تفتح السدات المائية أبواباً تنموية واسعة في مساحات جديدة من الأراضي القابلة للزراعة وفي المناطق الحراجية ومواقع الغابات الطبيعية نظراً لما توفره هذه السدات من مناهل حقيقية للحصول على الاحتياجات الضرورية المطلوبة من موارد المياه واستخدامها في إخماد حرائق الحراج بزمن قياسي بعد توفرها في مواقع قريبة من موقع الحريق واسهامها في إحياء مساحات واسعة من الأراضي واستثمارها زراعياً.
ولأن السنوات الماضية بما حملته من حرائق حراجية مدمرة اجتاحت غطاءنا الحراجي بضراوة أفقدتنا عشرات آلاف الدونمات من غاباتنا الطبيعية، فإنه بات لزاماً أن نضع الاصبع على الجراح بكل موضوعية ومسؤولية وشفافية بعد أن اكتشفنا أن افتقارنا لمناهل مياه في عمق غاباتنا كان يضعنا ولا يزال في متاهة حقيقية أثناء مواجهة الحرائق، لأن الرهان على الزمن لم يكن في كل مرة لصالحنا.
فيأخذ الحريق مداه في غير اتجاه بفعل عجزنا الواضح عن استحضار الماء بالشروط المكانية والزمانية الضرورية الملائمة، ولهذا فإن المشروع الحيوي الهام الذي تعكف وزارة الزراعة من خلال مديريتها في اللاذقية على الانطلاق به لتأمين هذه المناهل عبر إنشاء مئة سدة مائية في غابات المحافظة ومناطقها الزراعية الجبلية والهضابية، يشكل مفترقاً حاسماً على الطريق السليمة المؤدية للحفاظ على ثروتنا الحراجية وجعلها بمنأى عن شبح الحرائق ومخاطرها، وإيجاد تنمية زراعية واعدة في المساحات غير المشمولة بشبكات وأقنية الري بما يسهم في إعادة إحياء هذه المساحات التي تشكل نسبة لا بأس بها من أراضي محافظة اللاذقية.
ولأجل الاستيضاح عن أهمية إنشاء السدات المائية وانعكاسها على الواقع الحراجي والزراعي، ومعطيات جدواها التنموية والبيئية والاقتصادية، والأعمال التي قامت بها مديرية زراعة اللاذقية في مجال الدراسات والمسوحات اللازمة، التقينا المهندس حسان بدور مدير زراعة اللاذقية حيث قال:
من خلال الدراسات الميدانية التي قامت بها مديرية الزراعة في اللاذقية استناداً إلى ميزان استعمال الأراضي، فقد تبين وجود مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية القابلة للزراعة، منها ما هو بور، ومنها ما هو مزروع بمحاصيل بعلية ( قمح، حبوب مختلفة، تبغ)، والباقي قيد الاستصلاح وخصوصاً في المناطق الهضابية والجبلية من/400/ م فما فوق، حيث معظمها لا تشملها مشروعات الري الحكومية كالسدود أو غيرها، ولما كانت معدلات الهطول عالية في هذه المناطق، فإن إقامة سدات مائية جبلية يجعل منها مشروعاً حيوياً وهاماً ومتكاملاً يحقق الوظيفة التنموية المبتغاة التي جاءت لتنسجم مع توجهات وزارة الزراعة وضمن أولويات استراتيجيتها التنموية للمنطقة الساحلية بما في ذلك مشروع حماية الغابات والإدارة المتكاملة لحرائق الغابات.
في الأوقات الحرجة
ويرى المهندس بدور أن من شأن هذه السدات عند إقامتها أن تحقق التوسع في رقعة الأراضي المستثمرة زراعياً، وزيادة الإنتاج الزراعي من خلال تحويل الزراعات من بعلية إلى مروية، والاستفادة من المياه في المواقع الحراجية في حال نشوب الحرائق واستخدامها في عمليات الإخماد والإطفاء، كما تساهم في التخفيض من الهجرة باتجاه المدينة من الريف، وفي تشجيع السياحة البيئية والشعبية، وإدخال أصناف جديدة ومتنوعة للمناطق الزراعية، والتشجيع على نمو الثروة الحيوانية من خلال توفير المياه اللازمة، وزيادة إنتاجية المحاصيل العلفية، ونشر تربية الثروة السمكية، وتطوير وتنمية التنوع الحيوي، ويضيف المهندس بدور: تمكن هذه السدات من ري الغراس الزراعية والحراجية، وتأمين مصدر مائي لها في الأوقات الحرجة، والاستفادة من المياه في المواقع التي تنتشر فيها الغابات الطبيعية، وتلعب دوراً حيوياً بالغ الأهمية من خلال الحفاظ على مياه الأمطار وعدم ضياعها وتغذية المياه الجوفية.
بالغة الحساسية للنار
يبين مدير زراعة اللاذقية أن الغطاء الحراجي في المحافظة ينتشر على آلاف الهكتارات من الغابات، الصنوبرية منها وهي ذات حساسية عالية للنار، وهذا ما أثبتته بشكل قاطع لا يقبل الشك حرائق الغابات التي أتت على مئات بل آلاف الهكتارات من الأشجار الغابية، إضافة إلى تدميرها للحياة البرية وللتنوع الحيوي بكل مكوناته.
مع الأخذ بعين الاعتبار معدلات الهطول المطري المرتفعة في محافظة اللاذقية التي يسقط فيها /3مليارات م3/ من ماء المطر سنوياً يذهب جلها إلى البحر دون فائدة تذكر منها، وخصوصاً في المناطق الهضابية والجبلية من ارتفاع (400م) فما فوق.
حيث أن معظمها لا تشملها مشروعات الري الحكومية ما يجعل من إقامة سدات ضرورة تنموية وزراعية وبيئية ملحة تمكن من مضاعفة الإنتاجية للعديد من المحاصيل كالتبغ والخضروات بحيث تروي السدة الواحدة بحدود (300-400) دونم، وحسب نوع الزراعة، ويستفيد منها ما بين 40-60 أسرة، والاستفادة من هذه السدات في إخماد الحرائق.
حيث تغطي كل سدة حوالي (500) هكتار من الغابات لاستخدامها كمصدر للماء في إخماد الحرائق فيما لو حصلت، إضافة إلى تأهيل المواقع المحروقة لسقاية الغراس الحراجية الحديثة، وإدخال زراعات جديدة ومتنوعة مثل النباتات العطرية والطبية والزراعات العضوية وزراعة نباتات الزينة وأزهار القطف، وجميعها تلائم الظروف الخاصة بالحيازات الزراعية المحدودة والصغيرة والتي هي سمة الملكية في محافظة اللاذقية.
وتحقيق مؤشرات نمو متزايدة في قطاع الثروة الحيوانية من خلال توفير المياه وزيادة إنتاجية المحاصيل العلفية، ما يزيد من فرص العمل ويرفع مستوى دخل الأسر الريفية، وتشجيع ونشر تربية الثروة السمكية، بحيث يمكن لكل سدة أن تنتج من (2-5) أطنان من أسماك التربية وحسب حجمها ما يؤمن غذاء جيداً لسكان المناطق الجبلية والريفية، والحفاظ على التنوع الحيوي وزيادته من خلال إعادة الحياة البرية وتنميتها وتطويرها كالحيوانات المختلفة والطيور.
وتشجيع السياحة وتحسينها من خلال إيجاد استراحات بيئية ومتنزهات طبيعية حول هذه البحيرات ما يزيد من فرص العمل للسكان المحليين وتحسين مداخيلهم، ويتوازى هذا كله مع تخفيف الهجرة من الريف إلى المدينة عبر تعزيز الاستقرار المادي لسكان الأرياف وتحسينه ما يجعل الناس أكثر تمسكاً وارتباطاً بقراهم وبيئتهم، حيث مورد الرزق المستمر والمتنامي، ويتكامل ذلك كله مع الحفاظ على مياه الأمطار وعدم ضياعها، وتغذية المياه الجوفية من خلال رفد المائدة بالمياه على مدار العام وخاصة في أشهر الجفاف حيث الصيف الطويل الذي يمتد في بعض السنوات إلى أكثر من (6) أشهر.
وأوضح المهندس بدور أن عدد السدات المائية المقترح تنفيذها هو مئة سدة مائية بحجم تخزيني متوسط 50 ألف م3 للسدة الواحدة يمكن تنفيذها علىمدى خمس سنوات بمعدل (20) سدة في العام الواحد يستفيد منها عشرات الآلاف من سكان الأرياف، إضافة إلى تحسين الزراعة في محافظة اللاذقية التي تتسم بطابع زراعي مميز لها.
مروان حويجة
المصدر: البعث إرسال الى صديق عــودة
|