من سوق الأمير لورانس الشعلان إلى سوق التنابل من أشهر أسواق دمشق 
ما أن تدخل سوق التنابل حتى تكتشف معنى الاسم وسببه فترى فيه الكوسا المحفورة والباذنجان المقطع والفاصولياء واللوبياء والبامياء المقمعة وترى أيضاً البقدونس المفروم وكذلك أوراق الدوالي والأرضي شوكي المسلوقة وغيرها من أصناف كثيرة ومتنوعة جاهزة للطبخ ومنها ماهو جاهز للأكل فوراً، فيدرك الزائر إلى هذا السوق معنى التسمية وهي للكسالى والتنابل وأصحاب الأشغال اللواتي والذين لا يجدون وقتا لإنجاز العمل المنزلي.
وفي هذا المكان الجميل التقينا مع أحد الباعة واسمه (احمد منصور) وهو من القدماء في السوق فقد كان يعمل به منذ أن كان في الخامسة عشر من العمر والآن قد تجاوز الخمسين فقد كان يعمل هنا قبل أن يصبح أسمه سوق التنابل وقد حدثنا عن عمله والمراحل التي مرّ فيها هذا السوق وحقيقة هذه التسمية فقال: "في البداية كان يسمى سوق لورانس الشعلان وهو نسبة لأمير كان يعيش في المنطقة وهي من أرقى حارات دمشق ولازالت إلى الآن تسمى الشعلان، لكن تدخل إليها اسم آخر وهو سوق التنابل فأصبح يراوح الاسم بين حي الشعلان أو سوق التنابل وهو اسم جديد بدأ يطغى منذ أكثر من خمسة عشر عاماً حيث نبيع فيه الخضار الجاهزة للطبخ".
أما زبائنه فهم من شرائح مختلفة لكن أغلبهم ميسوري الحال والعازبين والموظفات ذوات الرواتب العالية واللواتي لا يساعدهن الوقت على إتمام عملهن المنزلي في وقت الغداء وهو وقت الظهيرة وهذا ما أكده البائعين الذين قابلناهم في السوق.
ولهذا السوق قصة تحكيها ظروف الناس وأحوالهم لتقول مصائب قوم عند قوم فوائد وقد بدأت الحكاية منذ منتصف الثمانينات تقريبا عندما تلقف الفكرة أحد باعة الخضار في حي الشعلان من "أبي عبدو المزاوي" حسب الروايات التي تتلى في السوق وهو رجل دفعه الفقر إلى تزويد سيدات حي المزة والمالكي وأبو رمانه وهي من الأحياء الراقية في دمشق بالخضار الجاهزة للطهي، كان أبو عبدو يستعين في مهنته بحمار يجرّ طنبراً ويدور على بيوت سيدات المجتمع "المخملي" بتوصية مسبقة من تلك السيدات.
ومن ثم بدأت النساء الفقيرات والمزارعات يجدن مخرجاً من الفقر بأن يعمل العمل نفسه فأصبحن يجهزن الخضار ويبعنها إلى أصحاب المحلات في السوق وبالتالي ينلن أجرا ماديا على عملهن. وهذا تحت إشراف الخضرجية وأصحاب المحلات الذين يتعاقدون مع تلك النسوة ويطلبن منهن طلبات بحسب إرادة السوق، أما عن كيفية البيع وماهو الربح الذي يتقاضاه البائع والعاملين، يتحدث (سلمان زيود) وهو من أحد أصحاب المحلات الذين يتعاملون مع فئات مختلفة من المجتمع الأغنياء والفقراء، المثقفين والبسطاء، وغيرهم حيث يقول : "نأخذ خمس ليرات أو أكثر زيادة عن السعر الحقيقي أو عن سعر التموين على الكيلو لأي نوع كان من الخضار وهذه الزيادة ندفعها للسيدات اللواتي يقمن بمساعدتنا في تحضير الخضار بغية جعلها معدة للطهي، وتزداد هذه المبالغ بحسب الأحوال المادية وازدياد الطلبات".
ولتلافي النقص بالوزن بعد أن تكون الكوسا قد فرّغت من محتواها وكذلك الباذنجان وجميع أنواع الخضار يقول السيد سلمان:" إننا نزن الخضار قبل إعدادها للبيع بالشكل النهائي وهكذا نبيع بالسعر العادي الذي يبيع به معظم التجار مع فارق الخمس ليرات لصالحنا أو بالأحرى أجرة تعب السيدات الفقيرات اللواتي يعملون بتقميع الخضار وطهيها أحيانا".
أما الخضار التي تفضّل لآخر النهار فهي لا ترمى بل يستفاد منها وهذا ما أكده سلمان حيث قال:" مثلاً الفول المتبقي لدينا نسلقه نصف سلقة ونضعه في البرّاد و نبيعه مجدداً في فصل الشتاء، وكذلك البازلاء وباقي الخضار نحاول الاستفادة منها قدر الامكان لا نخسر من شيء".
وشهرة هذا السوق أتت من موقعه حيث أنه يتوسط المدينة ويتفرع من أهم شارعين وهما الحمراء وأبو رمانة، وأيضا من تخصصه الفريد والنادر ببيع كل أنواع الخضار الجاهزة للطبخ بعد تحضيرها مغلفة بشكل أنيق حيث لا تحتاج المرأة إلا لفتح كيس الخضار وتحضيرها للطبخ أو للمقبلات.
وتعني كلمة تنابل الكسالى قليلات الحركة في منازلهن حسب التفسير المحلي لكلمة تنابل المنتشرة بين الشوام، فهناك النساء العاملات في دوائر الدولة والمعامل والشركات، وهؤلاء مضطرون لشراء الخضار الجاهزة من سوق الشعلان بسبب دوامهن الطويل وعدم مقدرتهن على التوفيق ما بين متطلبات الطبخ في منازلهن والعمل لساعات طويلة تمتد من الثامنة صباحاً وحتى الرابعة عصراً، كذلك هناك مدرسات الجامعات والطبيبات والمحاميات والمهندسات وسيدات الأعمال ونساء الجاليات الأجنبية المقيمات في دمشق وهؤلاء ليس لديهن الوقت لتحضير الطعام في مطابخهن فيرتادون سوق الشعلان.
وهنا التقينا مع إحدى السيدات اللواتي يرتدن هذا السوق وسألناها عما تشتريه ولماذا تفضل هذا السوق على غيره فقالت:" إن هذا السوق يتوافر فيه جميع أنوع الخضار المشكلة والفواكه وأستطيع أن آخذ ما أرغب به من خضار جاهزة للطبخ حيث أن الوقت لا يساعدني لإنجاز ما أريده فأنا أعمل خلال النهار ولدي مسؤوليات كثيرة من تعليم الأولاد وتنظيف المنزل وتجهيز الاحتياجات بالإضافة إلى عملي خارج البيت الذي يأخذ كل الوقت الصباحي، وما يلقب به بأنه سوق الكسالى أو التنابل هو تهمة باطله فقد كان الاسم ينطبق على رواده في فترة زمنية ماضية أما الآن فرواده هم من النساء اللواتي يعملن طوال النهار ولا يجدن الوقت الكافي لإنجاز الطعام في الوقت المناسب فيستعن بهذا السوق أما الأغنياء والكسالى فلديهن خدم وهذا لا ينطبق على السيدات اللواتي يشترين الآن من هذا السوق فيجب أن يصبح الاسم سوق الكادحات وليس التنابل".
وهذا ما توافقها الرأي به (مارلين قسطنتين) وهي مديرة في المصرف ومن رواد هذا السوق فتقول:" بالفعل هذه التسمية يجب أن تتغير لأننا نحن النساء ذهبنا إلى العمل ولم نجد في البيت من يساعدنا فالرجل بقي على كرسيه العاجي لذلك مسؤولية البيت تقع على المرأة وحدها وهذا ما يجعلها مضطرة للبحث عن سبل لإنجاز مسؤولياتها والأعباء المنزلية التي تقع عليها كي لا تتهم بالتقصير لذلك تلجأ إلى سوق التنابل لتشتري الطبخات النصف جاهزة ليصل الغداء في موعده وكذلك من أجل العزائم والمناسبات، وهذا مصروف إضافي لكنه مريح وهذا السوق نظيف وتتوفر فيه جميع المتطلبات، أما الأغنياء فلديهم خدم ولا حاجة لهم بالخضار النصف جاهزة فالخدم ينجزن ذلك، واني أشكر جميع النساء اللواتي تعملن في هذا السوق فهن يستفدن ونحن نستفيد والبائعين أيضا هذه حال الدنيا وهذا ما تتطلبه الحياة العصرية ويبقى أفضل من الطعام الجاهز من المطاعم على الأقل نطبخ الطعام على ذوقنا ويبقى أرخص من الجاهز ومفيد صحيّاً".
وهكذا مع تطور الحياة وتبدلها يزداد الإقبال على هذا السوق وبعد أن وجد أصحاب محلات السوق كثرة الإقبال على منتجاتهم من الخضار الجاهزة رفعوا أسعارهم بحيث تفوقت على أسعار كل أسواق دمشق المعروفة وصار يطلق على سوق الشعلان تسمية جديدة وهي: (سوق الغلاونجية) أي سوق المواد الغالية والمرتفعة الثمن، ويبقى سوقا جميلا فيه ألوان وأشكال مختلفة من الفواكه والخضار المصفوفة بشكلها الجميل والروائح المعطرة من الغوطة والبساتين لتصبح حديقة عصرية.
خاص - الأبجدية الجديدة

|