في المركز الثقافي العربي ببلودان قدمت د. عاطفة الفيصل محاضرة هامة حول أعمال الأديبة كوليت خوري وذلك بحضور الأديبة خوري وقد رأت عاطفة الفيصل أن التحول الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، الذي طرأ على المجتمع العربي السوري في نهاية الأربعينيات والخمسينيات نتيجة الظروف السياسية التي عمت البلاد وأدت لنشوء أحزاب سياسية متعددة والتمرد السياسي وانخراط المرأة في ميدان النضال السياسي وتمرد البعض منهن تمرداً إيجابياً أو سلبياً كان له أثر فعال في التحول العام وقد ظهر ذلك واضحاً في الرواية السورية.
والتي كان من أبرز كتابها الأديبة كوليت خوري تلك الوردة الدمشقية أدبها معزوفة موسيقية تنبعث من أعماق الأنثى وفي الوقت نفسه سلاح حاد في وجه التخلف والتقليد الأعمى-قلمها مرأة خصبة تكتمل به عيون الاجيال القادمة ويضيء لهم دروب الحياة الحرة يخطو الإبداع ويتدفق شلالاً عذباً من أناملها العريقة.
تقول الأديبة عن نفسها ولدت في أسرة صغيرة جداً بالعدد كبيرة جداً بالأصدقاء.. ومشهورة جداً في الميدان السياسي والصحفي والأدبي.
درست الأديبة كوليت الحقوق في الجامعة اليسوعية في بيروت عام 1955 ودرست الادب الفرنسي في جامعة دمشق عام 1958 عملت في التدريس في معهد اللاييك وفي كلية الآداب بجامعة دمشق وعملت في مجلة المضحك المبكي التي كان يصدرها خالها الصحفي حبيب كحالة، والدها سهيل الخوري تبوأ سدة الوزارة مرتين وهي حفيدة العلامة الاستاذ فارس الخوري رئيس وزراء سورية وأول رئيس لمجلسها النيابي وكان من أهم رواد القومية العربية في القرن العشرين ومن ألمع أدبائها وشعرائها مثل العرب في هيئة الأمم المتحدة وترأس مجلس الأمن لدورتين عام 1947- 1948 علمها مبادئ العربية فنشأت فصيحة اللسان انتخبت في مجلس الشعب لدورتين متتاليتين من عام 1990- 1998 وتفرغت بعدها للعمل الأدبي. ومن هواياتها الموسيقى والغناء والطرب. تحب الجمال والجودة في كل شيء.
نبغت السيدة كوليت في سن مبكرة في كتاباتها الأدبية أصدرت ديوانها الأول «عشرون عاماً» بالفرنسية ثم تتالت رواياتها وقصصها القصيرة ومقالاتها ودراساتها التاريخية وتعد من أهم رائدات تحرر المرأة في الوطن العربي.
تسلمت الأديبة جائزة القدس لعام 2009 وذلك في حفل افتتاح أعمال المؤتمر العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في مدينة سيرت الليبية.
أعمالها الأدبية
لها أعمال أدبية كثيرة منها أربع روايات أيام معه، ليلة واحدة ومر صيف أيام مع الأيام وأربع مجموعات قصصية منها أنا والمدى، الكلمة الأنثى- الأيام المضيئة- دمشق بيتي الكبير، وصدر لها مجلدان بعنوان أوراق فارس الخوري- ويليهما مجلدات أخرى ومقالات حوالي خمسمئة مقالة.
وصدر لها أخيرا كتاب بعنوان ويبقى الوطن فوق الجميع.
وقد مرت الاديبة بمراحل صعبة في حياتها وتقول على لسان بطلتها (أيام مع الأيام): (إما أن تكون سورية في الغربة أو غريبة في سورية فاختارت الحل الأوجع وهو البقاء). دارها عامرة بالزوار والأدباء والإعلاميين وهو أشبه ما يكون بناد أدبي تغمره المجلات والكتب وتزين جدرانه اللوحات الفنية الرائعة أحاديثها جذابة وندية وهي شخصية بارزة في الحياة الثقافية السورية. تمردت في حياتها على كل ما هو بال ومتخلف ورجعي من العادات والتقاليد الاجتماعية وقالت عن أبطال رواياتها وقصصها إنهم أشخاص تحبهم وتقوم بخلقهم كما تريدهم على الورق.
والأديبة كوليت في رواياتها تغوص في جذور المشكلات التي تتعرض لها المرأة وتكشف عن أسباب القهر الذي يسود المجتمع وتحاول رسم الخلاص حسب رؤيتها من خلال إيحاءات وإيحاءات بعالم جديد متنور.. فالفنان الصادق والحقيقي يلتقط اللحظات الدقيقة والجليلة التي هي برزخ ما بين الحياة والموت هكذا هي الروائية المبدعة كوليت فتفصح روايتها «أيام معه» عن تمرد عنيف ضد التقاليد السائدة.
أما في رواية الكاتبة ليلة واحدة فالبطلة رشا تنتابها مشاعر القلق والاغتراب والوحدة واليأس فهي امرأة دمشقية تزوجت في سن مبكرة من رجل يكبرها بخمسة عشر عاماً وكان الزوج ينظر إليها على أنها شيء من ممتلكاته والراوية بمجملها رسالة اعتراف تخطها رشا إلى زوجها من أحد فنادق باريز وهي قصة حياة كاملة عاشتها في ليلة واحدة مع غريب في الفندق التقته أثناء سفرها وعرفت من الطبيب الذي أجرى لها فحوصات هناك انها قادرة على الإنجاب ولهذا كان يتهرب زوجها من إجراء الفحوصات الطبية وأثناء عودتها لمواجهة زوجها بالحقيقة تصدمها سيارة وتفارق الحياة وتكون سعيدة بهذه النهاية كانت حياتي.. كأن حياتي.. ليلة واحدة.
ورشا كانت دائما في صراع نفسي حاد فهي ضعيفة وراضخة لم يحسسها زوجها يوماً بأنوثتها بينما هذا الغريب استطاع ان يوقظ فيها الإحساس بالأنوثة ما أجملك، إن عينيك زمردتان.. ينعكس بريقهما على الثوب.. فخيانة رشا لم تكن موجهة ضد الزوج بل ضد الذات المدمرة على صخرة الواقع.
وتطرح الرواية موقفاً فكرياً هاماً وهو زواج الانثى في بلادنا بتخطيط من الأهل لتنتقل من سلطتهم إلى سلطة الزوج الذي لا يرى في المرأة إلا شيئاً من ممتلكاته لذلك أخفقت رشا في زواجها, الكاتبة تريد بذلك أن التمرد الايجابي يؤدي الى التحرر الصحيح في حين أن الرضوخ والاستسلام لا يعطي أي مجال للمرأة غير الضياع.
التمرد ظاهرة إنسانية تستحق التقدير والثناء حين يكون إيجابياً يهدف إلى تحقيق قيمة وهذه القيمة تسعى إلى التخلص من الجمود لأن الجمود موت وعودة الى الوراء.
سراب الأسمر
المصدر: الثورة إرسال الى صديق عــودة
|