شهدت فترة أولومبياد ميونخ عـ1970ـ ام أيام عصيبة بالنسبة للعرب المقيمين أو للدارسين في ألمانيا وكانت ألمانيا وقتذاك مجزأة ما بين معسكرين ولم ينج أحد من المسائلة أو من الجلوس تحت المجهر، والناس من حيث المعاملة والظروف كانوا على نوعين.
الأول: الترحيل إلى غرف الترنزيت في المطارات بانتظار طيارة تقل المرحل إلى البلد التي جاء منها دون السماح بتقديم اعتراض أو استمهال، مع قطع الطريق أمام المحاكم الألمانية بحيث لا تتدخل في هذه الأمور المستعجلة التي تمس أمن البلد.
الثاني: البقاء تحت المراقبة وتقييد الحريات ويتضمن ذلك كتابة تعهد أمام السلطات، بأن الطالب مثلاً لا علاقة له بأي شيء غير الدراسة ولا يباشر أي نشاط آخر ولا يقدم على أي إساءة تحت طائلة الترحيل والإساءات لا تعد ولا تحصى وتبدأ من مخالفات السير مروراً بإهانة مواطن أصيل ووصولاً إلى اقتراف أي عمل يخل بالأمن، وهنا فإن القانون الألماني بالمرصاد حيث لا يمكن الاكتفاء بالترحيل.
وكان لي قريب يدرس الطب هناك... وحدثت له القصة الآتية:
كعادته في كل صباح كان يشرب فنجان واحد من القهوة الإكسبريس ويتناول قطعة واحدة من الوافر وينطلق إلى الجامعة حيث يدرس، مستقلاً سيارته المرسيدس 200 البيضاء وهي من أبدع ما أنتجته شركة مارسيدس على الإطلاق... ودخل بسيارته في مسار تم تحديد السرعة فيه وبشكل مسبق عن طريق كتابة معدل السرعة الواجب التقيد به في المسار وعلى الإسفلت وكان 80 كم/سا، وعلى طرفي المسار خط أبيض متصل، والخط الأبيض المتصل في ألمانيا مقدس إلى درجة أنه لا يمكن أن تمسه إحدى عجلات السيارة ولا يمكن قطعه أو المرور من فوقه تحت طائلة مخالفة مرورية فادحة لا يمكنها أن تمرْ في الاوتوسترادات الداخلية بسبب الرادار وفي الاتوسترادات الخارجية أيضاً بسبب الرادار المتصل بالدوريات وبالهيليكوبتر حيث تتم مطاردة المخالف وإيقافه لأن الحوادث على الاوتوسترادات الخارجية والدولية لها نتائج مؤسفة.
مخالفة من هذا النوع ستؤدي إلى حادث بالتأكيد نتيجة تماس على الجوانب مع سيارة في مسار مقيد آخر... ولاحظ سائق المرسيدس 200 سيارة أخرى أمامه وفي نفس المسار وكانت بعيدة ثم بدأت المسافة بينهما بالتقلص فنظر سائق المرسيدس 200 إلى مؤشر السرعة في سيارته فكان 80 فأدرك أن السيارة التي أمامه تسير بسرعة أقل وعندما وصل إليها ترك مسافة أمان كافية وعرف أن السيارة التي تسير أمامه هي على السرعة 40 كم/سا.
وكان أمام خيارين الأول هو تحفيز السائق الذي أمامه للتقيد بالسرعة المفروضة أو تجاوزه، وفي التجاوز مخالفة لقانون السير لأن التجاوز غير مسموح في حالة وجود خط متصل، والخيار الثاني البقاء خلف السلحفاة وانتظار ما يقدره الله والاحتمالات كثيرة وأخطرها الصدم من الخلف.
نظر قريبي إلى الخط المتصل فلم يعثر على ما يوحي بأن هذا الخط سينتهي أو يتحول إلى خط متقطع وبالتالي فإن باب الرحمة بعيد، فبدأ بإعطاء الإشارات الضوئية للسائق الذي أمامه دون فائدة، فوضع يده على الزمور والزمور شتيمة في تلك البلاد المتخلفة، وأيضاً دون فائدة، أما التجاوز فهو مخالفة قد تؤدي إلى الترحيل خارج ألمانيا وغض النظر عن إمكانية متابعة الدراسة وخاصة في الظروف الحالية... فصار يصلي لحدوث شيء ينهي هذه الدقائق التي تحولت إلى سنين...
وحقق الله أمنيته فلقد تحول الخط الأبيض المتصل إلى خط أبيض متقطع وصار بإمكانه التجاوز، فتجاوز وكان الذي يقود السيارة التي أمامه رجل كهل يرتدي قبعة بنية وقفازين من نفس اللون وغير عابئ بالذي حدث أو بالذي سيحدث، فنظر إليه سائق المرسيدس 200 ووضع يده اليمنى أمام رأسه وعمد إلى تحريكها بشكل عشوائي يفيد بسؤال متعارف عليه وهو: هل أنت أجدب!!! ولا بد أنه سارع إلى شتمه بالطريقة الدمشقية المتعارف عليها منذ بدايات دخول السيارات إلى سوريا عندما كان الصبية يستحلون الشارع ويقيمون فيه ملعب لكرة القدم لأنه قد ينتهي الشوط الأول دون أن تمر أية سيارة، مروراً بكل السنين الوسيطة وحتى اليوم حيث استطاع تجار السيارات إتحافنا بملايين السيارات وبأسعار فائدة مذهلة وصار من المستحيل بالنسبة للصبية ممارسة لعبة كرة القدم لا في الشارع ولا على الرصيف لأنه من الجائز دهس أي طفل وبمنتهى اليسر وهو على الرصيف، إن بقي هناك رصيف لم تحتجزه السيارات.
ولكن الجائز هنا وبمنتهى اليسر لا يجوز هناك في ألمانيا أبداً وبالمطلق ويعتبر عسيراً ويتمتع بمنتهى العسر، فلقد أخذ الكهل رقم السيارة المارسيديس 200 واشتكى، فسارع صاحب المارسيدس وبمجرد علمه بأول الغيث، إلى توكيل محامي من أولاد عمومتنا الساميين الذي استطاع بعد بذل الغالي والنفيس إلى طي قرار الترحيل والشروع في المحاكمة فحدث ما يلي:
القاضي: هل وضعت يدك اليمين أمام رأسك وأنت تنظر إلى المواطن الأصيل وحركتها بما يفيد بأنك تنعته بالجنون؟
الطبيب الدارس: لم يحدث ذلك يا سيدي فأنا فقط أشرت له بسبابتي اليمين أن السرعة المفروضة على هذا المسار هي 80 كم/سا ورسمت له في الهواء العدد ثمانية وأمامه صفر، فأنا يا سيدي أخلاقي لا تسمح بفعل ذلك خاصة وأني أتابع الاختصاص هنا في ألمانيا وأدرس الطب وهو بتعمده السير بالسرعة 40 كم/سا كان يعرضني ويعرض نفسه لإمكانية وقوع حادث مؤسف، ولأنني أنا الذي كان يسير في الخلف فلقد كنت معرضاً للخطر الأكيد في حين كان هو في المقدمة أي في الأمان لأنني سأستقبل الصدمة فأتأذى وينفد هو فلا يصيبه شيء.
وهنا نهض ابن عمنا المحامي الذي ينتمي لأصول سامية واقترب من القاضي وبيده ورقة فيها شهادة الجامعة التي يدرس فيها الغريب وتفيد بأنه حسن السيرة والأخلاق ومواظب على الدوام ومجتهد ومحبوب من قبل اساتذته، فقرأ القاضي هذه الشهادة على الحضور واستدار ناحية الكهل الأصيل وقال له... بماذا تجيب أيها السيد؟
نظر الأصيل باتجاه القاضي وقال له اعلم يا سيدي بأن جيلنا تعب كثيراً لبناء هذا الوطن وإيصاله لما وصل إليه، وبالتالي فأنا لا أريد التضحية بهذا التعب، لأن هذه التضحية تصب في منحى الخيانة لي ولقناعاتي وللغير، فأنا أصر على أن الذي فعله هذا الشاب هو الشيء الذي ورد في إفادتي دون تغيير، فلقد حرك يده بالطريقة الموصوفة في إفادتي ولا بد أنه شتمني ولكني لم أتمكن من سماع ما كان يقوله، وأنا الآن وبعد أن عرفت بأنه طبيب فإن إصراري قد زاد، لأن رسالة الطب سامية، وسيكون هذا الطبيب في المستقبل قدوة و مسؤولاً عن أرواح الناس وهذا يضعني أمام امتحان قاس أمام ضميري، خاصة وأن هناك احتمال أن يبقى هذا الطبيب هنا في ألمانيا.
أجاب القاضي: أمام هذا الإصرار أيها السيد فأنت تضع هذا الطبيب أمام خيار واحد وهو الترحيل.
نظر الكهل في عيني القاضي وقال: نعم ومن أجل ألمانيا والإنسان والمبادئ التي نحترمها.
وعند ذلك اقترب ابن عمنا السامي من موكله وبيده ورقة مكتوب عليها بالألمانية ما يلي: اعترف بالحقيقة الآن... فرفع الطبيب يده مستأذناً... فسمح له القاضي بالحديث فقال:
بغض النظر عن النهاية التي ستوصلنا إليها هذه القضية... حيث لا يمكنني إخفاء إعجابي بالطريقة التي يعبر فيها هذا السيد عن محبته لبلده، فهذا يوجب على وعلى ضميري الاعتراف بأن كل ما ورد في إفادته هو حقيقي وصحيح وقد حدث فعلاً، أما دوافعي فكان سببها خوفي على نفسي وخوفي على الغير من دفع ثمن فادح لا يد لنا فيه.
وعند ذلك نهض الكهل وقال: لقد وصلني حقي وبالنسبة لي فإن صحوة الضمير هذه تبعث على التفاؤل والخير وليست لي مصلحة في تدمير مستقبل هذا الشاب وأعتقد أنه أخذ الدرس الذي يستحقه وبالنسبة لي فأنا أسقط كافة حقوقي والتمس أيضاً من المحكمة بأن تنظر إلى مستقبل هذا الشاب بعين الرحمة مثلي.
قال القاضي: لا يوجد في هذه الدعوى حق عام، ولا يوجد شيء شخصي بين المحكمة وبين المدعى عليه فالمسألة هي بينكما كل في مواجهة الآخر، وفي حال إسقاطك لحقوقك فإن المسألة تعتبر منتهية ولا يحق لك معاودة الادعاء.
الكهل: أنا متنازل عن كافة حقوقي.
القاضي: أطلب من كليكما التوقيع على هذه الأوراق فالدعوى أصبحت الآن في حكم المنتهية.
وتابع الطبيب اختصاصه وكان من الأوائل وتعاقد مع المشفى التابع للجامعة وتزوج من فتاة ألمانية واستقر هناك.
وبالمثل فلقد حدث اليوم أمر مشابه أدى إلى نتيجة أخرى مغايرة وفي منطقة البرامكة وتحديداً قرب حديقة الطلائع وفي الشارع العريض القريب لزقاق الجن، الموصل في نهايته اليمنى إلى مبنى اتحاد نقابات العمال وطريق كفرسوسة المغلق وفي نهايته اليسرى إلى النفق الهابط والموصل إلى اوتوستراد درعا وفيه طريق ملتف من جهة اليمين يوصل إلى المتحلق الجنوبي.
في هذا الطريق بالذات وهو طريق يتسع لأربعة مسارات وكنت أنا في المسار الأول على اليمين، حيث يفترض أن تكون سرعتي بطيئة، وكانت كذلك، وفوجئت بسيارة مدنية صينية حديثة سوداء ولكن مقحوطة وخالية العلام ومضروبة ومجعلكة ومهلهلة، (مُطَروَقة ومخلخعة داير من دار)، يقودها الزير أبو ليلى المهلهل يمكن أن يكون متعهد ومعه نخبة من المهلهلين ويبدوا أنهم عمال بناء يسيرون في معيته إلاّ إذا كانوا متخفّين، وصار ابو ليلى ينتّع خلفي وانا لا استطيع مساعدته فوضع يده على الزمور وحاولت أن أتلافى شروره فلم أتمكن لعدم وجود سانتي واحد لا من اليمين ولا من اليسار وأمام زموره المقزز أخرجت يدي من نافذي وأشرت له أن: حلق بطائرتك واصعد من فوقي، ولم تفد هذه النصيحة إلاّ فيما يتعلق بالزمور الذي كان متقطع فأصبح مستمر، وعندما وصلنا إلى المفرق قبل حديقة الطلائع إستغلَّ أبو ليلى المفرق وتجاوزني من اليمين ورمى بنفسه ومن معه أمام مقدمة سيارتي وخرجت الشتائم من فمه الجميل ومن فم المهلهلين الذين في معيته واصطدمت الشتائم ببلور النوافذ عندي وعادت إلى أصحابها مع الشكر وفي نفس اللحظة كان في مواجهة مقدمة سيارتي بائع متجول على العربية يبيع الدراقن في الوسط، ومجامع التين على محيط العربة، فعرقلني وبدأت الشتائم من خلفي والكل يضرب بالزمور دون أن يرى أن هناك من يضع عربيته في مواجهة سيارتي ويمنعني من التقدم، وذهبت بنظري إلى السيارة الصينية المهلهلة وصاحبها ابو ليلى الذي طار إلى المسار الثاني أو الحارة الثانية ونفد، ثم حاول الدوبلة أيضاً من اليمين ومعه المهلهلين الذين يساندونه بالتيار الدافق من الشتائم، ليصل إلى المسار الثالث، وعندما وصل اكتشف أن سرعة المسار الثالث هي أقل من طموحاته الوطنية، وشعر أن الدولة قد احتالت عليه وخاصة هنا في المسار الثالث وأن هناك مؤامرة تهدف إلى تعطيله عن عمله ومعه من معه من المهلهلين، فوضع قدمه على البنزين و(عطاها للصاجة) وهجم عائداً إلى المسار الثاني مغيراً رأيه فأوقع الهلع والرعب في قلب فتاة تقود سيارة كيا سبور فضغطت المسكينة بقوة على مكابح سيارتها خوفاً من أن تتعبى به، فتعبى بها ميكرو من الخلف حطم سيارتها وكسر الزجاج الخلفي والصطوبات والرفاريف والطببون والأشطمان الذي تحول من الشكل الذكوري إلى الشكل الأنثوي.
نظرت إليها فلقد كانت عالقة وتضرب بكلتا يديها على رأسها وتبكي، وأسفت لما حدث لها، وحمدت الله الذي أرسل لي بائع الدراقن الذي يسير وبشكل مخالف وبعكس السير والذي أعاقني بدفع عربته دفعاً ووضعها في مقدمة سيارتي ووجه لوجه ليعطيني درساً في الأدب، وأعاق الرتل الذي كان يسير خلفي، ورب ضارة نافعة، وأما المهلهل فلقد طار ومعه المهلهلين والسباب تتساقط من أفواههم المباركة وتتموضع برقة وانسياب على الزفت الذي ارتفعت درجة حرارته بعد هذه الشتائم إلى معدلات غير مسبوقة في هذا الآب اللهاب القاتل، والكل يفسح الطريق أمامهم ويبتعد.
احتقار المسارات على أشده ومن قبل الجميع فلا أحد يقنع بنصيبه والكل يريد الفتولة والحزلقة والزحلقة والنطوطة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ثم العكس وهو غير راض ويشعر أن الدولة قد خدعته على المسار الثالث، ولم يحصل على حقه فيذهب إلى المسار الرابع ثم يعود إلى الأول حسب تقديراته لمعدلات الانسياب على المسارات، أما المسامير التي تم وضعها على طول الطريق والتي صار عددها بالملايين في جميع الطرقات حتى الدولية فإنها لا تفيد هذا الهدف في شيء وفيها تكلفة هائلة وخسائر لدافعي الضرائب وليس لها وجود في قانون السير إلاّ بتحديد مساحة ممرات المشاة، أما المهلهل فسيكسر على اليمين وسأهرب منه لتدغدغ دواليبي تلك المسامير التي لا فائدة منها مع وجود هذا الكم الهائل من المهلهلين.وأخيراً هل هناك عاقل واحد يصدق أنه لا يمكن السيطرة على هذا الأمر بخطوط بيضاء متصلة وبمخالفات مؤلمة متواصلة حتى تتم تربية المهلهلين وتنشئتهم بما يرضي الله والوطن من جديد!!!
وتبتعد الحضارة عن سوريا ويصبح اللحاق بآخر قاطرة فيها مستحيلاً بل وأشد استحالة في كل يوم عن اليوم الذي يليه وعدد المهلهلين في ازدياد والسيارات في ازدياد والفوائد في ازدياد والبطالة في ازدياد والشتائم في ازدياد، وتوسع المدن متوقف وحالنا متوقف، والسير متوقف والتقدم متوقف، ونوافذ السيارات مفتوحة، والجوّ تمخره الشتائم المتغلغلة بروائح مزبلة باب شرقي التي تجود بعبيرها على السياح القادمين للاضطلاع على حضارة أقدم عاصمة في التاريخ، فتضيف هذه المزبلة، بعداً جديداً سامياً يوضع في سلة تسوق الأبعاد السامية التي أكرمنا فيها بلدنا وأكرمنا فيها أنفسنا، والناس في أياديها أكياس صديقة للبيئة لا يمكن ملؤها بغير تسجيل المواقف والتستر على المهلهلين وتصدير الشتائم في الداخل وتصدير العقول إلى الخارج.
الأبجدية الجديدة إرسال الى صديق عــودة
|