أبجدية العدد الرابع والثلاثين
هل بدأت الحياة المدنية من حموكار السورية
أقدم نظام مديني في التاريخ
أول نظام للتكييف الهوائي في التاريخ وأضخم المعارك القديمة

على الحدود الفاصلة بين سورية والعراق بالقرب من جبل سنجار، اكتشفت البعثة السورية ـ الأميركية المشتركة للتنقيب عن الآثار مدينة أثرية مهمة يعود تاريخها الى الألف الخامسة قبل الميلاد، ويمكن أن تعتبر أقدم مدينة في العالم، اذ يقدر عمرها الأن أكثر من سبعة آلاف سنة، وهي بذلك أقدم من أي مدينة أثرية أخرى مكتشفة حتى الآن في العالم بما لا يقل عن 2500 سنة.

 جرى هذا الاكتشاف المهم حتى الآن في العالم أخيراً في موقع تل حموكار الأثري على مساحة مائتي هكتار من الأرض على شكل مربع وسط السهول المحصورة بين جبل سنجار في الجنوب وسلسلتي جبال طوروس وزغروس في الشمال والشمال الشرقي، ويبعد الموقع عن نهر دجلة باتجاه الجنوب الغربي مسافة خمسين كيلو متراً، بينما يبعد عن نهر جغجغ (الذي يخترق مدينة القامشلي) بحوالي ستين كيلو متراً.
 

 

السيد "محمد مكطش" مدير متحف الرقة، أكد ان السكن استمر في هذه المدينة الأثرية منذ الألف الخامس قبل الميلاد وحتى العصر الاسلامي المبكر، أدركت البعثة أهمية هذا الموقع من خلال المسح الطوبوغرافي واللقى السطحية التي أمكن العثور عليها.

د. ألغيز (أحد أفراد بعثة التنقيب) يقول "الفريق  المشترك بين سوريا وشيكاغو حدد حتى الآن أن قلب المدينة الذي يمتد على مساحة 40 فدان كان محاطاً بجدران تبلغ سماكتها عشرة أقدام. وتنتشر آثار هذه المدينة على مساحة 260 فدان".

من ناحية ثانية يرى الباحث الأثري السوري الدكتور عمر العظم مدير المعمل الفني في مديرية الآثار والمتاحف في سورية (وهو خبير حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة لندن في الأثنوغرافيا والمسؤول عن الجانب السوري في بعثة «حموكار») انه قد هاجرت في منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد تقريباً مجموعات بشرية من جنوب بلاد الرافدين الى سورية واسسوا فيها مستعمرات سكنية، وأدى هذا الاحتكاك بسكان المنطقة الأصليين أي السوريين الى تطور في نظام العمران، وتطور في مبدأ حكم الملكية ونظام الدولة «ولكن التنقيبات الأثرية في «حموكار» وفي بعض المواقع الأخرى في سورية أظهرت تطور نظام اجتماعي محلي قبل الاحتكاك بجماعات بلاد الرافدين التي هاجرت الى سورية واستوطنت فيها وجلبت معها الحضارة. ومن المكتشفات الأثرية في منطقة «حموكار» تبين أن فكرة نشوء الحضارة وتطورها بدأت في سورية وفي «حموكار» بالتحديد، ثم انتقلت جنوباً الى بلاد الرافدين».

ومن جهته قال نائب مدير وزارة الثقافة السورية عبد الرزاق معز إن حموكار كانت واحدة من أهم المواقع في الشرق الاوسط وفي العالم القديم، وان الحفريات الجديدة; سلطت الانوار على نقطة تحول بارزة في تاريخ الحضارة البشرية. وأكد أن الحفريات تساعد على تفهم اسباب قيام هذه المدينة القديمة ودورها الحضاري اكثر مما تسرده من وقائع حربية وتنافس بين الجنوب والشمال.
 


المكتشفات الأثرية في حموكار:
كشف في موقع تل حموكار عن ابنية من اللبن مليئة بالفخار والرماد تعود الى منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد أي العصر الحجري ـ النحاسي ووجدت أيضاً أربعة أو خمسة أفران كانت مقببة يبلغ قطر بعضها مترين تقريباً، كانت تستخدم للطهو والخبز وطبخ اللحوم، وذلك لوجود كمية كبيرة من العظام الحيوانية، بالاضافة الى المواد النباتية المفحمة كالحبوب وغيرها. ويتولى الدكتور العظم دراسة هذه العينات وتحليلها في مخابر المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية.

كذلك اكتشفت كسر فخارية يستنتج ان معظمها يعود الى آوان كبيرة الحجم كانت تستخدم في الطهو وتحضير الطعام، ويدل حجم هذه الأواني على انها كانت تستعمل لتحضير طعام جماعي أو لخدمة تتجاوز أفراد الأسرة، وهذا يدل على وجود إدارة حكومية من شكل ما. كذلك اكتشف وجود امتداد للبناء خارج السور وهذا يثبت ان التطور العمراني انطلق من هذه المنطقة ولم يأت اليها من الخارج.
 


حجم الموقع والفترات التي مر فيها:
أيضاً ثبت من خلال المسح السطحي ان مساحة موقع «حموكار» كانت تبلغ ثلاثة عشر هكتاراً تقريباً، لكن في حدود الألف الثالث، امتدت حتى بلغت 102 هكتار ومن نوعية الفخار الذي اكتشف في الموقع تبين انه يعود الى «فترة اوروك» فهو يشبه طاسات وأشكالاً معروفة في جنوب العراق، وهذا يؤكد وجود علاقات مع جنوب بلاد الرافدين. وبعد هذه الفترة هُجر الموقع، واستخدم على شكل قرى صغيرة حتى الفترة الآشورية الجديدة، ثم الفترة السلوقية 200 قبل الميلاد، لكن آخر فترة سكن فيها موقع حموكار كان حوالي 700 بعد الميلاد أي في المرحلة الإسلامية ـ الأموية.

 


عمليات التنقيب:
أجريت عمليات التنقيب في ثلاث نقاط «أ» A و«ب» B و«سي» C وكان الهدف من السبر تكوين فكرة عامة عن المراحل كافة، التي مر فيها التل ولمحة عن تاريخه، وجرى استخدام السبر الأفقي لا العمودي نظراً لخصوصية هذا التل.. فمن مساوئ السير العمودي انه كان كلما زاد العمق زادت صعوبة عملية التنقيب وزادت صعوبة الحركة للباحث والمنقب الأثري أما السبر الأفقي فيعطي حرية حركة لمتابعة البحث الأثري وهذه الطريقة هي الأفضل لتل حموكار لانه عالٍ فارتفاعه 18 متراً، ويصعب النزول فيه للتنقيب والسبر الأفقي لذلك حفر بشكل متدرج بين كل درجة وأخرى ارتفاع أربعة أو خمسة أمتار.

وقد وجد في المنطقة «A» في الدرج الأعلى بعض المنازل التي تتكون جدرانها من اللبن، جوارها جدار ضخم عرضه لا يقل عن أربعة أمتار وارتفاعه أربعة أمتار أيضاً، ويعتقد انه كان سوراً لمدينة، وقد أكدت تنقيبات هذا العام ذلك.


أما الفخار الذي وجد مع الجدار فيعود الى العصر الحجري النحاسي أي منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد، وكذلك اكتشف فخار في مستوى أعلى من الجدار يعود الى «فترة أوروك» (3200 قبل الميلاد) ومنازل تتألف من عدة طبقات تحتوي على العديد من المباني، ورصيف مرصوف باللبن المستوى.
وأما الطبقة الأخيرة منه فهي مغطاة بالجبص، وكلها تعود الى الألف الثالثة قبل الميلاد، وفوقها وجد بناء يعود الى الفترة الاسلامية ـ الأموية أي 700 بعد الميلاد.

 

وفي ما يخص المنطقة «ب» فقد وجدت فيها جدران أبنية وأفران ضخمة يصل قطر بعضها الى مترين، وتعود هذه المنطقة إلى منتصف الألف الرابعة.

كذلك وجد في أرضيات احد هذه المباني قبر لطفل معه تماثيل صغيرة من العظم عرفت «بتماثيل» العيون بسبب وجود عيون كبيرة فيها، اكتشفت نماذج منها في «تل براك»، وتشير هذه التماثيل إلى آلهة أو أشخاص، لكن تفسيرها ما زال غامضاً على علماء الآثار. ومن أهم المكتشفات التي وجدت في هذه المنطقة، التي تعطي فكرة عن طابع المجتمع، وجود أكثر من ثمانين ختماً وخمس عشرة لوحة، وكثير من الخرز اكتشف في قبر الطفل وكان على الأرجح مشكوكاً في قماش ثياب الطفل.
 

أما مادة الاختام فكانت من العظم منحوتة باشكال حيوانات. وكانت قاعدة الختم محفورة بخطوط أو بصور تشكيلية، وأحد الاختام الكبرى كان على شكل نمر منقط، نقطه مصنوعة من أسافين صغيرة محفورة ومنزله على جسده. أما الوجه الأسفل فكان يضم صفاً من الحيوانات ذات القرون.

 


 
ووجد أيضاً ختم آخر كبير على شكل حيوان ذي قرون وأسفله أيضاً صور من الحيوانات ذوات القرون، أما الاختام الصغرى فهي على أشكال حيوانات مختلفة مثل الأسود والماعز والدببة والوعول والكلاب والأرانب والأسماك والطيور. وقد اكتشفت تعاويذ شبيهة بالتي في «تل براك»، لكن تعاويذ تل حموكار اعتبرت أختاماً لوجود صورة الختم عليها. أما الاختام الكبيرة فكانت للشخصيات المهمة مثل المديرين والمسؤولين والاختام الصغيرة وكانت اعدادها أكبر لأنها أكثر استعمالا باعتبارها تخص عامة الشعب وطبقاته. وهذا يدل على وجود تنظيم إداري دقيق ومدهش في فترة الألف الرابعة قبل الميلاد بسبب قدمها في التاريخ. وهذه الاختام لا تشير الى بيروقراطية، بل تشير الى علاقات تجارية كان يضع التاجر فيها ختمه أي توقيعه على المواد أو السلع أو قطع القماش، وهذه الظاهرة بدأت مع بداية العمران وبداية تأسيس دولة في حموكار.
 

أخيراً في المنطقة «ج» فقد اكتشفت فيها زاوية لبناء يعود الى الألف الثالثة أي للفترة الأكادية، وقد وجد منه في «تل براك» وتحتوي زاوية البناء على باب يدل نمطه أنه ذو طابع عام وربما معبد. ووجدت فيه أيضاً كسر فخارية تعود الى الفترة الأكادية وهذه القطع الفخارية مشابهة للقطع التي اكتشفت في «تل براكن» وسمح هذا بتأريخ القطع في الفترة الأكادية لتلازمها مع قطع أكادية أخرى.


هذا ودلت أخيراً نتائج الحفريات المبدئية على انه اسست وتطورت في هذه المنطقة ممالك سحيقة في القدم سبقت بروز حضارة «أوروك» وقدومها من جنوب بلاد الرافدين. وكان قبلا يعتقد أن فجر الحضارات الأولى والعمران انما ولدت في جنوب بلاد الرافدين، أي حوالي 3500 قبل الميلاد، ثم انتقلت شمالاً الى المناطق السورية في الشرق.

 



إقتصاد حموكار:
السيد محمد مكطش أمين متحف الرقة قال: "ان أراضي تل حموكار من أخصب الأراضي الزراعية، وكانت تروى من عدة أنهار تأتي من الشمال الى الجنوب وأخرى من جبل سنجار باتجاه الشمال وتلتقي جميعها لتشكل بحيرة كانت تخضع مياهها لعملية تنظيم معينة لري السهول الزراعية الواسعة والخصبة، وفسر مكطش معنى كلمة «حموكار» فقال إن اسم «كار» يعني الصفة والعمل وفي اللغة السومرية القديمة، يعني مكان العمل الذي ينظم شؤون العاملين"، وهذا ما يدل على ان هذه المدينة كانت مدينة صناعية بإمتياز كما ستدل على ذلك أعمال التنقيب. وقد تم العثور على أدلة كثيرة تشير إلى تطور الصناعة آنذاك مثل الأعمال الزجاجية والأفران والقنابل.
ويعتقد ان حموكار كانت موطناً لحوالي خمسة وعشرين ألف نسمة، وقد عثر فيها على لقى أثرية مهمة مما يعطيها ميزة في تطور الفن التشكيلي والنحت والزخرفة، كما يقول مدير متحف الرقة ورئيس الجانب السوري في بعثة التنقيب السورية ـ الاميركية.

كذلك عثر على لقى تعطيها الأولوية بالنسبة الى المدن الأخرى التي تعود الى تلك الفترة. فقد اكتشف فيها أقدم نظام للتكييف الهوائي في التاريخ ويتمثل في وجود مقرات في جدران ثنائية متوازية تفصل بينهما مسافة من الفراغ لا تتجاوز خمسة عشر سنتيمترا تسمح بتدفق الهواء المكيف النقي لمقاومة حر الصيف.

ويقول علماء الآثار إن الاكتشافات التي تم تحقيقها مؤخراً في المدينة من أدوات حادة ومتينة مصنوعة من ذلك الزجاج البركاني الأسود كانت على درجة عالية من الأهمية لما حملته من معلومات وفهم للوضع الاقتصادي للمناطق الشمالية لبلاد ما بين النهرين وعلاقتها بالمناطق الجنوبية.

كما عثر فريق التنقيب في حموكر وراء مركز المدينة على نصول زجاجية متقنة الصنع وكانت صناعة الزجاج هذه قد بدأت بالانتهاء منذ مئات السنين أي نحو 4500 قبل الميلاد. وتقول سلام القنطار، التي تعمل معاون مدير في المشروع السوري "لم تكن هذه الأدوات تستخدم فحسب في هذه المنطقة وإنما كانت تصنع أيضاً فيها".

يبدو أن شعب حموكار كانت يحصل على مادة الزجاج البركاني من أماكن تبعد نحو 100 ميل عن مدينتهم وكانوا قد استخدموا هذه المادة الخام وحولوها إلى أعمال أنعشت الصادرات لديهم. وربما جاء بعدها تصنيع النحاس حيث يقول العلماء إن هذه الصناعة هي التي ربما حملت الازدهار للمدينة التي يتضح أنها عاشت مرحلة من الرفاهية حتى جاءت تلك الحرب ودمرت أسوارها.

حيث يُستدل من التنقيبات الجارية ان حاموكار كانت مدينة مزدهرة في منتصف العصر الالفي الرابع ق.م. وذلك قبل ان تبدأ حضارة اورك الجنوبية في توسعها وتسلطها على كامل بلاد ما بين النهرين والبلدان المجاورة. ويقول رايشيل ان العلاقات بين حموكار والجنوب ما تزال تخضع للبحث والتنقيب والتحليل. فبعض المباني في المنطقتين تتشابه معمارياً. على انه يبدو ان الخزف الذي استعمل في حموكار كان محلي الصنع بخلاف بعض المصنوعات اليدوية الجنوبية الصنع والتي وجدت في ارض المعركة. لذلك يقول هذا العالم الاميركي ان بامكاننا الافتراض ان نوعاً من العلاقات كانت قائمة بين الجزئين ولكن ليس لدينا اي دليل قاطع يفيد بان اورك كان لها نفوذ قوي في حموكار قبل تدميرها. 
 

إن وجود الأختام والطوابع يوضح أننا "نتعامل مع إفراز اجتماعي مركب"، يرتبط بتطور الاتصالات والمواصلات وأثرها في التكوين النفسي والاجتماعي والسياسي، مما دفع علماء الأثار والتاريخ، ومن خلال حفرياتهم وتنقيباتهم في تل حموكار، على القول بأنه يمكن توسيع جغرافية الحضارة المبكرة زمنياً، وإعادتها إلى ماقبل الألف الرابعة قبل الميلاد، استناداً للأختام التي عثر عليها. فهذه الأختام تفسر طبيعة المبادلات السياسية والتجارية كما أنه يدل على وجود بنية إدارية متسلسلة الوظائف العملية، ومهارات المتخصصة.
 

وكما ذكرنا أن الحفريات أظهرت أن حموكار كانت قد تحولت في الألف الرابع قبل الميلاد الى مدينة ضخمة يسكنها حوالى 25000 نسمة. وخلال التنقيبات عُثر على مبان سكانية كبيرة الحجم لا يمكن ان تكون قد استخدمت كمنازل بسيطة. فهناك مطبخ ضخم وضعت داخل جدرانه عشرات المضارس للحبوب، وألصق به فرن بحجم غرفة يمكن ان يقال انه "صناعي". لأي هدف كانت تستعمل هذه المباني الضخمة وكيف كانت تنظم الحياة داخل أسوار حموكار، هذا ما سيحاول الفريق السوري - الأميركي الإجابة عنه في حفريات السنة المقبلة.

 

أضخم معركة:
لقد أثمرت الحفريات التي قام بها علماء الآثار في تل حموكار في شمال سوريا عن اكتشاف بقايا جثة قد تكون إحدى ضحايا ما قد يكون أضخم معركة شهدها ذلك العصر.

اكتشفت البعثة دليلاً جديداً كشف النقاب عن الكيفية التي واجهت فيها أول مدن العالم عنفاً انتهى بها إلى حريق، وانهيار للجدران والأسقف، وانهمار لطلقات كانت مصنوعة من الفخار. تلك المعركة خلفت ورائها بعضاً من أقدم الآثار المعروفة لحرب منظمة.

إن التنقيب الذي تم في مدينة تل حموكار، تلك المدينة التي دمرت نحو 3500 قبل الميلاد، أظهر بقايا تشير إلى مكانة المدينة كمركز لصناعة الزجاج البركاني والنصول وذلك كان ربما في 4500 قبل الميلاد.

تمت هذه الاكتشافات بين شهري أيلول وتشرين الأول الماضيين ولكن تم الإعلان عنهما مؤخراًمن قبل معهد الشرق في جامعة شيكاغو ومديرية الآثار والمتاحف في سوريا.

إن هذه الإكتشافات سمحت للعلماء بتشكيل فكرة وافق أوسع حول الفترة الانتقالية في العصور القديمة التي شهدت ازدهار المدن الأولى في التاريخ، التخصص في العمل، تقسيم المجتمع إلى طبقات، وأخيراً ظهور الكتابة الأولى.

يقول كليمينز ريتشل، عالم الآثار من جامعة شيكاغو والذي يقوم بالتنقيب في تلك المنطقة، "نحن نعلم بأن ما كان يحدث في الشمال لا يمكن تفسيره على أنه مجرد توسع بسيط للحضارة في الجنوب".

ويرى د. الغيز، وهو عالم آثار في البعثة نفسها، أن توسيع عمليات التنقيب في تل براك، حابوقة الكبيرة، وحموكار وغيرها من المواقع في الشمال السوري كشفت النقاب عن حقيقة أن المدن الشمالية كانت في تلك العهود أكبر مما كنا نتوقع. وأضاف "ان الجنوب كان يفتقر الى مواد أولية مثل المعادن والاحجار والخشب لذلك تطلع شمالاً ليضع يده على هذه الثروات".

يقول د.ريتشل أن التنقيبات الأخيرة كشفت لنا "كيف كانت المدينة تبدو في اليوم الذي دمرت فيه". وأضاف "خلال هجوم سريع ومكثف انهارت الأبنية، واندلعت النيران الخارجة عن السيطرة، واندفن كل شيء تحت ركام من الحجارة". وبين ركام الآثار عثروا على أكثر من 1000 طلقة فخارية مدروة أو بيضوية الشكل التي ربما استعملت في المقالع، واستخدمت كسلاح حرب أساسي في الحرب.


إن الطلقات وأشكال الدمار التي تم العثور عليها حملت العلماء إلى استبعاد فكرة حدوث زلزال مدمر فيها ودفعتهم إلى استنتاج حدوث معركة مروعة في ذلك المكان. قال د.ريتشل وغيره من الخبراء أنه ليس هناك أي وسيلة لتحديد هوية المعتدي، ولكنهم يخمنون بأنه كان يعود لجيش أحد المدن الجنوبية.

في عام 2005 عندما افترض العلماء أن المعركة حدثت هناك اصطدموا مع بعض الشكوك التي أثارها غيرهم من الباحثين. ولكن د.ألغيز من جامعة كاليفورنيا في سان دياغو والذي يُعتبر مرجعاً في تاريخ بلاد ما بين النهرين، قال إن طلقات المقالع تلك التي اخترقت الجدران ونشرت الدمار "أقنعت الجميع بأنها دليل على نشوب النزاع".

وبينت الحفريات ان المعركة التي دارت في حاموكار كانت شرسة جداً استعملت فيها قنابل بيضاوية الشكل اطلق صغيرها بالمقلاع (وقد وجدت 1200 قنبلة من هذا النوع في ارض الموقع). أما القنابل الكبيرة التي وجد منها حوالى 120 قذيفة مصنوعة من الصلصال الصلب.

علّق عالم الأثار الاميركي غويلرمو ألغيز ان الاكتشافات الجديدة في هذه المنطقة وبينها اكتشاف موقع تل حموكار تسد الفراغ الذي كنا نفتش عنه عن حضارة تلك البلاد الممتدة من شواطىء الخليج جنوباً حتى جبال طوروس شمالاً. وأضاف هذا العالم ان الشمال والجنوب كانا جاهزان للانطلاق قدماً حضارياً وعسكرياً، الا ان الجنوب تمكن بعد خمسمئة سنة من ان يجتاح الشمال وان يلغي دور هذا القسم. وتظهر الحفريات التي أجرتها بعثة تنقيب بريطانية في تل براك في الجزء الشمالي الواقع حالياً في شمال سوريا ان هذا التل انهار هو الاخر في نفس تاريخ انهيار تل حاموكار.
يؤكد ريتشل انه “من الواضح أن تلك المعركة لم تكن جزءاً من حرب عادية، إنما هي اجتياح استخدمت فيه كل العدة والعتاد. ويشبه هذا التكتيك ـ إن جاز التشبيه ـ الطريقة التي اتبعتها القيادة الأميركية في حربها على العراق، لقى اكتشفت لتتحدث عن أسرار الحياة اليومية في حموكار، إذ وضحت أن جيشاً ضخم خاض المعارك بشكل سريع ومكثّف لفرض هيمنة كاملة على أرض العدو. ولكن الأميركيين لم يكتشفوا هذا التكتيك الحربي، فقد استخدمه السومريون قبل الأميركيين بخمسة آلاف سنة.

ويضيف ريتشل قائلاً “كل شيء مدفون داخل المباني. الأشخاص مع ممتلكاتهم كما كانت مرتبة، وكأنما كانوا ينتظرون أن نأتي لنكشف حقيقة ما جرى. ومن وجهة نظر علم الآثار، يُثري اكتشاف القطع في مكانها بالمعلومات بشكل لا مثيل له. فالبيوت التي تكون عادة فارغة من محتوياتها هي الآن مليئة بما كان يُستعمل فيها. فأواني الطبخ في المطبخ، وغرف الصلاة تختلف بأغراضها عن غرف النوم والمكاتب”.

يُعثر عادة في الحفريات الأثرية على منازل أو مدن أو أي شيء وقد أُفرغ من محتوياته. فيُكشف عن الوحدات السكنية ويبدأ التكهّن بكيفية استعمالها. أما حموكار فقد خبّأت أسرار حياتها اليومية تحت الركام. ولا تنحصر أهمية هذه المدينة فقط بالحفريات الأثرية بل تشمل أيضاً المكتشفات. فهي تسمح لعلماء الآثار بإعادة النظر في كيفية تطور الحضارات وتكوين أولى المدن في العالم على ضفاف نهر دجلة. فقبل بضع سنوات كانت تعتبر منطقة جنوب العراق - ما يعرف بحضارة الوركاء - منشأ الحضارة المدنية، لكن تظهر الحفريات في حموكار اليوم أن هذه الحضارة امتدت شمالاً وأنشأت لنفسها مستوطنات للحصول على المواد الأولية التي تفتقر إليها كالحديد والمعادن والأحجار. وتطورت هذه المدن لتصبح هي مراكز قوى استراتيجية تنافس مدن الجنوب. ويبدو ان التنافس للاستيلاء على حاموكار هو ما أدى الى تدميرها. ويقول رايشل “عثرنا هذه السنة على كمية كبيرة من اللقى الفخارية التي كانت قد صنعت في مدينة الوركاء، ما يعني ان أهل هذه المدينة إن لم يكونوا هم من ألقى القنابل المدمرة على حموكار إلاّ أنهم بالطبع استفادوا من اندثارها. فلقد احتلوها مباشرة بعد تدميرها واستعملوها لفترة وجيزه من الزمن”.

إعداد مالك الحداد
الأبجدية الجديدة

المراجع:
جامعة شيكاغو – مديرية لغات الشرق الأدنى والحضارات – معهد الشرق
نيويورك تايمز - بقلم : جون نوبل ويلفورد
موقع:
 http://www.qamishly.com/mainpages/turath/history/history.htm
موقع:
 http://www.al-hakawati.net/arabic/Civilizations/histcity62.asp