وجه من سوريا
د.عدنان وحود

"عدنان وحود" .. نساج عربي يغزل اختراعات

د.عدنان وحود عالم سوري الأصل، يعيش في ألمانيا منذ عام 1971م، طالب يعمل لتأمين قوت يومه، ثم عالم مخترع ورئيس لقسم الأبحاث والتطوير في شركة "دورنييه" لصناعة آلات النسيج، ولا يكاد يخلو مصنع كبير للنسيج في العالم، ما بين الصين وأوربا وأمريكا، من آلة حديثة من صنع "دورنييه" أو آلة دخلت عليها بصمات عدنان وحود، في تطوير جديد لطريقة عملها.
يعيش وحود مع أسرته في مدينة لينداو الحالمة على سفوح جبال الألب، عند ملتقى الحدود الألمانية السويسرية النمساوية، وتعرفه المدينة على أكثر من صعيد؛ فعلاقاته الاجتماعية وإسهاماته الثقافية فيها موضع التقدير لدى الجهات الرسمية والشعبية، مثل إنجازاته الاختصاصية الكبيرة التي ساهمت إسهاما رئيسيا في تعزيز شهرة شركة "دورنييه".
وقد شهدت لينداو يوم 19-5-2004 احتفالا كبيرا لتكريم وحود والشركة التي يرأس قسم الأبحاث والتطوير فيها، بوسام الإبداع لعام 2003م للشركة، ووسام المخترعين للعام نفسه لصاحب أكثر من 70 براءة اختراع وتطوير تم تسجيلها أوربيا وعالميا حتى الآن. وقد كان لهذه الاختراعات دور كبير في الارتفاع بمستوى المكانة العالمية للشركة التي تصدرت في هذه الأثناء موقعا متقدما على صعيد صناعة آلات النسيج.

الجائزة والإنجاز:
كان لأحد هذه الاختراعات مؤخرا أهمية بالغة، لفتت الأنظار إليه في معرض "إيتما-ITMA" الاختصاصي الكبير، أثناء دورته الأخيرة في أول أكتوبر عام 2003م ببريطانيا، وحمل الاختراع التطويري الجديد عنوان نظام "لينو السهل"، وتميز –كما يقول اسمه- بتسهيل عملية الإنتاج إلى جانب ميزات عديدة أخرى لتخفيض التكاليف ومضاعفة المردود.
أصبحت آلة النسيج بعد تطويرها وفق النظام الجديد تعطي أضعاف إنتاجها السابق دفعة واحدة، مع اختصار استهلاك المواد الأولية، ورفع مستوى نوعية الخيوط النسيجية فيما يُسمى "نسيج الشبيكة"، ولها شبكة متينة ثابتة للغاية، تصلح للاستخدام في إنتاج الستائر، وأرضية تثبيت السجاد وغيره من أنواع الكسوة، كما تستخدم في صناعة الأقمشة المكونة من الألياف الزجاجية لواجهات الأبنية، وغير ذلك من المجالات الصناعية للأنسجة.
وفي مقدمة ما لفت أنظار "أهل المصلحة" إلى أهمية الاختراع الجديد أن الآلات التي كانت تعمل في إنتاج هذا النسيج دون أن تصل إلى طاقتها القصوى بسبب صعوبة إنتاجه أصبحت قادرة على استنفاد تلك الطاقة بمعدل 100%، دون صيانة إضافية للآلات. وتجتمع الخصائص المذكورة وغيرها لتجعل خبراء هذا القطاع الصناعي يتحدثون عن الاختراع الجديد كمدخل إلى قفزة نوعية "تفتح الآفاق أمام عصر جديد في صناعة النسيج"، على حد تعبير أحدهم أثناء الاحتفال بمنح جائزة المخترعين للدكتور وحود، وجائزة الإبداع للشركة، بحضور عدد من كبار المدعوين من القطاعات الصناعية والسياسية والإعلامية.

"خبايا الصنعة" منذ الطفولة:
وكان مما كتبته صحيفة "لينداور تسايتونج" بقلم بينيديكتا روتشتاين في اليوم التالي للاحتفال قولها عن د.وحود: موهبة الابتكار والاختراع لديه تضمن الدخل المادي لأسـر عديدة في لينداو، ومن دونه لم يكن يوجد عدد كبير من أماكن العمل، كما يقول رئيس الشركة بيتر دورنييه الذي يذكر كلمات أبيه أن النجاح يتحقق عبر التقدم التقني، ويضيف أن "وحود كان وراء قدرتنا على صنع ما يسرنا، وهو أن نفاجئ المنافسين والزبائن باستمرار بالجديد من المبتكرات والحلول وبراءات الاختراع".
وكان من المتحدثين في الاحتفال أيضا بروفيسور فولفهورست المدير العام السابق لمعهد تقنية النسيج في الجامعة التقنية بمدينة آخن (حيث درس وحود)؛ فكشف فولفهورست للحضور عن جانب من شخصية العالم السوري وحياته لا يعتبر مألوفا في ألمانيا؛ فسيرته العلمية ومكان عمله المرموق لم يكن من قبيل ما يتناقله الأبناء عن الأحفاد في عالم الاقتصاد الصناعي.
كان وحود أحد أولاد أسرة فقيرة يشتغل عائلها في دمشق على آلة "النول العربي" اليدوية القديمة للنسيج، وكان على ابنه الصغير عدنان أن يعمل أيضا ليشارك في تأمين دخل الأسرة، وهناك كانت البداية التي أوجدت لديه لاحقا -أثناء دراسته في آخن- رغبة جامحة في التعلم باهتمام كبير؛ فكان ذلك أساس ما ارتقى له من بعد.
ولم يكد الطالب الشاب يختم دراسته حتى أعلنت شركة سويسرية رغبتها في الحصول على أول اختراع أنجزه، ثم توالى بعدها تسجيل براءات الاختراعات التي حققها حتى تجاوزت السبعين في هذه الأثناء.
وقال يوآخيم كوسلوفسكي الناشر في مجموعة دور نشر اختصاصية: إن صناعة النسيج تسري في عروق د.وحود مع دمائه، وقد عرف خبايا الصنعة وهو في سن الطفولة، واستطاع أن يربط بين خبرته العملية تلك والدراسة النظرية ربطا نموذجيا ارتقى به إلى مكانة الريادة، وأمثاله هم "من نحتاج إليهم"، على حد تعبير كوسلوفسكي.
وأكد وحود نفسه في كلمته في الاحتفال أنه ينقل ما تلقاه من تكريم إلى العاملين معه في قسم الأبحاث والتطوير في شركة دورنييه، مشيرا إلى مساعدتهم الدائمة للتوصل إلى ما تحقق من إنجازات، وقال: "إن من الصعوبة بمكان الحفاظ على نظرة تستوعب مجرى عملية النسيج الشاملة لحركة ما يتراوح بين 6 و9 آلاف خيط نسيجي، فإذا بدأ جذبها طولا وعرضا، ثم بدأت تدور مع الآلة، يجد المرء نفسه وكأنه في غابة كثيفة.. ولكن أحد العاملين معي قال لي ذات مرة: لا تخشَ من ذلك ولا تغفل أن معك في هذه الغابة عددا كبيرا من القرود يساعدونك!".. وسرت هذه العبارة مثلا وجعلت جريدة "لينداور تسايتونج" منها عنوانا لمقالها عن الاحتفال بالجائزة.

عدنان وحود في سطور:
كان د.عدنان وحود طالبا في آخن، يدرس نهارا، ويعمل فجرا وفي المساء قبل الدوام الجامعي وبعده، ليؤمن دخلا ماليا لمعيشته المتواضعة، عازبا، ثم متزوجا من السيدة حياة التي يذكر بفخر دعمها له طوال حياتهما معا، في تلك الفترة وهو طالب، وحتى الآن. وتعطي سيرة حياته شهادة نموذجية على جوانب عديدة، من أبرزها ما يمكن أن يحققه الإنسان العصامي من خلال جده ومثابرته، صاعدا على سلّم النجاح درجة بعد أخرى، وحريصا على الجمع ما بين صفات الإنسان المسلم المتواضع في سائر أحواله، وبين إنجاز العالم المبدع على أعلى المستويات.
وعندما حصل وحود على جائزة تكريمه عالما مخترعا في أيار/ مايو عام 2004، كان قد بلغ للتو الثالثة والخمسين من عمره؛ ففي مثل هذا الشهر من عام 1951 كان ميلاده في دمشق، وكان خلال سنوات طفولته الأولى يرقب بشغف كبير حركات والده وهو يعمل على "النول العربي"، حتى انطبعت في ذهنه بسائر جزئياتها، مع ما يرافقها من أصوات مميزة، وفق توقيت دقيق، ثم كان عمله بنفسه ليلبي رغبته الذاتية وهو تلميذ في المدرسة، حتى حصل على "الشهادة الثانوية الصناعية" في دمشق.
ويؤكد في كتيب أصدره بالعربية والألمانية عام 2003 حول سيرة حياته، تحت عنوان "عالم من دمشق" مدى شغفه بالانسجام الكبير بين حواس السمع والبصر وحركات اليدين والقدمين معا؛ لتكون الحصيلة قماشا منسوجا من خيوط كان يزيد تعدادها على الألفين، ومنذ ذلك الحين كان يتساءل مفكرا عن "آلة النسيج" وكيفية عملها، بعد أن انتشرت آنذاك في بعض المصانع السورية.
وقد أفاده الاطلاع عليها وعلى ما بقي للإنسان من دور في تشغيلها عندما انتقل للدراسة في ألمانيا عام 1971م بعد تعلّم اللغة الألمانية في النمسا؛ ففي مدينة آخن غرب ألمانيا كانت دراسة "صناعة الآلات" بمثابة أمنية تحققت له، ولم يزعجه اقترانها باضطراره للعمل، ومن ذلك "توزيع النشرات الدعائية والجرائد" في الصباح الباكر، إنما بدأت أحواله المادية تتحسن فور تخرجه؛ فقد اقترن التخرج ببحثه في ثلاثة مشاريع علمية.
تلا ذلك استدعاء رئيس القسم له لتسليمه مشروعا جديدا لتصميم طريقة مبتكرة للاستغناء عن استخدام "المكوك" في آلة النسيج؛ بحيث يتم نقل الخيط إلى هدفه بواسطة "الشعاع الهوائي"، وعندما حصل على شهادة الماجستير عرض عليه رئيس القسم العمل في الجامعة؛ فاستجاب مستفيدا من العرض ليتابع أبحاثه بهدف الحصول على شهادة الدكتوراة لاحقا، وكان قد أنجز تنفيذ المشروع المطلوب، فاشترته شركة سويسرية وتم تسجيل اسمه لأول مرة كمخترع في أوربا من مواليد سوريا، تحت عنوان "وحدة نول لنفاثات نول ذي حدف شعاعي" رقم EP0079999، ثم وجد أول تقدير لإنجازه بحصوله على وسام صناعة آلات النسيج أثناء معرض عالمي في ميلانو عام 1983م.
لم يعد تسجيل اختراع جديد أمرا "غير عادي" في حياة د.عدنان وحود، كذلك فقد أصبح مألوفا لديه أن ينتقل مرات عديدة أثناء العام، فيقطع آلاف الكيلومترات ليلقي محاضرات اختصاصية على خبراء النسيج، ما بين الصين واليابان، وحتى البرازيل والولايات المتحدة الأمريكية، ونشرت له بحوث عديدة في المجلات الاختصاصية، كما وقع عليه الاختيار لكتابة النصوص العلمية التي تشرح الكلمات ذات العلاقة باختصاصه، في موسوعة "بروكهاوس" الألمانية الكبرى، وهو ما استغرق إنجازه ثلاثة أعوام.
وتزامن حصوله على درجة الدكتوراة عام 1987م مع تعيينه رئيسا لقسم الأبحاث والتطوير في شركة دورنييه الألمانية لصناعة آلات النسيج، وكان يرأسها بيتر دورنييه، صاحب أول اختراعات للطائرات العامودية. وفي الشركة شملت اختراعاته خلفية تقنية لمعاملة خيط النسيج، وتطوير طرق الإنتاج، وتصميم الآلات، وتحسين المواصفات الفيزيائية لقدرات نول النسيج، وإبداع طرق جديدة في الإنتاج.
ولعل مما يعبّر عن عدنان الإنسان ما ورد في نص الإهداء الذي تصدر سيرته الذاتية التي نشرها عام 2003م، حيث يقول:
"إلى كل إنسان يقدّر عمل إنسان آخر مهما صغر هذا العمل؛ كمثل أن يقوم الإنسان ببيع الخضراوات ليكسب بذلك قوت أبنائه..
إلى كل إنسان يقدّر عمل إنسان آخر مهما كبر هذا العمل؛ كمثل أن يقوم الإنسان بإدارة شؤون البلاد..
إلى كل إنسان يدين أن يُسلب حق؛ كمثل أن يُسلب بائع الخضراوات خضراواته..
إلى كل إنسان يدين أن يُسلب حق؛ كمثل أن تُسلب أرض أو يُهدم بيت...".