بداية أحب أن أقول أن المدن كالنساء.. بل هى بالفعل لفظة مؤنثة وأسماؤها مؤنثة لذا يقع الشخص فى غرامهن ومهما كان لهن من أخطاء...
فهو يحبها... أعرف أن لكل مدينة وجه بائس فقير مظلم ولكن من قال إننا عندما نصف أحباءنا نعدد عيوبهم؟ إننا نرى فقط جمالهم...
هكذا أشهد بما رأيت
كان الجو مائلاً للحرارة ولكن سوق الحميدية مغطى بأكمله وبه نسمات فاطمية زهراوية زينبية العطر... ويفضى فى آخره للمسجد الأموى... كنت أمشى فيه فأشعر أنى بـ "حى الغورية" العتيق بمصر..
وأنى لست سائحة بالرغم من أن الجميع يلاحظ أنى لست سورية بسبب الكاميرا التى أحملها والحقيبة الصغيرة التى يلفها زوجى حول خاصرته... ولكن الألفة فى التعامل كانت أروع من الوصف.. قلت له "ترى هل ممكن نقابل الآن تيم الحسن"؟
قال ربما من الأسهل أن أرسلك "للملك فاروق"... قلت "إذن سولاف فواخرجى أو أمل عرفة" ضحكنا وعدت على خير... دلفنا لآخر السوق ودخلنا الجامع الأموى.. صليت ركعتين تحية المسجد وزرت قبر سيدنا يحيى ومكان رأس سيدنا الحسين... سلمت على الجميع وقبلت رؤوسهم.. يحيى والحسين.. قطعت رأسهم وتعذبوا فمازادوا الا شرفاً... لعله القدر الذى جمع الشهيدين الذين قتلا غدراً وغيلة وكانا فى ريعان شبابهم ...
ثم أخيراً زرت قبر صلاح الدين... وسألته.. .ترى ما رأيك فينا؟ للأسف لا أؤمن بالرجعة... فلم يرجع الصالحون؟؟؟ هذا ليس زمانهم... نحن لانستحقهم... لقد خلقوا لزمان غير زماننا... ونحن... ما أضيعنا.. آه لو يفسحوا الطريق لجهاد النساء والله لأريناهم عجبا....!!!
فوجئت أنى قلتها بصوت سمعه زوجى... فتغاضى خجلاً... يعرف أنى تنتابنى نوبات صراحة عليه تجاهلها.... قلت لساكن القبر.. أنا آسفة... جد آسفة يا سيدى الرائع العظيم... اعتقد أنه سمعنى.. ولم يقبل أسفى فلا عذر لنا.. أنتهت الزيارة وذهبنا لمطعم نصحونا به أسمه "بيت جبرى" وهو بيت أثرى من بيوت الشام القديمة... مكان رائع وخدمة أروع.. رقة وأمانة وذكاء...
طلبت فتة شامى وكبة لبنية وفتوش وتبوله... قال الشاب "نايف" لاللالا هذا سيجعلكم لا تأكلون حتى صباح الغد... بالفعل كان الطعام ضرب من ضروب الروعة والنظافة والمذاق الذى لاينسى تزينه بسمات من الجميع حتى الرواد.. فبمجرد ما تلتقى عينى بأى شخص أجد ابتسامة ودودة وايماءة... بمعنى "أهلا وسهلا"...
والله لم أصدق اعتقدت أنى أتخيل فانا مصابة بداء الخيال واحلام اليقظة.. فسألت زوجى... هو عملى جداً ولا ينساق وراء عواطفه او خياله فأكد بالفعل ابتسامات الناس وتحيتهم... واستطاع الجو الحميمى ان يجذب زوجى فتنهار مقاومته وينساق وراء مشاعر الألفة... كانت بجانبنا مجموعة من السياح الألمان فتحدثنا معهم وقد اعتقدوا أننا قادمون من ألمانيا مثلهم لاجادتنا للغة الالمانية حيث يقيم الكثير من العرب هناك وحكوا لنا عن انبهارهم بسورية والجو و...و...
وكان زوجى يوضح لهم بعض المعلومات حيث درس التاريخ الاسلامى بجانب علم المصريات وهو عاشق للآثار الإسلامية فمن النظرة الأولى يستطيع تحديد لأى عصر ينتمى حجر صغير او جزء من حائط... كنا نشعر بفخر شديد ونحن نستمع لتعليقاتهم بالضبط كما نشعر عندما يتحدث السياح عن مصر بحب وتقبل لكل السلبيات...
أوطاننا مهما قست نحبها... ومهما كانت بلادى معذبتى... تظل ملهمتى... وأنا الآن بعيدة عن معذبتى أشتاق عذابها واتوق لهواءها وثراها... كأننى ادمنت عذابها... بالضبط كأى قصة حب لحبيب ظالم لاتستطيع له سلوان مهما تجبر..!!
عدنا للبيت فى منطقة "حرستا" الشعبية الجميلة وقد نصحتنى صديقتى الشاعرة الرقيقة عصفورة الحكايا سارة نحاس بهذا المكان وجهزت كل الترتيبات كأنها تعرف ذوقى مسبقاً..لا أميل للتكلف وجئت سورية لا لأسكن بأوتيل ولكن لاعيش عيشة أهل دمشق وأتسوق وأتجول فى الشوارع الشعبية..
لذا كانت نصيحتها لى أن تحجز لى شقة مفروشة وليس فندق.. حرستا بأهلها ومحالها وشوارعها خفيفة الظل ودافئة ومحالها وعمالها طيبون ودودون متسامحون وأحب قول الحبيب "رحم الله رجلاً سمحاً اذا باع سمحا اذا اشترى سمحا اذا اقتضى" كان هؤلاء هم أهل حرستا وزوجها... بل للأمانة وأهل دمشق.. فما من محل دخلناه إلا وكان حسن استقبالهم دافع لنا للشراء... صعدنا للشقة التى زانتها النظافة الشديدة وشاقنا فيها "الأسانسير" إذ تمرد فجأة وأعلن العصيان المدنى...
كنت أريد ان أستعد للأمسية التى يقيمها المنتدى وكانت مشكلتى الالقاء فأنا صوتى منخفض وخجولة فى حقيقتى أما فى الكتابة فإنى أخرج فيها كل ما أخجل من قوله يعنى أنا تحريرى فقط أما الشفوى... ضيااااع.. وكانت الليلة الأولى و.... انتظرونى لأروى لكم كيف كنا جامعة دول عربية ناجحة فى هذا المساء وكيف ينجح "الأدب" دوما فى رأب الصدع وترميم النفوس وإحياء الحب فى القلوب... ما أروع التفاصيل وأبهجها.
المصدر: وطن إرسال الى صديق عــودة
|