يقول الباحث الألماني الدكتور هورست كلينغل ثمة قاعدة للاقتصاد السوري هي التجارة وذلك لسببين هما الموقع الجغرافي والانتاج الاقتصادي فقد أصبحت سورية بمشاركتها بالتجارة البعيدة بالأحجار الكريمة منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد مركزا للمبادلات الإقليمية وهذا تطور مع أوائل الألف الثاني قبل الميلاد عندما برز العالم الايجي وقبرص كشركاء في التجارة.
وباعتبارها أحد المراكز الاقتصادية في سورية الذي اعتمدت عليه روما والجزيرة العربية لتأمين المحاصيل الزراعية وخاصة القمح عرفت حوران قبل آلاف السنين التداول بالنقود بدلا من نظام التقايض الذي ظل معمولا به عند عدد كبير من الحضارات المجاورة واستطاعت ان تجد لنفسها مكانا على الخارطة الاقتصادية وان تكون فاعلة في التبادل التجاري وربما لعبت دور الوسيط بين الساحل الفينيقي والجزيرة العربية كما هي حال درعا الآن مركز ربط بين الخليج العربي وبلاد الشام وصولاً الى الأناضول البوابة الشرقية لأوروبا.

وتعكس طبيعة العدد الكبير من النقود المكتشفة في مواقع عديدة من حوران البيئة الاقتصادية و التجارية المزدهرة والصورة السياسية و الادارية السائدة خلال العصور الكلاسيكية في المنطقة.
وبين أيهم الزعبي أمين متحف درعا الوطني ان المتحف يضم قطعة نقدية تحمل صورة الامبراطور فيليب العربي ماركوس يوليوس فيليبوس الذي حكم روما في الفترة مابين 244-249 للميلاد وهي من اندر القطع النقدية في العالم حسب توصيفات المؤرخين ولايوجد منها الا نسختين الاولى في متحف درعا والثانية في مكتبة بيربونت مورغان في نيويورك موضحاً ان هذه القطعة النقدية النادرة عثر عليها في موقع سحر اللجاة تراخونيتس الواقع في الجهة الشمالية الشرقية من منطقة اللجاة والى الجنوب الشرقي من بلدة المسمية بحوالي 6 كم في موسم تنقيب عام 1999.
ولفت الزعبي إلى أن المتحف يحتوي على 7500 قطعة نقدية 6000 قطعة منها اكتشفت في مدينة الصنمين إيرا بوليس عام 2007 واسفرت دراسة عينة من 38 قطعة عن تحديد فترتين من الاصدار النقدي تعود الأولى للعهد الروماني وتمثلها قطعة نقدية تؤرخ للقرن الثالث الميلادي صادرة عن دار ضرب بصرى في عهد الامبراطورة السورية جوليا ماميا وحمل النقد على ظهره صورة لرأس الإله ذو الشرى النبطي وتعود الثانية للعصر البيزنطي انطلاقاً من القرن الخامس الميلادي واغلب هذه النقود صكت في عهد الامبراطور انستاسيوس الذي حكم مابين 491 -518 للميلاد وقد دلت النقود المكتشفة على انه اول من اجرى اصلاحاً نقدياً شاملاً في العصر البيزنطي واوجد الاجزاء العشرية بالحروف اللاتينية اضافة الى مجموعات نقدية تعود للاباطرة جوستين وزوجته صوفيا صكت في نيكوميديا وزيلد في تركيا وكل من موريس بيتر وهيرقل اللذين حكما في الاعوام 82-602 و610-641 للميلاد على التوالي.

وتقدم النقود الموجودة في المتحف شواهد عدة على الأزمات الاقتصادية التي مرت بها الامبراطوريات المتعاقبة على حكم حوران من خلال ابتكار النظام العشري في النقد او تخفيض أوزان النقد أو تغيير نوع المعدن فكما يعد الذهب والفضة الان من المعادن الثمينة فقد لاقت المكانة نفسها قبل الاف السنين حيث يسحبان من التداول لتحل مكانهما المعادن الارخص.
وأوضح الزعبي أن المكتشفات الأثرية الأخيرة في تل الشيخ سعد الأثري بدرعا خلال موسم التنقيب الماضي 2009 دلت على وجود 74 قطعة من المصكوكات النقدية تعود الى الفترة اليونانية وهي من النحاس وتدل على ان منطقة حوران عرفت استخدام النقود في مبادلاتها التجارية منذ تلك العصور وقد حملت هذه النقود رسومات كالفيل والنسر والبومة إضافة إلى صور الحاكمين انطوخيوس الثالث وبطليموس مشيراً الى ان احد المواطنين اهدى المتحف نقداً فضياً يعد الاقدم بين كل القطع المكتشفة يعود الى عام 162 قبل الميلاد وعليه صورة الحاكم انطوخيوس الخامس اوباتور.
وشهدت النقود على مكانة مدن حوران السياسية والاقتصادية والتجارية والدينية والعسكرية حيث اعطي لعدد من مدن الديكا بوليس حلف المدن العشر كازرع ودرعا وبصرى والاشعري الحق بان تصك نقودها المحلية سواء من الذهب أو الفضة أو البرونز أو النحاس.
وأشار الزعبي إلى أن بعض النقود المصكوكة ذات طابع احتفالي اذ كرست المعارك وتولي الاباطرة للحكم وتخليد الانتصارات والأبنية والآلهة المعبودة في تلك العصور عبر اصدارات نقدية تحمل دلائل على هذه المناسبات تماماً كما هي وظيفة الطوابع التذكارية في عصرنا الحالي واضافة لذلك فقد اشارت النقود الى التحولات الدينية حيث شهدت الرسومات تطورا من استخدام صور الاباطرة والحكام والحيوانات في عصور ماقبل الميلاد وبداية انتشار الدين المسيحي في المنطقة الى استخدام رموز الدين الجديد وفي العصور الاسلامية ضربت الدولة الاسلامية اولى عملاتها الاسلامية الخالصة من الذهب عام 77 للهجرة بأوزان أقل من العملات البيزنطية أيام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.
ويقول الآثاري قاسم المحمد من دائرة آثار درعا انه منذ أن دخلت النقود في التداول خلال فترة الحكم الفارسي الذي دل عليها الكنز المكتشف قرب مدينة بصرى ولاحقاً خلال العصر النبطي صكت مدينتا البتراء و دمشق النقود من الفضة و البرونز وتم التداول بها في كل ارجاء المدن التابعة للسلطة النبطية وتميزت بحجمها الصغير وأطرافها المسننة.
ويلفت المحمد إلى أن تلك النقود قدمت مدلولات على الحالة التجارية والسياسية التي امتاز بها العرب الانباط كما أن العملات التي تعود الى فترة حكم الملوك البطالمة في القرون الثلاثة الاولى قبل الميلاد تثبت التواصل التجاري والسياسي بين مدن الساحل الفينيقي وفلسطين مشيراً إلى أن حوران عرفت ازدهارا تجارياً ملحوظا خلال فترة الولاية العربية الرومانية حيث تم تاسيس المدن في جنوب سورية ومنحت حق صك عملاتها الخاصة بها كما هو حال مدينة درعا في عهد الامبراطور انطونيوس بيوس منتصف القرن الثاني الميلادي واستمرت حتى النصف الثاني من القرن الثالث للميلاد.
ويضيف المحمد أن مدن حوران استمرت في صك النقود بكثرة في الفترة البيزنطية نتيجة قوة الحركة التجارية وخاصة مابين الشام والجزيرة العربية واستبدلت العملات الرومانية السائدة بأخرى تعبر عن الدين الجديد الذي اصبح رسمياً في الدولة البيزنطية.
وكما للعصور الكلاسيكية نقودها التي دلت على المظاهر التجارية والتحولات السياسية التي شهدتها مدن حوران قبل الاف السنين فقد عثرت بعثات التنقيب على مجموعة من العملات الذهبية التي صكتها الدولة الاسلامية في فتراتها المختلفة من أموية وعباسية وفاطمية ومملوكية وعثمانية وأشهر هذه العملات دينار المعتصم بالله الذهبي الذي صك عام 224 للهجرة في صنعاء.
تقرير: لما المسالمة ووليد البلخي
المصدر: سانا إرسال الى صديق عــودة
|