|
صلاح إبراهيم الحسن من مواليد منبج، بلدة «أبو كهف» 1977، حائز على الماجستير في الأدب الحديث، ويحضّر الآن لنيل درجة الدكتوراه، صدرت له: «هي أمك الأخرى» عن دار سعاد الصباح 2007 بعد أن حازت على المركز الأول في مسابقة الدار، أطلق مع مجموعة من زملائه موقع «منازل الشعراء».
في هذا الحوار إطلالة على عالم صلاح الحسن:
كتبتَ المقدمة النقدية ل «نماذج من شعراء العقد الأول من الألفية الثالثة في سورية» هل يوجد ما يميز هذه النماذج من غيرها؟
لعل من أهم ما يميزها هو أنها (نماذج) لم تقدَّم - بفتح الدال - للقارئ على أساس موسوعي تاريخي يحيط بكل ما كتب في هذا العقد, كما حدث في كثير من الأنطولوجيات الشعرية السورية, ما جعل اختيار شاعر من عدمه أمراً مسوَّغاً ومشروعاً, وهي ثانياً لم تخضع لمزاج معدّ هذه النماذج كما يحدث عادة في مثل هذه المشاريع, فقد شارك في إعداد هذه النماذج واعتمادها أنا وحسن الراعي وحسن إبراهيم الحسن, كما أنها أعدت بهدوء أتاح لها أن تخفف من الاختيار المتسرع, وهي ثالثاً لم تنجز بتكليف من أي جهة ثقافية كما حدث في أنطولوجيا الشعر السوري التي أُعدت لصالح احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية, وكما حدث في الشعر السوري في الربع الأخير من القرن العشرين الذي أعده شوقي بغدادي لصالح مشروع كتاب في جريدة, وهو سبب آخر يجعلها بمنأى عن الأضواء, فسلمت من المدح والذمّ على حدٍ سواء, وهي أخيراً لم تتعصب لتيار, ولم تقصِ من يستحق الوجود بين هذه النماذج وحاولت أن تحمل صفة المسؤولية الفنية والابتعاد عن الشللية التي اتهم به غيرها من الأنطولوجيات, ولاسيما ما قدمه منذر مصري وما قدمته رشا عمران في أنطولوجيا الشعر السوري.
وفنياً هل يوجد ما يميّزها فنياً؟
بالطبع, إن اختلافها عن تجارب المختارات الشعرية الأخرى من حيث فترة الإعداد والإحاطة والموسوعية يجعلها مختارات, ونماذج ترتهن بالدرجة الأولى للشرط الفني, وحتى الشرط الجغرافي التي حاولت النماذج أن تأخذه بعين الاهتمام هو ثانوي, والفني هو العنصر الأساس في هذه النماذج, وقد ذكرت في المقدمة بعض السمات الفنية المميزة لهذه النماذج, ويمكن أن يطلع عليها القارئ إن رغب.
يوجد اتجاهان شعريان في جيل هذا العقد، أحدهما يمثله إلى حد ما «نماذج من شعراء العقد الأول في الألفية الثالثة» والآخر يمثله إلى حد ما بعض نماذج انطولوجيا وزارة الثقافة، وهناك خلافات فنية وشكلية وفكرية حادة.
لا يستطيع ناقد من النقاد أن يقصر الأدب على اتجاه واحد, فتعدد الاتجاهات أمر إيجابي وطبيعي, ولاسيما في عصر الحداثة, أنا أعتقد أن الاختلاف هو في اعتقاد البعض بشرعية اتجاه على حساب الاتجاهات الأخرى من باب الاختزال والأحادية والتطرف الأدبي.
هناك محاولات لنزع الشعرية من الشعر، مع محاربة للشكل العروضي، بحجة الاقتراب من الشارع، هل هذا الشعر جعل الشارع يقترب منه حقّاً؟
أولاً, دعني أختلف معك على صيغة السؤال, فنزع الشعرية من الشعر ومحاربة الشكل العروضي قد توحي بأن التمسك بالشكل العروضي هو ما يمنح الشعر شعريته, وهنا لا بد من توضيح أمر مهم لأن الهجوم الذي تعرضت له قصيدة التفعيلة على يد شعراء الثمانينيات وبعض شعراء التسعينيات كان على الشكل العروضي, وفي كلا الحالتين ظل الصراع محصوراً على مستوى السطح, لنتفق إذا على أن الصراع بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر ليس صراعاً بين جرس خارجي وآخر داخلي, وإنما هو بين مجموعة من الخصائص الفنية والسمات المضمونية بين هذه القصيدة وتلك, ولنتفق أيضاً أن سبب تسمية كل منهما هو التمييز على اعتبار أن الفارق الرئيس بين المدرستين هو الوزن أو عدمه مع الاعتراف دون ضغوط أنه لا الوزن وحده يمنح قصيدة التفعيلة شرعيتها, ولا الخروج على الوزن هو ما يمنح قصيدة النثر شرعيتها. أما الاقتراب من الشارع فهذا منزلق خطير وقع فيه كثير من الشعراء الذين تصدروا المنابر, وتسيدوا النشاطات الثقافية على مستوى المركز, ولكن مركزيتهم لم تمنح كثيراً مما يكتب في الشارع, أو عنه بطاقة الوصول إلى الناس في الشارع بل حتى الاقتراب منه على ما ذهبت إليه في سؤالك, ولعل من أكثر الآراء تعبيراً عن أدب الشارع هذا ما ذكره الشاعر أدونيس ورأى أنه لا يتعدى وصف الأشياء كما هي, والشاعر في هذه الحال يلصق الكلمات بالأشياء كمن يلصق وجهه بالمرآة فلا يرى شيئاً, ويعيد إنتاج الابتذال الذي تحفل به أيامنا كلها, ولعل في موقف أدونيس إجابة جوهرية لأن الابتعاد عن جوهر الشعر هو بالنتيجة ابتعاد عن جمهور الشعر.
باعتبارك تشتغل ناقداً في الشعر الحديث، هناك ظاهرة تنتشر في وسط هذا الشعر، وهي ظاهرة «المريدون» وهي واضحة في أتباع أدونيس، لكنها انتشرت في هذا الجيل الذي أصبح كثير من شعرائه مريدين لفلان وفلان.
أنا لاحظت في مقدمتي النقدية للنماذج أن هناك تأثرا كبيرا بالشاعر محمود درويش لدى كثير من الشعراء, وهناك تأثر بشعراء آخرين لدى البعض الآخر وهو غالبا تأثر طبيعي يحدث من دون وعي الشاعر, أما أن يذهب الشاعر قصدا إلى الدوران في فلك شاعر بعينه حتى وإن كان أدونيس, فهذا يعبر عن قصور وعي يجعل الشاعر يعبر عن تجربته بأدوات الآخرين, وحتى لو نجح في ذلك, فإنه سيكون نسخة مزورة, وفي أحسن الأحوال سيكون صورة طبق الأصل عن الشاعر المثل لديه, لكن لا أعتقد أن هذه الظاهرة موجودة بالمعنى الذي ذكرت ولو كان ذلك أسوأ مما لو كانت موجودة بسبب أن بعض الشعراء يكون مريدا للشاعر الذي يقرأ له فيدهشه فيقلده, وإذا ما قرأ لغيره فأدهشه أيضا ترك الأول ليقلد الآخر, وهذا كارثي في الشعر, والشاعر هنا يصبح مقلدا لا متأثرا تأثيرا فنيا بالآخر, وفي هذا تبعية ثقافية ولا يمكن أن يؤسس مدرسة أدبية.
الشاعر حسن إبراهيم الحسن يرى أن الشعر الرعوي هو الشعر الحقيقي، وربما تكون قصائدك الأقرب إلى الرعوية من شعر جيلك.
أنا أحب قصائدي تلك, ويمكن القول على سبيل المجاز:إنني تأخرت في كتابتها حتى امتلكت الكلام, وحين كتبتها كنت ذلك الطفل السارح خلف التخوم, والراكض خلف الغيوم والخراف, ومطارد السراب الذي لن يصل, والشارد على طريق الحليب إلى الآن, أنا أشعر بحنين فائض إليّ أكثر مما أحن إلى قريتي التي تركتها مقتنعاً وسكنت المدينة, أنا شخصياً لم أر في قريتي رمزاً للبراءة والصفاء والحلم, و لم أسلك في قصائدي الرعويةِ المسلكَ الفني فحسب, ولم أذهب قصداً إلى الريف ولم أحبه كثيراً, ولكنه مكوّن مهم من مصادري الشعرية الشفهية, وما تلك القصائد سوى الحنين إلى البعيد والموجع وأكثر.
على الرغم من حضورك القوي والمهم في جيلك، أنت شبه غائب إعلاميا ومنبرياً!
أنا فقط؟! كلنا غائبون يا صديقي, ولكن دعنا نتحدث بصراحة.. أنا لدي تجربة في النشر على صفحات ملحق الثورة الثقافي منذ عام 1998 ولكنني كعادة الشعراء مقلّ في ذلك, وهذا سبب يتحمله الشاعر, فعلى الشاعر أن يسعى لكي يأخذ مكانه, ولكن مع ذلك فأنا أشعر أن معظمنا مبعدون عن التظاهرات الثقافية والقنوات الإعلامية في سورية, وخير مثال على ذلك تظاهرة عاصمة الثقافة العربية في دمشق, والسبب يعود في ذلك إلى شللية القائمين على الثقافة في سورية من جهة, وإلى مركزية العمل الثقافي والإعلامي من جهة أخرى, وأتمنى أن تلتفت وزارة الثقافة والإعلام إلى هذا الأمر, ومن جهة ثالثة أين يقع الأدب على سلم أولويات الإعلام السوري ولاسيما المرئي منه, هل يقارن حضور الأديب مثلاً بحضور نجوم التمثيل والغناء؟؟ وهل يطل الأدباء على الشاشة في الأعياد كما يطل نجوم الدراما؟؟
حاوره - حكمة شافي الأسعد
المصدر: الثورة إرسال الى صديق عــودة
|