من لم يزر مدن حلب المنسية فسينساه التاريخ هكذا يقول الحلبيون على مدنهم المنسية التي سجل البعض منها على لائحة التراث العالمي.
وتمتد المدن المنسية على امتداد جبل الزاوية الذي يقع في مدينة إدلب وصولا إلى الطرف الشمالي من الهضبة الكلسية التي تقع على مقربة من مدينة اعزاز في محافظة حلب حيث تعتبر بداية الطريق المؤدية إلى المدن المنسية.
ويبلغ عدد مدن حلب وإدلب المنسية 778 مدينة وقرية تضم مئات الأوابد التاريخية المنتشرة في الشمال السوري بين محافظتي حماة وحلب مرورا بمحافظة أدلب.
وتشير كلمة منسية إلى النسيان حيث أن العديد من سكان هذه القرى التي تعتبر من أجمل قرى العالم هجروها نتيجة الظروف المعيشية وعدم صلاحية أرض تلك القرى للزراعة على حد تعبير مهدي يوسف من سكان قرية برج حيدر.
ويضيف.. لقد هاجر البعض من سكان قريتي بسبب الحت الطبيعي الذي حول معظم أراضيها إلى أطلال وتلال ممتلئة بالحجارة فما كان من سكان القرى من حل سوى الرحيل بحثا عن فرص أفضل.
وعلى الرغم من نسيان تلك المدن من قبل السكان وحتى الجهات المعنية إلا أنها الآن باتت من أكثر المواقع أهمية بالنسبة لمعظم طبقات المجتمع الحلبي وخصوصا خلال العامين الأخيرين حيث شهدت نشاطا سياحيا ودينيا وبات الجميع يعرف قيمة تلك المدن على حد تعبير سمير شامي زائر لقرية براد.
ويضيف.. منذ ثلاث سنوات كانت الطرق لا تزال ترابية لكن كان له جمال مميز بينما الآن باتت مرصوفة بحجارة طبيعية جميلة.
ويرى سمير أن البعض يعتقد أن تلك المدن تخص الطائفة المسيحية وخصوصا المارونية غير أن هذا الاعتقاد خاطئ فمن يزرها تعتريه رغبة بالبقاء لفترة أطول وخصوصا أنه لا يوجد مثيل لها في العالم بأكمله سواء ببساطتها أو بطبيعة الحجارة الموجودة وكذلك التداخل القائم ما بين الأوابد الأثرية والكنائس والقصور القديمة من جهة وبين المنازل السكنية التي اتخذت صبغة طبيعية لا يمكن التفريق في بعض الأحيان بينها وبين تلك الآثار.
لم يستطع أحد حتى الآن من تقدير عمر المدن المنسية التي يعود تاريخها إلى عهود غابرة أبرزها العهدان الروماني والبيزنطي في القرون الأربعة الأولى للميلاد.
وحتى الآن لا يزال قسم من أهلها الذي يقطنون فيها يعتمدون على الطبيعة البكر حيث يربون الماشية ويعيشون على الأعشاب البرية ومنتجات الحليب والألبان والزبدة العربية التي يحصلون عليها من الأبقار التي يقومون بتربيتها كما أن طريقة العيش التي يتمتع بها ابناء تلك القرى تثير دهشة الحلبيين كما يقول ابراهيم العمر من الزوار المواظبين على زيارة تلك المدن.
ويضيف.. كم هو محظوظ من لديه قطعة أرض أو بيت في هذه القرى حيث أن أبواب البعض من السكان تحتوي على المدخل ذاته المؤدي إلى الأوابد والمعابد الموجوده هناك فكم هو جميل أن يعيش الإنسان بين حضارتين أحدها تمتد إلى عصور قديمة وأخرى حديثة وهذا المنظر الأثري موجود بكثرة في قرية برج حيدر وخراب الشمس التي تتبع محيط قلعة سمعان.
ورغم ما تعرضت له تلك المدن إلا أنها حافظت على رونقها وأهميتها على مر التاريخ فقد كانت تقع على طرق التجارة بين أوروبا وشرق آسيا وقد شهدت أرضها حروبا وخصوصا بين بيزنطة وبلاد الفرس على حد تعبير كمال القيم مدرس التاريخ في ثانويات حلب. ويضيف.. هذه العوامل ساهمت في هجرة البعض من أهلها لكن الآن يعودون إليها بكثرة وخصوصا أن هناك مشاريع حيوية مهمة على صعيد التنمية المحلية والثقافية والسياحية التي أخذت في عين الاعتبار متطلبات المجتمع المحلي وحقه في ممارسة نشاطاته الزراعية والمهن الحرفية التي مارسها ساكنو تلك القرى على مدى السنين شريطة أن تتوافق تلك النشاطات مع طبيعة تلك القرى وأهميتها الآثرية وما تحققه لسورية من رقي وحضارة ستمتد إلى الأبد.
وقد أثبتت هذه المدن أن الحضارة المعمارية انطلقت من سورية إلى العالم وخير دليل على ذلك الأعمدة والقناطر والفسيفساء التي لا يمكن رؤيتها في مكان آخر من العالم إلا في سورية كما يقول خالد القيم طالب ماجستير في قسم التاريخ.
ويضيف.. حتى الأقواس والزخارف والأحجار المتعددة الألوان معظمها صممها المعماري السوري بأحسن الصور البصرية الطبيعية كما هو الحال في قرية كيمار التي تقع على مقربة من مدينة عفرين وكذلك دير سمعان وغيرها من القرى التي تعد من النماذج الفريدة في العالم حيث يتكامل فيها المشهد العمراني المعماري مع المشهد الطبيعي لتلك المدن عدا عن كونها مركز بحث علمي للمؤرخين وعلماء الآثار في العالم وما إلى هنالك من فائدة سياحية وثقافية وتراثية.
من الجدير ذكره أن رويحة وجرادة وسيرجيلا و البارة وشنشراح ودير سمعان هي من المحميات التي تضم 40 قرية تم تسجيلها على لائحة التراث العالمي كما أن هناك العديد من القرى التي لا تزال تحافظ على هيكلتها القديمة وقد يتم تسجيلها لاحقا لتلحق بالمحميات الأخرى على لائحة التراث منها قلب اللوزة وكرك بيزة وجرادة إضافة إلى منطقة حارم وفيها موقع باريشا المعروف بكنيسته الضخمة.
ميسون حسن
المصدر: سانا إرسال الى صديق عــودة
|