أسرٌ عربية تفوقت في أمريكا
توطئة:
"رياض الحلبي هو واحد من هاتيك الكائنات التي انساقت وراء رغباتها، فوصل إلى جمهورية الدومنيكان وهو في الخامسة عشرة من العمر، وحيداً، لا مال لديه ولا أصدقاء، والأنكى من ذلك، أنه أتى بتأشيرة دخول سياحية وبجواز سفرٍ عثماني مزور، اشتراه له والده من قنصل متجول في الشرق الأدنى".
هذا ما نقلته الكاتبة  "غراسييلا آسكاراتي" عن زميلتها "ايزابيل الليندي" في مقال بعنوان "الهجرة العربية إلى أمريكا – "حكايات أسرية".
 
رؤية مألوفة: "التوركو"
تقول "غراسييلا": منذ مئة عام ونيف ومرأى البائع المتجول "التوركو" بات شيئاً مألوفاً في القارة الأمريكية، سواء كان في جبال الأندلس الفنزويلية أم في منطقة "لاغواهيرا" موطن الهنود الحمر في كولومبيا، أم في حقول القصب حول مدينة "سان بيدرودي ماكوريس" في جمهورية الدومنكان، أم بين شعاف سلسلة جبال "لاس كونديس" التشيلية، أم في رحاب الأزقة الترابية بسهوب "البامبا" الأرجنتينية. في كل هذه المواضع يلتقي المرء بذلك البائع متسنماً عربته الكبيرة وهو ينادي على ما لديه من بضائع متهاودة الثمن، أقمشة، ملابس، أدوات تجميل وغير ذلك من المنتجات بما في ذلك الأمشاط بمختلف أنواعها.
وتمضي الكاتبة معربة، ما من أحد منا، أبناء أمريكا اللاتينية، إلا ويختزن في ذاكرته صورة لشخص كرياض الحلبي، إنسان مفتول العضلات، كث أهداب الجفون غليظ الحاجبين، ومن على عربته يرمقنا محياه البشوش بعينين خضراوين كحبتي زيتون، فيما "يعلمنا فن المساومة".
 
البداية واحدة في كل مكان:
أخذ المغتربون العرب بالتوجه إلى العالم الجديد منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وما يزال توافدهم مستمراً حتى أيامنا الحاضرة، في البدء كان هدفهم الوصول إلى الولايات المتحدة، تليها من حيث الرغبة، كل من الأرجنتين فالمكسيك فالبرازيل، أما كولومبيا فكانت في ذلك الحين مسرحاً لحروب أهلية، ومشكلات اقتصادية وإدارية وفيها يتنامى الاستياء والمعارضة في وجه حكومة الجنرال رافائيل رابيس، مما انتقص من قدرتها على اجتذاب المهاجرين، لكن بعضاً من هؤلاء وصل إلى مرفأ "بارافكيا" التي كانت يومئذ ثاني المدن الكولومبية من حيث الأهمية، ومما يجدر ذكره في هذا المجال أن الكثيرين من الوافدين لم يقصدوا تلك المحلة تحديداً، بل نزلوا في مينائها حاسبين أنهم وصلوا إلى بونيوس ايريس، ولم ينتبهوا إلى خطئهم إلا بعد حين، لكن سواء كان في كولومبيا أم في فنزويلا أم في جمهورية الدومنيكان كانت التجارة الجوالة القاسم المشترك بالنسبة للمغتربين العرب الجدد، وغالبيتهم من مواطني سورية ولبنان وفلسطين، منها ينطلقون فيفتتحون المتاجر وسائر المنشآت الاقتصادية من صناعية وخدمية، كما يجلبون الأقرباء والأصدقاء لمساعدتهم في أعمالهم.
 
سرعة التأقلم مع الوسط:
تبرز مؤلفة المقالة المنشورة على موقع الانترنت ميزة يكاد العرب أن ينفردوا بها وهي القدرة على التكيف مع البيئة التي يتواجدون فيها، وتضرب على ذلك مثلاً هو «خوسيه» يوسف أبو شايب، الذي أتى إلى كولومبيا برفقة عمه موسى قادماً من بيت جالا في فلسطين عام 1904، وهو - أسوة بغيره من الوافدين - جاء ليجني - خلال فترة وجيزة - ثروة تكفيه لعيش مريح في وطنه، إلا أن فرصة الإثراء أغرته في البقاء.. كان ذلك قبل الأزمة الاقتصادية لعام 1929، والتي أدت إلى إفلاس الكثيرين من الأغنياء وأصحاب المؤسسات، والى تلك الحقبة من تاريخ الهجرة أشار الكاتب الشهير "غابرييل غارسيا ماركيز" في مجموعته القصصية "ماكوندو" بعد ذلك أخذ المغتربون العرب بالانتشار في المقاطعات الكولومبية المختلفة، لدرجة أن العام 1945 تميز بوفرة الجوالي العربية التي شمل حضورها مقاطعات البلاد كافة باستثناء "انتيوكيا" (وهي الترجمة اللاتينية لإنطاكية)، ذلك أن أهالي المقاطعة المذكورة اشتهروا بالصلف والجشع بحيث كان السوريون واللبنانيون يواجهون المتاعب أثناء عملهم في ذلك الإقليم، فيصرفون النظر عن البقاء فيه.
 
إسهامات جديدة في دنيا التجارة:
لقد أدخل المغتربون العرب السوريون واللبنانيون، إلى عالم التجارة في القارة الأمريكية أسلوباً جديداً في التعامل قائماً على التسهيلات، وبموجبه تتوفر للزبائن إمكانية اقتناء حاجاتهم مقابل أقساط تدفع على مهلٍ محددة تتراوح بين الأسبوع والشهر الواحد، مما احدث ثورة حقيقية في هذا المضمار إذ استحال النظام المذكور إلى عامل هام من عوامل ارتفاع وتيرة الاستهلاك والتشجيع عليه، وبالتالي تنشيط عملية ترويج البضائع وتصريفها، مما يعني مزيداً من الأرباح بالنسبة للتاجر.
 
ارتقاء في المستويين الاقتصادي والاجتماعي:
وهنالك ظاهرة أخرى متميزة الأهمية وهي أن ما حققه أبناء الجوالي العربية من ارتقاء الحقل الاقتصادي أتاح لهم الانخراط في مجتمعات "النخبة" والمساهمة في الحياة العامة للبلد الذي يحتضنهم حيث لم يتوانوا عن تعليم أبنائهم وإيصالهم إلى أعلى مستويات التحصيل، مما حقق لهم مكتسبات وفيرة ومنها المشاركة في الحياة السياسية.
هذا القول ينطبق على عموم الأقطار الأمريكية اللاتينية، ففي الأرجنتين شهدنا كيف ارتقى كارلوس منعم - السوري الأصل- إلى السدّة الأولى، علماً بأن أخاه الشقيق ادواردو كان حينئذٍ على رأس السلطة التشريعية في الجمهورية الفضية.
مثال آخر على التفوق الاغترابي العربي هو شفيق حنظل الذي نعته جمهورية السلفادور قبل أيام، وكان قد ترشح لرئاسة الدولة في ذلك البلد من أمريكا الوسطى وشعاره "فلنقض على الفقر، ولنكفل الديمقراطية الحقيقية للجميع" وهو صاحب العبارة الشهيرة التي تقول «عندما تحيي إسرائيل ذكرى استقلالها المزعوم، فهي تحتفل باغتصابها الأرض العربية وتشتيت ما يزيد عن المليون من الفلسطينيين".
ولدينا أيضاً عبد الله أبو كرم، المولود في الاكوادور من أبوين لبنانيين، وفي كولومبيا غابرييل ثورباي (طربيه) الذي كان خصومه يلقبونه "التوركو" للنيل من قدره، إلا انه تقلب في أعلى المناصب من نائب في البرلمان إلى وزير للداخلية، وقد كان على وشك الفوز بمنصب الرئاسة لولا وفاته المبكرة، علماً بأن  "ثورباي" كان واحداً من القادة البارزين للحزب الليبرالي الوطني في كولومبيا.
 
مثال يستحق التنويه:
عندما رشح المغترب -اللبناني الجذور- بابلو معلوف، لرئاسة جمهورية البرازيل في عقد الثمانينيات، وكان آنئذ قد أمضى نيفاً وعشرين عاماً في منصب العمدة لأكبر حواضر ذلك البلد، سان باولو، كانت استفتاءات الرأي العام تعطيه نسبة (70٪) من النجاح، لكنه خسر المعركة بسبب معارضة الولايات المتحدة له، لم تكن تلك معارضة لإنسان يمارس الإرهاب ولا لمتدين متطرف أو أصولي، بل لشخص محب لوطنه وفكر بتخليصه من دينه الخارجي من خلال جلب فائض الأموال العربية إليه.
 
الاغتراب العربي في جمهورية الدومنيكان:
على مر السنين، وجيلاً بعد جيل، تميز الحضور العربي في جمهورية الدومنيكان بالتعايش الأليف والخلاق مع المجتمع، هذا ما أكدته الأديبة "آسكاراتي"، فيما نرى المؤرخ "أورلاندو إينوا" يقول: "إن ما يستلفت الانتباه في التركيبة الاجتماعية للاغتراب العربي في البلد الذي بدأ حوالي العام (1890) هو حداثة السن، والافتقاد الكلي للنقود".
وعلى سبيل الإيضاح يردف المؤرخ قائلاً: إنهم مغتربون شباب، من أسر فلاحية، بالكاد تكفيهم مدخراتهم البسيطة لشراء بطاقات السفر إلى أمريكا.
إن الألفة والإبداع اللذين أشارت إليهما الكاتبة في سلوك المغتربين العرب ليتناقض كلياً مع تصرفات تجار مدينة "سان بيدرو دي ماكوريس" الذين حملوا السلطة التشريعية لجمهورية الدومنيكان على إبداء موقف سلبي تجاه المغتربين، كان ذلك  عام /1896/، أما الذريعة فتتمثل بطراز عيشهم القائم على التقشف، في حين أن السبب الحقيقي كامن في طبيعة الجفاء والطمع التي تسم أهالي تلك المدينة الهامة في الجزيرة التي يتشاطرها شعبا الدومنيكان وهايتي.
هنا تستحق الإشارة إلى أن للحاضرة المذكورة أهمية فائقة كمركز استقطاب تجاري، وذلك يعود لتطور صناعتها السكرية، ولوفرة المرتكزات السكانية المحيطة بمعامل السكر المتواجدة في إقليمها، إلى جانب أهمية مينائها البحري، وهناك سجل التاريخ للمغتربين العرب مواقف جريئة دفاعاً عن حقهم المشروع في حرية العمل حيثما أرادوا، فأثبتوا وجودهم في المحلة، حيث أستحالوا إلى أقطاب اقتصادية، كما هي حال أسرة منصور التي كانت تستورد من فرنسا كل معروضات محلاتها الكبيرة المسماة "فينوس".
 
كذلك وفي المجالات العلمية:
عدا عن المجلّين في الحياة السياسية، برزت في أمريكا اللاتينية أعداد وفيرة من المغتربين العرب المتفوقين في شتى مجالات العلوم والآداب والصحافة والفنون بسائر فروعها.
وكما تنوه الكاتبة "غراسييلا آسكاراتي" فمنذ بدايات القرن العشرين الماضي والمغتربون العرب يشاركون - وبنشاط متميز- في كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية للبلاد التي يتواجدون فيها، من خلال الانتساب لسائر التنظيمات السياسية وولوج مجالات العلم والأدب والفنون بشتى أنواعها وفروعها، متبوئين حيثما وجدوا أعلى مستويات الكفاءة واللياقة، وذلك لدرجة يقال معها اليوم في كولومبيا، إن أبرز شخصيات البلد هم من أصول عربية وتحمل كنيات عربية، مثل "تورباي" في السياسية، وغصين في الصحافة، والفنانة المجلية في عالم الموسيقا والألحان والتي قدمت للعالم أجمع أروع أمثلة الاندماج، ألا وهي شاكيرا مبارك اللبنانية الجذور، وهذا ناهيك عنه أعداد لا تحصى من المجلّين في دنيا العلوم وعالم الاقتصاد بكل صنوفه.
 
توفيق حمد الفقيه – البعث – 16/02/2006