ـ إلى أي طابق يا آنسة؟
ـ إلى التاسع لو سمحت... مهلاً ألست أنت الذي؟
ـ الذي ماذا يا آنسة؟
ـ في كليّة طب الأسنان؟
ـ ماذا في كلية طب الأسنان يا آنسة؟
ـ الرجل الذي دافع عنّي؟
ـ دافع عنكِ؟ عن أي شيء تتحدثين يا آنسة؟
ـ أرجوك سأنزل معك هنا في الطابق الخامس... حيث لا يمكنني إشغال المصعد... هل تسمح لي حضرتك بأخذ خمسة دقائق من وقتك.
ـ اعلمي يا آنستي بأنني لا أعمل عند أحد ووقتي ملكي وأنا حرّ به واليك عشرة دقائق بدلاً من الخمسة ولكن أعلمك وبشكل مسبق بأنك تقصدين شخص آخر وتشتبهين بي بدون أدنى شك فأنا لم يسبق لي التشرف بمعرفتك.
ـ لا لا أنت هو الرجل الذي أقصده... ولأن الأمر عادي بالنسبة لك، وهو غير عادي بالنسبة لي فإنك لم تتذكرني... أما أنا فلقد بحثت عنك طويلاً دون أن أجدك... وتوقعت أن أراك في الكلّية في يوم ما دون جدوى... واليوم وجدتك!
ـ طيب ولكن ماذا تريدين مني أيتها الآنسة؟
ـ أريد أن أشكرك لأنك زرعت في قلبي العزم ودفعتني إلى الأمام وبقوة وبأس شديدين.
ـ يا ساتر... ومتى حدث ذلك؟
ـ منذ بضعة سنين... سبعة أو ثمانية على الأكثر، وفي مدخل كلية طب الأسنان وأمام الباب الحديد الرمادي.
ـ لا أعرف يا آنستي عن أي شيء تتحدثين، ولكن هل تحبين حضرتك الدخول إلى مكتبي أم تفضلين الوقوف هنا في الممر؟
ـ إن لم يكن هناك ما يضايقك فأنا أتمنى الدخول إلى مكتبك، وأطمع بالعشرة دقائق التي وعدتني بأن تخصصهم لي.
ـ تفضلي
ـ أنا أيها السيد... الغراب الأسود... أفسحوا الطريق للغراب الأسود... الفتاة التي كانت ترتدي الملابس السوداء... هل تذكرتني الآن؟
ـ نعم نعم لقد تذكرتك الآن لقد عادت بي ذاكرتي إلى ثمانية سنين ماضية... أو ربما سبعة... لا أعرف، لقد كانت هناك على ما أذكر، محاضرة يلقيها أحد الأساتذة الأجانب المهمين على المدرج الأول في كلِّيتكم، كلية طب الأسنان في جامعة دمشق وتتعلق بمادة جديدة تسوقها شركة أسوق أنا منتجاتها المستوردة، وكان عليّ الحضور قبل الموعد المحدد للمحاضرة لاستقبال الضيوف والقيام بواجبات التعريف والإشراف على الجزئيات التي لا يمكنني تركها لآخر لحظة لأنها وبالتجربة هي أهم الجزيئات المُحبطة والناجمة عن تقصير كل معني بأداء واجباته الطبيعية والتي يفترض انه يستحق راتبه بعد أدائها؟
وعند المدخل أذكر أنه كان هناك تجمع من طلاب السنة الأولى أو الثانية لا أعرف وقد اختلط الحابل بالنابل والملابس البيضاء مطوية وعلى اليد اليسرى والنظام الشللي يفرض نفسه وبقوة، وكنتِ تسرين خلفي وتتشحين بالسواد من أعلى رأسك وحتى أخمص قدميك... وأذكر أني تدبرت أمري على الرغم من أنهم لم يفسحوا لي... ودخلتِ أنتِ بعدي... وأذكر أنه قد خرجت عن أحدهم ضحكة خبيثة تتلوها مناشدة للشلة أن ... أفسحوا الطريق للغراب الأسود... وكان يقصدكِ أنتِ... ونظرتُ وقتها إلى المناشد وكان اسمر اللون أفطس الأنف يشبه شيبوب عبد عنترة بن شدّاد... فنظرت إليه نظرة استهزاء فتجاهلني... وأذكر أنك مررت من أمامي وتجاوزتني ورأيتك تُخرجين منديل تمسحين به دموعك...
ـ قلتُ لكِ: انه حثالة أليس كذلك؟
ـ أجبتني: بل أكثر من حثالة... هو مهرج يتدبر المواضيع لإضحاك جماعته... وقد وضعني الآن في حيز اهتماماته... فمنذ اللحظة لتي أغادر فيها منزلي متوجهة إلى الجامعة، تبدوا صورته في مخيلتي، فأتمنى أن لا يقع في طريقي... ولكن الحظ التعس يضعه في مواجهتي ومعه شلته الرخيصة.
ـ سألتكِ: على من تلبسين الأسود؟
ـ أجبتِ: على أبي
ـ سألتكِ: ومنذ متى؟
ـ قلتِ: منذ أقل من شهر
ـ سألتكِ: ما سبب وفاته؟
ـ قلتِ: نوبة قلبية
ـ قلت: هذا ما حدث لوالدي أيضاً
ـ قلتِ: ليرحمهما الله... سألبس السواد لمدة سنة كاملة وهذا نذر... ولا أعرف ما سأفعله في مواجهة هذا المهرج، فالعام الدراسي في أوله... وهو في كل مرة يراني، يتحف شلته بالكلام الفارغ ويقول عني: جاء الغراب الأسود، وذهب الغراب الأسود، وأفسحوا الطريق للغراب الأسود، حتى تحول الدوام بالنسبة لي إلى مشكلة لا أجد لها الحل وأخاف أن أكره الجامعة وأكره فرعي.
ـ قلت لكِ: حسناً تريثي فالأمر لا يستحق كل هذه المشقة والمكابدة، توقفي عن إظهار الضعف واستثارة عواطف الآخرين بالبكاء فهذا لا يجدي شيئاً تعلمي أن تكوني قوية... وأنا أعرض عليك المساعدة إن أحببتِ.
ـ قلتِ: إياك أن تتعرض له، فهذا قذر جداً... وإلى درجة لا ينفع معها أي شيء.
ـ سألتكِ: هل تراهني يا آنسة؟
ـ قلتِ: لا أعرف بماذا أجيب
ـ قلت لكِ: هذه بطاقتي... اكتبي على الوجه الخلفي اسم حضرتكِ، واسم المهرج وفي أي سنة، وأعيديها لي... وأعرتك قلمي... وشكرتكِ بعد أن وضعت البطاقة في جيبي.
ـ قلتِ لي: هل لي أن أعرف اسم حضرتك؟
ـ قلت لكِ: نعم اسمي جابر
ـ قلتِ: وكنيتك؟
ـ قلت: عثرات الكرام... جابر عثرات الكرام... هذا اسمي... ولكن إن نجح المسعى هل تعديني بتنفيذ ما سأطلبه منك؟
ـ قلتِ: نعم
ـ قلت: في أول زيارة لكِ لوالدك... استسمحيه أن يحلك من نذرك... فنذرك هذا هو عادة وثنية... والدين المسيحي جاء لنسخ الوثنية... والحداد والحزن ولبس الأسود هو كفر لأنه اعتراض على مشيئة الله... فلو أن الله أراد لوالدك أو لوالدي البقاء، لكانا أحدهما أو كليهما معنا الآن.
ـ قلتِ: طيب على الأقل لما بعد ذكرى الأربعين.
ـ قلت لكِ: لا يا آنسة فكل هذا تجاوز على الدين... وهذا هو الكفر بعينه.
ـ قلتِ: هل تسمح لي ببطاقة تعريف لحضرتك؟
ـ قلت لكِ: آسف لا أملك واحدة أخرى... إلى اللقاء
ـ أجبتِ: إلى اللقاء.
هذا كل ما أذكره يا آنسة، وكما ترين حضرتك فإنه وبالصدفة المحضة، تم هذا اللقاء اليوم ولكن بعد ثمانية سنين وفي مكان بعيد عن الجامعة.
أما الذي حدث بعد ذلك يا آنسة فهو في حيز التخمين، فلقد وضعت بطاقتي وفيها الأسماء في جيب صديق وحدثته بالقصة ووعدني بأن يعالج هذا الأمر بطريقة العرب وهي الكيّ باعتباره آخر العلاج، وبقية القصة عندك.
ـ نعم أيها السيد... فلقد تم استدعاؤه لوحده ولا أعرف من قبل من... وخرج ووجهه كما قالت صديقتي مثل التوت الشامي... وذهب إلى بيته ولم يحضر في اليوم التالي... ولم أعد أراه إلاّ من بعيد وكان يجلس في آخر المدرج ويتعمد أن لا يمر من أمامي بالمطلق، وانفرط عقد الشلة التي كان يتزعمها، وانشغل كل منا بمحاضراته، وافترقنا في الاختصاص ولم أعد أراه بالمطلق... كم تمنيت أن أراك لأشكرك على ما فعلته من أجلي... وأنقل لك شكر أهلي أيضاً... ولكن أيقنت أن كل ما حدث لي هو مصادفة لن تتكرر أبداً... ولكنها تكررت اليوم والحمد لله الذي جمعني بك من جديد.
ـ وماذا حدث لنذرك؟ أقصد الحداد والملابس السوداء؟
ـ في ذات اليوم جاء عمي الكبير وزوجته لزيارتنا وأطلعته على ما حدث لي في الجامعة وقال لي أن وجهة نظره تتطابق مع وجهة نظر حضرتك، وأن الحزن في القلب وليس في الملبس، وقال أنه توقع أن تتم الإساءة لي في الجامعة من قبل زميل تافه، وأن توقعه قد انقلب إلى حقيقة، وقال لي: يا ابنة أخي لا أملك أن أفرض عليك أي شيء بل بالعكس فأنا وزوجة عمك نطلب من والدتك السماح لك بالعودة عن السواد في الحال... وتوصلنا إلى حل وسط وهو أن أخلع السواد بعد قداس الأربعين، وكانت المفاجأة في اليوم التالي في الجامعة... مفاجأة التوت الشامي... لقد دفعتني إلى الأمام أيها السيد واستطعت بفضلك تجاوز محنتي.
ـ هذا فضل الله يا آنستي
ـ توقف عن مناداتي بلقب الآنسة فأنا الآن قد تخرجت وتزوجت وعندي ولد.
ـ حقاً آسف لم أكن أعرف... ولكن ما هو أسم الولد؟
ـ أسميته... جابر... جابر عثرات الكرام... هذا كرت عيادتي أتمنى تشريفك
ـ سعدت بلقائك يا سيدتي... بلغي سلامي لأهلك ولزوجك و... لجابر و... ولعثرات الكرام.
ـ أشكرك على ما فعلته من أجلي
ـ الشكر لله يا سيدتي... فأنا لم أفعل شيئاً... أنا ألتمس وجه الخالق ولطفه وعفوه... لأنه سبحانه لا يضيع عنده شيء... فأنا لي ابنتين صغيرتين... ستكبران إن شاء الله وتدخلان الجامعة... وقدر ييسر الله لهما ما يسره لكِ... فاشكري الله على نعمه ولا تشكري العبد... إلى اللقاء
ـ إلى اللقاء
أنت تعرف
بنفس الحس الانساني ونفس الروح ونفس الابداع تكبر مقالاتك بك وتكبر أنت بها ايها المحترم، اكتب لنا دوماً فحن نحب أن نقرأ لك، فأنت هموم الناس، وقلمك هو الشمعة المضيئة في الظلام، جميل الادمان على تلمس الخير وترقب الحل حتى ولو كان الأمل بعيدعبد الحميد محمد صادق
لديك بصيرة واضحة بالفضل وكما يقول مبدأ الأخلاق من لا يشكر الناس لا يشكر الله.برك الله بك الرائع المبدع د.أراMohamed
Dear Austath ARA
You have a wonderful pen and heart, I enjoy reading your articles here in Finland! د فيحاء الحسيني
قد تكون من أجمل مقالاتك التي تميل لأن تكون قصص قصيرة ، وقد تكون أجمل خاتمة هذه التي بين قوسين (ـ الشكر لله يا سيدتي... فأنا لم أفعل شيئاً... أنا ألتمس وجه الخالق ولطفه وعفوه... لأنه سبحانه لا يضيع عنده شيء... فأنا لي ابنتين صغيرتين... ستكبران إن شاء الله وتدخلان الجامعة... وقد ييسر الله لهما ما يسره لكِ... فاشكري الله على نعمه ولا تشكري العبد... إلى اللقاء
ـ إلى اللقاء) ادهم خضر
حدث لي شيء مماثل ولكن كانت محاولة نصب ولذلك توقعت في بداية المقالة ان تكون النتيجة عملية نصب ولكن دوماً يا سيد آرا تأخذنا الى عالم بعيد ساحر وممتعآرا سوفاليان
الى السيد محمد أشكرك لأهتمامك بما أكتب وأرجو من حضرتك توضيح معنى كلمة Austath فأنا لم أعرف معناها ... ليتك تكتب أي شيء عن الدانمارك مع الصور وان كنت لا تملك كيبورد عربي اكتب مقالة بخط يدك وصورها وارسلها ليتم تنضيدها بالنيابة عنك وارسالها الى الموقع ، أعتقد ان الدول السكندينافية هي جنات الله على الأرض مـ فاديا
سيد آرا حدث لي نفس الشيء ونفس القصة في كلية الهندسة المدنية وفي العام 1990 وحدث شجار وبهدلة ولم يقف أحد الى جانبي ، مؤسف هو المستوى الاخلاقي المنحط للبعض حيث لا تكفيه الانسان مصيبته ليتحمل الانسان كلام تافه وتعليقات، أنا الآن في الولايات المتحدة وأقسم بالله انه حتى اللحظة لم يتعرض لي أحد بإساءة أو إهانة أو تلطيش فسبحان الله كيف في بلدنا لا نتعلم غير الاساءة واهانة الناس التي في حالها مقل حضرتك ذكرني بأيام لا أطيق أن أتذكرها ولكن هذه الحالة خاصة بي ولا علاقة لحضرتك بها أشكرك ايها الكاتب الراقيمها فرح
مقالة جميلة جداً ولكن فيها خطأ في صياغة الجزء المتعلق في الحوار حيث يمكن ان يكون أجمل أرجو يا آرا تقبل هذا النقد بصدر رحب فأنا من المدمنين على كتاباتك ومنذ سنين طويلة، سألت نفسي إن كنت تستطيع الكتابة عن الأشياء المخزية التي تحدث في الجامعة ، فأنا وأنت مررنا في هذه المرحلة ونعرف الكثير وسألت نفسي إن كان هناك من يجرؤ على قول الحقيقة أكتب لي سيد آرا لأضع بين يدي حضرتك بعض القصص التي لا استطيع أن اصيغها باسلوبك البارعد ماهر السروجي
شكراً لوضع رابط هذه المقالة الجميلة في الدنتال غيتس ولكن ، لماذا لم يتم تنصيب المقالة في الدنتال غيتس أيضاً خاصة وان المقالة لها علاقة بطب الأسنان وانت يا سيد آرا نائب مدير الموقع في دنتال غيتس؟سام البني
الصديق العزيز الأستاذ آرا شكراً لقلمك الذي يدلنا دائماً على طريق التعامل بشكل إنساني.ليلىابو كلل
مساء الخير لقد عجبتني الحكايه ويعجبني انو انتم العرب تحترمون حتى المتوفي لكن هنا عندما يموت الولد بعد اسبوع تجد البنت او الولد يتزوج ولا يتغير لون الملابس ويمرسون الحياهالطبيعيه ولا كنهو احد عزيز قد غادر ولم يعود ابلغ لكم تحياتي واحترامي لشعب المحترمخالد حسن
مساء الخير دكتور ارا . مقالة ممتعة و هادفة فيها من الحكم و التعاليم الدينية الكثير فضية الحداد و لبس الاسود هي مكروه في الدين الاسلامي و المسيحي على حد السواء لا و بل محمرمة ايضا و فعل الخير و الحض عليه ايضا من تعاليم الديانتين السماويتين ايضا على ان يتم ذلك دون انتظار مقابل من الناس و سؤال الله وحده عن المكافاة دون اذية للناس و تحميلهم الجميلة .. دمت بخير اخ ارا سلامي للجميع
أضافة تعليق
شروط التعليق
المشاركة لا تتجاوز 500 حرف.
المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
يهمل كل تعليق يقدح بشخصيات بعينها أو هيئات.
تهمل التعليقات المتسمة بروح الطائفية والعنصرية أو التي تمس بالذات الإلهية أو تمس المعتقدات الدينية.
تهمل التعليقات التحريضية والتعليقات التي تتضمن تهديدات لشخص او لجهة معينة.
تهمل التعليقات التي تتضمن ترويجا لجهات أو هيئات أو لأشخاص بعينهم.
تهمل التعليقات التي تتعرض للكاتب وشخصه في مقالات الرأي أو التحليلات أو تقارير المراسلين.
يهمل التعليق المتضمن ملاحظات حول إدارة التعليقات أو ملاحظات أخرى عن الموقع بعيدة عن الموضوع المختار للتعليق عليه، حيث أن مثل هذه الأمور لها بريدها الخاص
الموقع عربي فلا تنشر إلا المشاركات المكتوبة باللغة العربية.