكثيرين منهم من أجل توفير لقمة العيش، والأمية التي لا زالت موجودة بين العديد منهم، وعدم توفر الكوادر المهنية الماهرة بين جيل الشباب لقصور مناهج التعليم عن تهيئة خريجيها للحصول على مؤهلات العمل في القرن الواحد والعشرين العلمية منها والتدريبية مما يقلل من فرص العمل ويزيد من عدد العاطلين. ومن طبيعة ظروف كهذه أن توفر شرارات الفتن الداخلية، فتوقد نارها تحت شعار الفقر والبطالة. ويتناسون أو لا يلقون بالا للهجمة الصهيونية الشرسة التي تهدف إلى بناء إسرائيل الكبرى من الماء إلى الماء ومن الجهات الأربعة لبيت المقدس، أي من مياه الفرات إلى مياه النيل، ومن مياه البحر الأسود إلى مياه بحر العرب، فتستمر إسرائيل في احتلال كل فلسطين وأراض عربية في سوريا ولبنان.

وجدت أن عندها الحق في هذه المحاضرة الشديدة اللهجة. فالأرقام المذهلة التي أمامي على شاشة الكومبيوتر تشير إلى أن الحصيلة الشهرية من الرسائل الخلوية SMS التي يتبادلها شباب وشابات العالم العربي عبر القنوات الفضائية العربية الترفيهية لتظهر على الشريط الموجود أسفل الشاشة في تلك القنوات، تقارب الثمانية مليون دولار أمريكي، وهي رسائل هابطة وكلمات معظمها تخدش الحياء وتتنافى مع القيم والأعراف.

وأن تكلفة إنتاج الفيديو كليب التي تصور وتنتج لحساب تلك القنوات العربية الهابطة يقارب ستة عشر ملياراً من الدولارات الأمريكية، للقطات غنائية استعراضية.

وأن مجموع ما يصرف للخادمات الأجنبيات في البيوت العربية هو خمسة وثلاثين ألف مليون دولار أمريكي، وبلداننا حديثة عهد في استيراد معظم أسرها بمن فيهم الطبقة المتوسطة وتحت الوسط التي تكاد تلامس خط الفقر لهذا النوع من الخادمات المنزلية التي تسببت في زعزعة الرباط الأسري، وفقدان معظم الأطفال لحنان أمهاتهم، والأزواج لرحمة ومودة زوجاتهم.

وأن مجموع ما تنفقه المرأة العربية على مستحضرات التجميل في السنة الواحدة هو ألفي مليون دولار أمريكي، (منها ألف وخمسمائة مليون دولار أمريكي تنفقه المرأة الخليجية التي تتمتع بنصيب أعلى من العاملات المنزلية لكل منهن تخصصها.

لم أجد ما أقوله لصديقتي إلا أن أطلب منها صرف النظر عن هذه الرسالة المزعجة والبحث عن موضوع آخر يكون واعداً بيوم سعيد ومريح. قبلت اقتراحي على مضض، وهمست لنفسها: "هكذا أنتم أهل المشرق العربي، تتعاملون مع الأحداث القاهرة والمزعجة مثل النعامة". وعندما سألتها عن مقصدها من تشبيهنا بالنعامة قالت لي نترك هذا لوقت آخر ولنبدأ القراءة بكتاب دليلة ودمنة، فحديث الحيوانات فيه الكثير من الصدق والموعظة الحسنة، وضحكت ضحكة ألم وتعجب، محرفة قول والدتها في مثل هذه الأمور: يا أمة ضحكت من إسرافها الأمم.

محمد بشير علي كردي