منذ وُجد البشر، نشأت تعليمات لنقل السلع والبضائع بين بلد ٍ وآخر..
وكان المشرف على تطبيق هذه الأنظمة جهاز يدعى الجمارك وهو بالتعريف سلطة في البلد لضبط تدفق البضائع لبلد ٍ ما (بما فيها الحيوانات والأشياء الخطرة).
وتبعاً للتشريعات المحلية فبعض الأصناف يتم منعها، وتقوم بالتنفيذ وحدات الجمرك وتفرض رسوماً على أصناف أخرى تتفاوت وفقاً للسياسات الاقتصادية، وهذه الرسوم Customs duty تدعى Tariff مأخوذة من كلمة (تعريفة) العربية.
هناك مساران في المطارات ذات الرحلات الدولية: الأحمر لمن يرغب بالإعلان عن مواد ذات طبيعة خاصة، أو مخالفة، والأخضر لمن لايحمل شيئاً، ومن يضبط بمخالفة ضمن المسار الأخضر يغرّم مع مخالفة، وقد ابتدع الاتحاد الأوروبي EU مساراً أزرق لمواطنيه (حيث لا توجد رسوم بين بلدانه المختلفة).
من المعروف أنّ الجمارك هيئة حكومية، ولكن الطريف أنه في بعض الدول – ومنعاً للفساد – بدأت خصخصة جزئية للجمارك...
في العصور الماضية سادت سياسات الحماية للمنتجات المحلية والسلع الوطنية، مما حدا بالمشرّع أن يرفع الرسوم المالية على السلع المستوردة، والشخص المخوّل بالكشف واستيفاء الرسوم هو الكشاف الجمركي، الذي ينطبق عليه القول: (مابين البائع والشاري يفتح الله)، فالدولة تمنحه السلطة والثقة، وهو الجهة التي بيدها الضبط والربط، ما سمح لبعض أصحاب النفوس الضعيفة أن يستسيغوا الربح الحرام، فيغضون النظر عن أمور وأمور، وكل شيء بثمنه!!
وصلت الجمارك لدرجة من السطوة تخيف التجار، يقال إنّ شخصاً برز أمام أحد التجار في دكانه على حين غرة، وقال: (أنا ملك الموت)، أجابه التاجر بهدوء (خضيتني افتكرتك جمارك)!!!
وهذه السطوة هي بالضبط التي دفعت الأستاذ غسان قلاع رئيس اتحاد غرف التجارة (والصديق القديم) للطلب من مدير عام الجمارك في لقاء تم منذ أسابيع أن تمتنع عناصره عن تمحيص البضائع في الداخل فسلطتهم يجب أن لاتتجاوز الثغور الجمركية.
ولكن السؤال المطروح: هل هناك ثقة متبادلة مابين الدولة والمواطن لتيسير الإجراءات؟؟ أم أنّ لعبة القط والفأر مستمرة؟؟
أذكر في زيارة لإحدى المنشآت الصناعية في هولندا أنّ صاحب المنشأة امتنع عن دخول أحد الصالات لقوله هذا مستودع لي بحاجة لكشف الجمارك على البضاعة، أي إنّ البضاعة وصلت مرفأ روتردام، وتم تخليصها، وبقيت زيارة مسؤول الجمرك لختم الأوراق.. أين هذا من المعاملات البوليسية التي تجري يومياً وبعد كشف المكتب السري، ولجان لاتنتهي، وبعدها نستغرب أنّ تكاليف الصناعي لدينا ليست منافسة !!
هنالك تضارب بالمصالح – Conflict of Interest - لم يتم حله بعد بين حلب البلد الصناعي للنسيج، ودمشق البلد المصنع للملابس الجاهزة، الأولى تطالب بمنع (أو رفع الجمارك على الأقمشة المستوردة) حماية لمنتجاتها المشابهة، والثانية تطالب بتخفيضها للحصول على مادة أولية رخيصة من أجل منتج منافس، ويحار المسؤول بين (ستي وسيدي)!!!
هنالك بلد وحيد في العالم لايفرض أية جمارك.. هونغ كونغ تسمح بكل البضائع، عدا الكحول والتبغ (لتر واحد، وستين سيجارة / أو 15 سيجار)!!!
هذه الطرفة من وحي الموضوع: وصلت سيدة متعبة ومعها ستة أطفال مشاغبين لأحد المطارات وسألها ضابط الجمارك (الأولاد الستة معك؟)، أجابت بالإيجاب، عندها سألها (هل بحوزتك ممنوعات أو أسلحة)، قالت له بغضب (لو كان معي أية أسلحة، لما ترددت باستعمالها معهم مسبقاً)....
ويتفنن المهربون بابتداع حيل لتهريب البضائع، وتتفنن الجمارك في اكتشافها؛ أحدهم كان يعبر الحدود بين ألمانيا وفرنسا يومياً ومعه بضاعة (هايفة) على موتوسيكل، وكان الجمارك يحارون فيما يهرّب... وبعد أكثر من عشر سنوات، ولدى تقاعده ؛ عرفوا السر.. كان يومياً يهرّب موتوسيكلاً أمام عيونهم!!!
حل مشكلة الجمارك لا يكمن في تشديد الإجراءات، فقد سأل الحاكم مستشاريه عن أنجع الوسائل لحماية بلاده، فقالوا له (حصن أسوارها بالعدل).
كلام الأستاذ بقاعي أنّ التاجر وموظف الجمرك ليسوا أعداء، بل هم في خندق واحد.. والحل للمشكلة الحالية هو شعور التاجر والصناعي والمستورد بالمواطنة الصالحة، وما تمليه عليهم من تبعات، وأكرّر مقولة جون كندي:
(لا تسأل ماذا قدّم الوطن لك، تساءل ماذا قدّمت أنت لبلدك"!!!
المصدر: صحيفة تشرين إرسال الى صديق عــودة
|