بعيداً عن مفهوم النجومية والأضواء، وبمنطق الهاوي يشتغل الفنان بسام كوسا على أدواره وكأنه في امتحان حقيقي -أمام نفسه أولاً وجمهوره ثانياً-، وكأنه يقف أمام الكاميرا للمرة الأولى.
منذ زمن طويل تركَ بسام كوسا لقب الممثل الوسيم لأهله ليكون الممثل الاستثنائي، المختلف، المُجرِّب، المتنوع... الممثل الذي لا يمكن أن يهدأ إلى أن ينبش سرّ الشخصية التي يسعى لتجسيدها، بأحلامها وكوابيسها ورؤاها وحسّها...
يذهب بسام كوسا في كلِّ مرة إلى شخوصه وكأنه مسافر في رحلة استكشافية، غير عابئ بما سيصادفه من أهوال، فهو قادرٌ على حلِّ معادلة أي شخصية مهما احتوت من مجاهيل!
في «وراء الشمس» يصحُّ أن أطلق على بسام كوسا لقب «الممثل الانتحاري»، فتجسيد شخصية رجل مصاب بطيف التوحد أمر في غاية الأهمية والخطورة، وشخصية كهذه -في حال فشل الممثل في مقاربتها- أشبه بعبوّة ناسفة ممكن أن تنفجر في أي لحظة، فمن الناحية التقنية يتطلب الأمر ممثلاً ممتلكاً لأدواته، قادراً على السيطرة على جسده وتعابير وجهه وتسخيرها لترجمة حس الشخصية وانفعالاتها، كل هذا يجب أن يتم وفق منطق بدر- الشخصية التي يؤديها- وآلية تفكيره، وهنا تكمن الصعوبة الحقيقية.
كم تطلب هذا من الجهد والوقت والتفكير العميق والقراءة والبحث!
كم تطلب الإقدام على هذه التجربة جرأةً من بسام كوسا ليقارب صدقية الشاب «علاء»! (المصاب بحالة متلازمة «داون») والذي أجاد بدوره الوقوف أمام الكاميرا والأداء بشكل عفوي طبيعي لأبعد الحدود.
مخزون بسام كوسا الفني والمعرفي وحسّه العالي الذي عمل على تنميته دون توقف لسنين طويلة، كان كفيلاً بأن يحول شخصية «بدر» التي لم تكتب على الورق إلا أحداثاً وخطوطاً عريضة، إلى إنسان من لحم ودم وروح وهواجس... بدر بكلماته القليلة «بعرِف .. بدرية .. أمي.. تك تك» أبكانا.. حرَّك أحاسيسنا – المتبلدة أحياناَ- وأثار إعجابنا ودهشتنا، غيّر مفهومنا وإحساسنا تجاه أناس يعيشون بيننا ولا نجيد التواصل معهم.
وبغض النظر عن القيمة الفنية للعمل ككل، يحسب لـ «وراء الشمس» قيمته الإنسانية والتوعوية والفكرية، بتسليطه الضوء على عالم ذوي الاحتياجات الخاصة الذين حكمت عليهم الأقدار أن يولدوا بشرط خاص ويعيشوا ضمن ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة، ويحسب لمخرج العمل أيضاً إصراره على مقاربة الواقع باختيار الشاب «علاء» وتدريبه للوقوف أمام الكاميرا، لعلَّنا نعيد التفكير بمفهوم «الإعاقة» ونستبدل أو نلغي هذا المصطلح من قاموسنا إلى الأبد.
رؤى ريشة
المصدر: شام لايف إرسال الى صديق عــودة
|