ما إن يدخل الزائر إلى خان مراد باشا أو ما يعرف بمتحف معرة النعمان حتى تستقبله اللوحات الفسيفسائية لتقول له إن الخان لم يعد مخصصاً لراحة المسافرين بل هو اليوم بمثابة معرض فني تتجاور فيه وعلى جدرانه وأرضيته مجموعة خاصة من اللوحات الأيقونية التعبيرية التي تحكي للواقف أمامها قصة أسطورية من زمن مضى.
صنف من بين أوائل المتاحف العالمية التي تعنى بفن الفسيفساء وكونه يضم 2000 متر مربع من اللوحات الفسيفسائية يجعل من الصعب وصفه بأقل من تحفة معمارية فريدة تجسد الحضارة العريقة للمنطقة وتجمع بين جنباتها أبجدية التاريخ العريق.
وتوضح الكتابة التي تعلو قنطرة المدخل أن مراد جلبي باشا أمين ديوان الدفاتر السلطاني هو من بنى الخان عام 1546 ميلادي لاستخدامه كمحطة واستراحة وفندق وتكية إطعام للمسافرين وأبناء السبيل.

ويتربع الخان على مساحة قدرها 7 دونمات ويتألف من أربعة أجنحة بأسقف مصلًبة تتقد منها أروقة بقناطر مدببة ترتكز على دعائم حجرية ويتخلل كل جناحين معبر يؤدي إلى مرافق خدمية ويتوسط الباحة بناء مسجد وتكية إطعام أما من الجهة الغربية فيضم مرافق خدمية واقتصادية مؤلفة من سوق تجارية وحمام التكية وفرن خبز ومستودعات للغلال ومجار لتوزيع الماء لكافة أنحاء الخان.
ويقول غازي علولو رئيس دائرة آثار المعرة إن من أهم اللوحات المعروضة لوحة هيراكليس أو هر قل وهي من روائع التحف الأثرية التي يفخر بها متحف المعرة وتتألف من عدة مشاهد تتحدث عن عودة آل هيراكليس في صبغة أسطورية تضفي مزيدا من العظمة على التاريخ الإغريقي.
وتروي اللوحة كيف أن الاله زيوس أغرم بألكميني زوجة إمفتريون أحد أشراف مدينة طيبة فأنجبت منه ولداً وعندما علمت هيرا زوجة زيوس صبت جام غضبها على محبوبة زيوس وولدها ولكي تتخلص منه وضعت له الأفاعي والثعابين في المهد لقتله لكن الطفل استطاع خنق الثعابين بكلتا يديه واكتسب منذ تلك اللحظة اسم هيراكليس وتظهر إلى جانب هيراكليس والدته التي تهب لإنقاذ ابنها ايفكليس الذي يحمل الصفة البشرية ووالده الذي أشهر سلاحه ومجموعة من الخدم الذين يحملون المشاعل لإضاءة هذا المشهد البطولي.
وتستطرد الأسطورة فتقول إن هيراكليس تلقى أجود التعليم في كل أنواع الفنون والحكمة والرياضيات المعروفة لكنه بينما كان يتلقى درساً في الموسيقا قذف أستاذه بحجر فسقط مغشياً عليه فأرسله إمفتريون ليرعى الماشية عقوبة على فعلته وفي المراعي بدأ مغامراته المدهشة وخصوماته مع هيرا التي كانت تخلق له المشاكل فقتل الحيوانات المفترسة واقتنص حيوانات عجيبة كالخيول آكلة لحوم البشر وأنزل الطيور من أعالي السماء وأعاد بعض الأشياء المقدسة المسروقة إلى أصحابها وأقام صخرتين متقابلتين على مدخل البحر المتوسط وحمل العالم في غياب الإله أطلس وشارك الآلهة في صراعها ضد المردة وضد الطرواديين في حروب طروادة والمشاهد المتبقية تظهر هيراكليس وقد أصبح كهلاً يقف إلى جانب زوجه انستازيا خلود ويباركه الإله زيوس وفي المشهد الأخير يبدو الإله أوقيانوس إله المحيطات بقرنيه وقد حاصره ثعبان كبير وإلى جانبه يبدو هيراكليس وقد خلصه من الثعبان ويحمل بيده غصن الزيتون.

كما يضم الخان لوحة ريموس ورمولوس التي عثر عليها في قرية حاس على بعد 15كم إلى الغرب من مدينة المعرة وهي مؤرخة بسنة 510 م كانت ترصف أحد الغرف الجانبية لكنيسة في الموقع نفسه وتمثل هذه اللوحة نشوء مدينة روما الأسطوري حيث حكم مدينة ألبا المستطيلة باعتبارها أهم مدينة في سهل اللاتيوم الملك نوميتور الذي رزق بابن وابنة غير أن شقيقه آميليوس اغتصب العرش منه وقتل ابن أخيه وقدم ابنته قرباناً للآلهة ما يعني أنها ستبقى عذراء لمدة ثلاثين سنة فلا تخلف نسلاً ينتقم من لفعلته لكن الإله مارس إله الحرب أغرم بالفتاة واتصل بها سراً فحملت بطفلين ذكرين هما ريموس ورمولوس وما إن علم الملك المغتصب حتى ثار غضبه على الغلامين وأمر بإلقائهما في نهر التيبر.
وتستطرد الأسطورة فتقول إن عناية الآلهة وتدخلها أدى إلى قيام المعجزة حيث حطَا على شاطئ نهر التيبر عند سفح هضبة البالاتيوم وتحت ظلال شجرة تين أتت ذئبه وحنت على الطفلين فأرضعتهما بينما تكفل أحد العقبان بحمايتهما إلى أن عثر عليهما راعي قطعان الملك فحملهما إلى زوجته التي تولت تربيتهما حتى شبا عن الطوق وأطلعا على مجريات الأحداث وتدبرا الأمر واتصلا بأعوان الملك الشرعي وقاما بثورة فقتلا المغتصب واستردا عرش جدهما ورجع نوميتور ملكاً من جديد ومكافأة لهما وهبهما جدهما الملك منطقة التلال السبعة على نهر التيبر حيث كان مهدهما ووقع اختيار الآلهة على رمولوس لرسم مخطط المدينة وأخذ محراثا وبدأ يخط أخدودا حول مدينته ورفع المحراث عند الأبواب بعناية وشرع العمال والبناؤون ببناء السور المقدس واستشاط الأخ غضباً لأن الآلهة اختارت شقيقه فقفز فوق أسوار المدينة فقتله شقيقه وارتفعت أسوار المدينة على الدماء التي ستسفك على مدى القرون اللاحقة على يد الرومان لإخضاع الشعوب المجاورة وكان ذلك سنة 753ق.م .
ويوضح رئيس دائرة آثار المعرة أن تاريخ لوحة فسيفساء الهوات الموجودة بالمتحف يرجع إلى عام 567 حيث كانت ترصف أرضية كنيسة تتميز بمشاهدها المثيرة فقد جمعت بين الحيوانات المفترسة كالسباع والفهود والحيوانات الأليفة كالثيران والجواميس والماعز والفيلة والدببة والطيور كالنعام والحجل والحمام والبط والنسور وما يميز اللوحة هو طائر الفينيق الأسطوري وقد فرد جناحيه وأحاط رأسه بقرص الشمس وهذا الطائر معروف منذ القدم وهو في الأصل طائر مصري تصوره اليونان والرومان على شكل طاووس أو نسر ثم أخذه عنهم البيزنطيون وظهر هذا الطائر في كثير من اللوحات الفسيفسائية وقد نسجت حوله الأساطير والقصص الغريبة ومنها أن هذا الطائر يبعث كل خمسمئة عام بعد أن يحرق نفسه في عشه ومن ذرات رماده تخرج فراخه وقد أصبح هذا الطائر رمزاً للبعث في فكر الحضارات القديمة ثم أصبح رمزاً لبعث السيد المسيح في الفن المسيحي.
ويرى علولو أن لوحة فسيفساء كفرطاب المكتشفة منذ عام 1999م وموجودة في أرضية احدى الكنائس في المنطقة وما نقل منها إلى الخان هو جزء من الرواق القبلي ويعود تاريخها للقرن الخامس الميلادي وتتميز اللوحة باطاراتها الرائعة وفيها صور لطيور وحيوانات داجنة وكائنات بحرية.
وتتميز لوحة فسيفساء معرشورين التي اكتشفت عام 1994م في بلدة معرشورين قرب المعرة وتعود للقرن الخامس الميلادي بزخرفتها المميزة حيث تحتوي على مثمن يضم بداخله مثمنا أصغر ودوائر فيها رموز زخرفية رائعة الشكل وأهم ما في اللوحة هو البعد الثالث الذي يبدو من تدرجات الألوان.
وخلاصة القول إن متحف معرة النعمان وما يتفرد به من لوحات فسيفسائية ومعروضات أثرية يعبر بحق عن التفاعل الحضاري والعمق الثقافي والتاريخي لهذه المنطقة ويسهم في تفعيل الحركة السياحية في منطقة المعرة ويعد مقصدا للسياح حيث يزوره سنويا قرابة 10 الاف زائر للتمتع بفن الفسيفساء والتجوال في رحاب هذا الارث الكبير.
وانطلاقا من ايمانها باهمية المتحف تعمل دائرة آثار إدلب على إعادة تأهيله وخصصت لذلك مبلغ 7 ملايين ليرة سورية وتضمنت الأعمال إعداد إطارات خشبية للوحات الفسيفساء الجدارية وإعادة دهان سقوف الأجنحة والقاعات وتجهيز خزائن خشبية بتصاميم تناسب الطراز المعماري للمتحف وإعداد بروشورات وشروحات علمية للتعريف بمعروضات القطع الاثرية اضافة لاعمال تاهيل حديقة المتحف واستخدام أسلوب إنارة متطور.
زياد طالب
المصدر: سانا إرسال الى صديق عــودة
|