أحمد مادون بعد ربع قرن على وفاته...
ألا يحق للتشكيليين السوريين أن يكون لهم معرض دائم لأهم أعمالهم

ربع قرن على غياب الفنان السوري التشكيلي "أحمد مادون"، هذا الفنان الذي ترك ورائه إرثاً هاماً حفظته زوجة محبة وأولاد زرع فيهم عشق الفن.
"الأبجدية الجديدة" وضمن باب "مميزون من سوريا" التقت ببنات الفنان "أحمد مادون" وسجلت لكم المعلومات التالية:

لمحة سريعة عن حياته:
ولد الفنان أحمد مادون في تدمر عام 1941، وتميز منذ صغره بتذوقه للفن، حيث بدأ برسم الأشخاص المحيطين به من عمر الثانية عشرة. كان محباً للسفر والمطالعة، حيث كان يسافر كثيراً مع عمه بحكم كونه قاضٍ.
هواية الرسم ترافقت مع تفوقه في الدراسة، حيث عُرف عنه أنه كان يحفظ دروسه من أساتذته مباشرةً، وهذا ما جعله ينال المركز الاول في الثانوية على مستوى محافظة حمص والثاني على مستوى القطر.
ولتفوقه أرسل في بعثة إلى مصر لدراسة الإقتصاد. إلا أنه عاد إلى دمشق بعد الإنفصال لإكمال دراسته وحاز على إجازة في إدارة الاعمال.
الفنان "مادون" قال في إحدى مقابلاته أنه بدأ الرسم فعلياً منذ عام 1957 حيث كانت أولى محاولاته تجسد الحس الريفي من حيث الأماكن والأشخاص.
استطاع "أحمد مادون" تطوير تقنيات الرسم لديه من خلال استخدام كل ما اتيح له من وسائل يمكن أن تضفي طابعاً جمالياً على لوحاته. وكانت مدينة تدمر دائماً مصدر إلهامه ووحيه مما جعل لوحاته وأعماله تتحول إلى ذاكرة تحمل في طياتها رؤى لعالم "مادون".
في الجامعة بدأ الفنان "مادون" رحلة الإحتراف في الرسم حيث شارك في مجموعة من المعارض.
بعد تخرجه أرسل عام 1967 في بعثة من قبل المكتب المركزي للإحصاء إلى اليابان لدراسة علوم الكومبيوتر، وبحسه الفني المرهف تذوق قيم الحضارة اليابانية وبدأ بصناعة الدمى اليابانية وتلوينها بأسلوبه المميز، وشهدت طوكيو أول معرض للفنان "أحمد مادون".

بعد عودته من اليابان وفي عام 1969 غادر إلى الكويت ليعمل في إحدى شركات النفط بمجال إدارة الأعمال، وكان معروفاً عنه أن أدوات الرسم لم تكن تفارقه، وأنه لم يكن يفوت فرصة لرسم ما يجول بذهنه من أفكار ومشاهدات، وعندما لا يجد ما يرسم عليه كان يرسم على أقرب شيء يجده كقصاصة ورق أو فاتورة أو حتى علبة محارم، ولم يستثنى الحائط أيضاً من المساحات التي طبع عليها بصماته.


 عاد إلى دمشق عام 1971 وبدأ أسلوبه الخاص بالتجلي أكثر فأكثر، صنع كل شيء لوحده، لم يترك مادة إلا وسخرها لفنه، حتى إطارات لوحاته كان يصنعها بيديه. لم يوفر ليل أو نهار لينقل دفق أفكاره إلى لوحاتٍ تشهد لموهبته الفذة، مما جعله غزير الإنتاج وخصوصاً في سنينه الأخيرة، وكأنه كان في سباق مع الزمن ليترك إرثاً هاماً لم يدركه إلا القلائل.

تنوعت رسومه من البورتريه للتجريد والتشكيل، واستخدم كل ما استطاع من تقنيات، لم يكن لديه أي حواجز تمنعه من تجريب أي مادة تصل إليه. أعاد صناعة النقوش والتماثيل التدمرية وإنما بعد أن أضفى عليها أسلوبه الخاص. فجاءت كفعل ديمومة لحضارات الأجداد، وما أحوجنا الآن إلى أعمال "أحمد مادون".
أتقن الحفر على الخشب، وطوع كل التقنيات واستوعبها ولم تستوعبه.

يقول "د. محمود شاهين" في مقالته المنشورة في صحيفة تشرين بتاريخ 29/05/2007 ما يلي:
"الشيء اللافت في تجربة الفنان الراحل أحمد مادون حماسته الشديدة للقيام بتجريب تقانات التصوير كلها، إضافة الى الطباعة بوساطة الخشب حيث استخدم في انجاز بعض أعماله الألوان المائية والزيتية والغواش وزاوج في عدد منها بين الحفر والتصوير. الى جانب اللوحة قدم أيضاً مجموعة من الدراسات الخطية قدمته رساماً متمكناً وجريئاً، وهذا التنوع في استخدام التقانات واكبه تنوع مماثل في الأساليب والصيغ المعتمدة في التعبير عن موضوعات أعماله التي ناست بين المنظر الخلوي والعمارة القديمة والموضوعات المركبة من الطبيعة والانسان، حيث حوّل المنظر الطبيعي الى مشهد سريالي وزع فيه الشخوص المرسومة بواقعية وجمع في أعمال أخرى بين الصيغ الواقعية التعبيرية والصيغ المجردة، والمزاوجة هذه كانت تتم بتأليف وتنظيم مدهش يعكس براعته في السيطرة على موجودات اللوحة التي تنهمر فوق سطحها بمجرد مواجهته له وذلك بتأثير ما تحمل ذاكرته من تداعيات مكثفة وغزيرة وما تختزنه ريشته من خبرة فنية وتقانية ولأن هذا السطح الأبيض النقي كان يشكل له «وهو الفنان العصبي الشارد المهموم المسكون بهواجس لا حصر لها» متنفساً من جهة ووعاء لثقافته المتشعبة وتداعيات خياله الخصب من جهة ثانية!!".

شغل "مادون" مجموعة من المناصب، من بينها مدير الفنون الجميلة في وزارة الثقافة، ومن ثم مديراً لمركز "أدهم اسماعيل للفنون الجميلة". وكان قد أجرى دورة تدريبية في بريطانيا حول مبادئ تعليم الرسم للأطفال. وقد قام بالفعل بتدريب مجموعة كبيرة من الأطفال على الرسم، والكثير من طلابه ما زالوا يرسمون حتى اللحظة بعد أن نقش فيهم عشق هذه الهواية، والبعض منهم أصبح من أعلام الفن التشكيلي في سوريا.
لقد سعى "أحمد مادون" لتحقيق مشروع دراسة فن الطفل، إلا أن الموت منعه من تحقيق هذا المشروع الحلم.

لم تغب البيئة التدمرية عن لوحاته وأعماله وهو أبن تدمر الغارق من رأسه حتى أخمص قدميه في عبق هذه الحضارة، مع كل ما أضافه من علمه وخبرته العلمية والعملية ورؤيته الخاصة. أقام أول معرض خاص به عام 1976 حيث عرف بأسلوبه المميز. جاء المعرض عابقاً بالألوان الشرقية الحارة، فمن ألوان البادية إلى الوجوه التدمرية ولوحة الفارس، مما جعله يلقب ببيكاسو الشرق.

تلت هذا المعرض مجموعة من المعارض قبل أن بفاجئه الموت في حادث سير مؤلم عام 1983، يوم كان يعد لمعرض ذو عنوانين رئيسيين "الحرب الأهلية في لبنان" و"الزهور" قاصداً من دمج الموضوعين إطفاء فسحة أمل بفجر جديد يطل على لبنان والمنطقة. 

أهم معارض الفنان أحمد مادون:
المعرض الأول في دمشق - صالة أورنينا – تاريخ 4/3/1976.
المعرض الثاني في دمشق - صالة أورنينا – تاريخ 21/5/1977.
المعرض الثالث في حلب – المتحف الوطني – تاريخ 1/4/1978.
المعرض الرابع في دمشق – المركز الثقافي الفرنسي – تاريخ 20/11/1979.
المعرض الخامس في رومانيا – متحف كونستانزا للفنون – عام 1979.
المعرض السادس في دمشق – المركز الثقافي العربي – تاريخ 26/2/1983.

معارض للفنان أقيمت بعد وفاته:
معرض في دمشق – المركز الثقافي العربي – تاريخ 26/6/1983.
معرض في حمص – المركز الثقافي العربي – تاريخ 7/7/1984.
معرض في دمشق – صالة عشتار – تاريخ 5/10/1995.
معرض في دمشق – المركز الثقافي الإسباني – تاريخ 1/3/2001.
معرض في دمشق – صالة فري هاند – عام 2007.

اليوم وبعد خمسة وعشرون عاماً على رحيله، ما زال منزله مليء بمئات اللوحات التي تنتظر مكاناً يليق بها، لتعرض فيه كجزء من الإرث السوري المهم. والسؤال المطروح على الجهات المعنية وفي مقدمتهم وزارة الثقافة، ألا يحق للفنانين السوريين، اللذين تركوا أثراً هاماً في الحياة الفنية السورية الحديثة، ألا يحق لهم أن يكون لهم معرضهم الدائم وزواياهم الثابتة؟ ألا يعتبر هذا الأمر من الأهمية بمكان بحيث يقام لهم بناء خاص يحمل في تصميمه الخارجي والداخلي وحي أفكار هؤلاء الفنانين فيكون محجاً لكل عاشق فن ولكل باحث عن القيم السورية.
نأمل أن نرى هذا الحلم يتحقق قريباً من خلال صرح حضاري متميز يليق بمكانة هؤلاء الفنانين كما يليق بمكانة سوريا الحضارة في الماضي والحاضر.

الأبجدية الجديدة

مالك الحداد

لمزيد من المعلومات عن الفنان "أحمد مادون" يمكنكم زيارة الموقع التالي:
http://www.ahmadmadoun.com