كل المؤسسات بحاجة لمظلة مالية (ومنظومة إدارية) من أنواعٍ تختلف بحسب الظروف والمعطيات..
أمّا المصارف فهي المؤسسات التي تحاول اصطياد الزبون الممتلئ (وغير المحتاج لسيولة) لتعرض عليه قروضها.. أما من يعاني من أزمة مالية (وهو الذي بحاجة القرض) فتهرب منه فرار السليم من الأبرص! وهذا ما عبر عنه علماء الاقتصاد البريطانيون ساخرين بقولهم:
(سياسات البنوك كمن يعرض عليك المظلة في يوم مشمس؛ ولدى العاصفة المطرية، تراه فرّ لايلوي على شيء - هو وعروضه وقروضه-)...
وهذه الممارسات لا تقتصر على مؤسسات التمويل، فالكهرباء وقت حاجة التكييف صعبة المنال وخاضعة للتقنين أما خارج الحاجة فهي متاحة ومباحة (وهذا ينطبق على ندرة الوقود في عز الشتاء الخ..) وهذا يفسر ببساطة مبدأ (الندرة) للسلع والخدمات بين شدة الطلب وقلة العرض!
وفي المعنى الإداري فالمظلة الإدارية هي المؤسسة الأم التي تهيمن وتصبغ بصبغتها أجواء ومسار العمل.
تساؤل مطروح: ما هو أصل المظلة؟ هل هي لعرض ظل – تحت شمسٍ حارقة -! أم لفرض وقاءٍ من المطر.. دعونا نرَ في هذه العجالة.
المظلة (هي بالتعرف أداة لتأمين وقاية من الشمس أو المطر – Sunshade or rainshade).
تحمل باليد وتصنع من مواد مختلفة وبألوان متباينة (على الرغم من طغيان اللون الأسود في هذا المضمار)! وأصل الكلمة الانجليزية Umbrella من اللاتينية Umbra ويعني الظل.
أصلها قديم للغاية وقد يكون من منطقتنا، فهنالك لوحات أثرية ترينا ملكاً آشورياً قد استوى على عرشه مع مرافقٍ يحمل فوقه مظلة وفيما عدا الستار المنسدل عنها، فهي شبيهة تماماً بالتي نستعملها في أيامنا هذه.
يتحدث المؤرخ ويلكنسون عن مصر القديمة، أنّ ملك مصر العليا كان يتجوّل ووراءه عبد يحمل مظلة من ريش طويل لوقايته من الشمس اللاهبة.
وهي عند الإغريق القدماء متممة لقيافة الكهنة – من الإناث – القائمات بعبادة الآلهة، وذلك في القرن الخامس قبل الميلاد.
في كتاب صيني اسمه (زهو لي) يعود للقرن الرابع قبل الميلاد وصف لصنع مظلة وأبعادها وشكلها وتصميمها.
ومن تاريخ الهند هذه الأسطورة السنسكريتية القديمة: أنّ (جامادانجي) كان رامياً ماهراً للأسهم بقوسه، ودأبت زوجته (رينوكا) على استعادة سهامه بلمح البصر، ولكنها تلكأت بمهمتها ذات يوم بسبب الحر اللاهب، حيث إنه أطلق سهمه باتجاه الشمس؛ فطلبت الشمس الرحمة وأرفقت باسترحامها مظلة لخدمة الزوجة الوفية!!!
إليكم هذه القصة الطريفة التي حصلت مع أحد الأصدقاء - وعلى ذمته -: ذهب للسينما منفرداً بليلةٍ ممطرة ومعه مظلة، فتركها جانباً وذهب لقضاء حاجةٍ له، فلما عاد وجد عاشقين قد جلسا مكانه، وأخذ يحتال للوصول لمظلته دون أن يقطع عليهما حبل الغرام، فسمعه يتغزّل بها قائلاً (هذه العيون الحلوة لمين؟)، تقول بحياء (لك)، وأعاد الكرة (هذا الشعر الحريري لمين؟)، أجابته بغنج (لك)، وتابع العاشق أسئلته دونما كلل أو ملل.. هنا قاطعه صاحبنا (دخيلك لما تصل للشمسية، فهي لي)!!!
ومن بلد الإحصاءات هذه الأرقام: كل عام تباع في الولايات المتحدة 33 مليون مظلة ثمنها يقارب النصف مليار دولار، وغالبيتها صنع الصين (إقليم جواندونغ) تحديداً حيث هنالك أكثر من ألف معمل لصناعة تلك المنتجات.
وهنا تحضرني هذه الطرفة: وضع جنتلمان إنكليزي ست مظلات للتصليح في محلٍ معروف، وبعدها صعد للحافلة وجلس قرب سيدة عجوز، ولما قارب موقفه همّ بالنزول – ومن باب العادة – أخذ المظلة (مظلتها معه) فصاحت صارخةً (اللص.. سرق مظلتي).. هنا انتبه صاحبنا فأعادها لها معتذراً عن خطئه غير المقصود، وفي المساء عرّج على الحانوت وأخذ المظلات الست، ولأجل الصدفة صادف العجوز نفسها التي رمقت مظلاته بتوجس وقالت بسخرية: (يبدو أنّ حصيلة عمل اليوم وافرة!!!)...
رغم بعد المدة مازلنا نترنم بألحان الأغنية الاستعراضية لعبد الحليم حافظ (دقوا الشماسي من الضحى لحد التماسي) في فيلم (أبي فوق الشجرة) من سبعينات القرن الماضي.
نشرت صحيفة (فريما نوفوستي) الروسية عن حمار قام بحركات بهلوانية في سماء إحدى المدن هناك بعدما أنزله صاحبه بالمظلة (الباراشوت)، وفتحت الشرطة تحقيقاً بالحادث لكونه إساءة معاملة للحيوان المسكين.. في علم التصوير الفوتوغرافي فالمظلة تلعب دوراً هاماً في عكس وتوجيه الضوء، لاسيما ضمن الاستوديو.
ونتذكر من الماضي القول البريطاني التقليدي – والذي يدعو للاحتياط - (إذا كان الجو مشمساً فاحمل مظلتك، وإذا كانت تمطر.. فافعل ما تريد)... حتى في علم الحاسوب هنالك برنامج أسطورة الحماية (المظلة الحمراء -Avira Anti virus 8) التي تقي من شر الفيروس الخناس!!!
رونالد ريغان فيما مضى أطلق مشروع (حرب النجوم) وهو مظلة صاروخية لحماية الولايات المتحدة (تبدو استعراضية ومن وحي عمله السابق بالسينما، وماتزال أمريكا تلعب للآن دور الكاوبوي في السياسة والاقتصاد العالميين).
ختاماً اختلفت الأشكال والاستعمال واحد: الوقاية.. وقد تكرّر ذكرها في الأزمة المالية العالمية لدى الحديث عن مظلة ائتمانية، وصناديق وقائية Hedge Funds، مذكرين أن درهم الوقاية خيرٌ من قنطار العلاج.
في النهاية ومن وحي شهر رمضان ندعو الله أن يظلنا بظله، يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم من ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، جعلنا الله وإياكم منهم؛ وكل عام وحضراتكم بألف خير.
المصدر: صحيفة تشرين إرسال الى صديق عــودة
|