غزل البنات أو كما يعتقد البعض غزل "النبات" حلوى انفردت بها مدينة حلب عن باقي مدن العالم وارتبطت بها العديد من الحكايات والروايات حول تاريخ صناعتها ومكان نشأتها وتطور أشكالها ومذاقها مع تطور الزمن والصناعة و"غزل البنات" حلوى تعلقنا بها منذ الصغر فكانت تجذبنا إليها خيوطها البيضاء ونراها في سوق رمضان على العربات الخشبية التي يجرها الباعة ويطوفون بها في الشوارع والحدائق والأزقة.
ولا يتم صناعة غزل البنات إلا في شهر رمضان وتعتمد في صنعها على الماء والسكر والطحين كمواد أساسية حيث يغلى الماء مع السكر على النار حتى يتماسك بسماكة معينة على قاعدة من البلاط ويبرد حيث توضع فوقه مادة الطحين ويتم خلط الطحين مع السكر المغلي حتى يتجانسا, بعدها يقوم عدد من العاملين عددهم 4 أو 6 عمال بشد هذه العجينة كل حسب اتجاهه فتصبح ذات خيوط ناعمة بيضاء كخيط الحرير ثم تقطع قطعاً صغيرة وتلف كل قطعة على حدة وهنا تكون الحلوى جاهزة.
ولكن غالباً ما تتم إضافة مواد أخرى لها بعد عملية التقطيع يتم حشو كل قطعة ببعض أنواع المكسرات مثل: الفستق الحلبي - الكاجو - الجوز - القيمق والقطشة وبعد عملية الحشو تصبح الحلوى جاهزة حيث تلف كل قطعة بورقة حتى تحافظ على صلاحيتها ونظافتها.
أما كيف يصبح خيوطاً فيجتمع عدة عمال يلفون العجينة على أيديهم مراراً وتكراراً على الطحين حتى تصبح (ألف طاق) وألف طاق هي عبارة عن خمسمئة قلبة حتى تصبح خيوطاً ناعمة ثم تقطع الخيوط إلى كتل وتوضع في كل كتلة الفستق أو القيمق أو الجوز كما ذكرنا سابقاً وكان يتبع هذه الكتلة خيوط طويلة من السكر.
والبعض يقول إن صناعة غزل البنات تعود إلى ظهور صناعة السكر حيث يقول القاضي سعد زغلول الكواكبي في مخطوطته جابرة الطرود: إن تسمية غزل البنات خاطئة وإن الأصح هو "غزل النبات" فقديماً كان يعتقد أن صناعة غزل البنات تعود إلى ظهور صناعة السكر الذي كان يستورد على شكل قطع من فلسطين قبل أن تعرفه سورية ويأخذ الحلواني هذه القطع ويصنعها على شكل عصي وسلالم وألعاب وحيوانات واشكال أخرى مختلفة تسمى سكر عنبر وتتألف من سكر وماء وأصبغة ملونة وبعد ذلك طورت صناعة هذه الحلوى في باب النصر الذي كان من أشهر الأسواق التجارية في حلب حيث مزجوا السكر والماء بالطحين المحمص الذي تصنع منه "الحريرة" وصنعوا من هذه الخلطة دوائر لها شعيرات طويلة أو جدايل سميت (غزل النبات) أو البنات وأدخل عليها السميد وسميت بـ (أبو دقن) كما كنا نسميه عندما كنا صغاراً وكان القرن غير محشي وأخذ الحلاونة يحشون القرن بالجوز وبعد ذلك بالفستق والقيمق.
أما حلوى غزل النبات فقد جاء اسمها من أميرة تدعى نبات بنت حسام الدين لاجين جارية عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح العباسي من بني هاشم القرشيين الذين أبقى عليهم الخليفة هارون الرشيد وأقطعهم أراضي في حلب ومنبج ولهم أوقاف شهيرة في حلب أحدها سوق عامرة بالدكاكين تمتد من باب انطاكية حتى باب قنسرين إلى رأس الدلبة خروجاً من سوق الزرب إلى القلعة والدرب الذي ملكت فيه نبات دكاكينها عرف بدرب النبات فلما ولدت لعبد الرحمن ابنه داود أقامت الأفراح والليالي الملاح وبمناسبة احتفالها بمولودها وزعت في حفلها لأول مرة نوعين من السكريات لم يعرفا من قبل سميا باسمها سكر نبات وقد انطلقت تسميته من حلب إذ لم يكن معروفاً في غيرها وفي غير سائر بلاد الشام بعدئذ إلا في بلاد العجم حيث يسمى قند وهو سكر القصب.
ولقد عرف مع الأيام هذا الغزل من "غزل نبات" إلى غزل البنات مع أن البنات لا يمكن بل مستحيل عليهن أن يصنعن هذه الحلوى في البيوت أو خارجها لما يحتاجه شد السكر من قوة عظيمة لا يقوى عليها إلا الرجال الأقوياء وهم رجال مطبخ الأميرة نبات الذين صنعوه لحفل ولادتها فيجب أن نصحح اسمه إلى غزل نبات وقد ورد الخطأ في النقل والنسخ في مخطوطة ابن شداد والأعلاق الخطيرة وبغية الطلب في تاريخ حلب حيث قلبت من نبات إلى بنات والبعض قال: إن التسمية جاءت من غزل الحرير الذي كانت تغزله النساء في البيوت لأن خيوط السكر تشبه خيوط الحرير ولأن هذه الخيوط المسترسلة تشبه الشعور المسترسلة للفتيات وينادي البائع:
ياما غزلوك في الليالي يا غزل البنات
كما ينادي عليه: حرير الليلة حرير
والبعض يقول إن بداية صناعة هذه الحلوى تعود إلى عام 1400 ميلادية في إيطاليا عندما وضع أحد العاملين في صناعة الحلويات كمية من السكر في قالب معدني على نار هادئة وحركها بشوكة خشبية لفترة قصيرة فخرجت من القالب عدة خيوط هشة عمل على تجميعها فسارعت بناته الصغيرات لمشاهدة ما أعد والدهن فطلب منهن حينها تجميع الخيوط وغزلها لمساعدته ثم باعها في السوق ومن هنا أطلق على هذه الحلوى اسم غزل البنات.
وفي أواخر القرن التاسع عشر بدأ انتشار تلك الحلوى في معظم بلاد العالم حيث كانت تسمى في البلاد العربية غزل البنات أما في الغرب فقد أطلق عليها في البداية اسم "غزل الجنية" ثم فيما بعد عام 1920 عرفت باسم الحلوى القطنية وأصبح هذا الاسم الأكثر شيوعاً لها وقد كان البائعون في البداية يستخدمون آلات يدوية لغزل تلك الحلوى وبيعها, أما حالياً فقد تم استحداث آلات كهربائية بسيطة تساعد على إنجاز تلك الحلوى السكرية الهشة في وقت أسرع وبأشكال مختلفة تجذب عيون الأطفال تلك الماكينة تستطيع إذابة السكر مع أي مواد أخرى ملونة أو نكهات, وعن طريق قوة دفع مركزية يمكن دفع خليط السكر المذاب إلى الحواجز الجانبية ليعمل الجديلة التي تشبه جديلة القطن وبعد أن يتم تجميع تلك الجدايل على عود بلاستيكي رفيع تصبح جاهزة للبيع وتسمى عندنا سكر عنبر ويكون غالباً لونها زهرياً أو أحمر لجذب الأولاد إليها وكان البائع يقدمها إليهم إما لقاء قطعة نقدية صغيرة أو قطع من النحاس أو رغيف من الخبز وغير ذلك لأن بائعها كان إنساناً بسيطاً وفقيراً.
عمر مهملات
المصدر: الجماهير إرسال الى صديق عــودة
|