حادثة شهيرة تحوّلت إلى فيلم راج عالمياً وهي سفينة تم شراؤها من قبل البحرية البريطانية في ذروة ألقها، وفي العـام 1787 كـُلـّفت بمهمة الذهاب لجزر الهند الغـربية لإحضار شتول نبات يـُدعى نبات الخبز من هناك، لتأمين مصدر رخيص ووفير للغـذاء بغـية إطعـام العـبيد الذين كانوا يعـملون في المستعـمرات..
الحظ العـاثر رمى القبطان الشاب في أحضان تمرد للبحارة، حيث رموه مع ثلة قليلة في قارب أبحر إلى جزر تيمور الهولندية، ومن ثم أحرقوا السفينة، وتبعـثروا، ومن الصدف السيئة أنّ بعـضهم قضى بالمرض أو بنزاعـات مابين بعـضهم البعـض!!
بعـد سنوات أرسلت البحرية البريطانية سفينة أخرى "باندورا" لملاحقة الجناة، لم يكُ حظها بأفضل من سابقتها، وقد غـرقت بعـد اصطدامها بصخور قرب تاهيتي..
ولكن ما هو نبات الخبز؟؟ شجرة عـالية تصل للعشرين متراً، أصلها جزيرة هاييتي، ينتج عـن تلاقح زهورها ثمار كالأقراص وهي من أكثر أشجار العـالم انتاجاً، حيث تنتج الشجرة 200 ثمرة بالعـام، والثمرة غـنية بالنشاء وطعـمها يشبه البطاطس، ولدى شيـّها نشم رائحة مثل الخبز ومنها أتت التسمية، ولكن.. الأنكى من كل ما سبق أنّ العـبيد رفضوا تناول "نبات الخبز"، ولذا كانت المهمة فاشلة من الألف للياء...
ماذا يعـنينا في هذه القصة!!.
ألوف الأميال تقطعـها سفن مجهزة بحثاً عن القوت، ولاتصطدم سوى بالموت، في سبيل تأمين لقمة البشر، وهانحن الآن نبعـثر مواردنـا بلا ترشيد أو وعـي...
لقد استبق الباحث البريطاني روبيرت مالثوس عـصره وهو المختص بأبحاث اقتصادية عـن السكان، وقد لفظ بضع كلمات في أواخر القرن الثامن عـشر، وهذه أضحت نبوءةً وُصـِفت بالسوداء والمشؤومة.. مفادها أنّ تكاثر البشر عـلى كوكبنا سيفوق تزايد الموارد (ومن أهمها الغـذائية)؛ وهذا الفرق بالقيمة بين الاثنتين ينجم عـنه ثغـرة نراها في ازدياد الفقر والجوع وما ينتج عـنهما من كوارث!.
الآن أزمات مياه، عـبث بالمناخ (حرارة وفيضانات)، وفرط حرارة تسبب حرائق في روسيا نجم عـنها فقدان ثـُلث محصول القمح هناك مما أثـّر عـلى السعـر العـالمي، ومعـلومكم فالموضوع يخرج عـن كونها سلعـة عـادية فهي قوت الألوف، ومركز الأمن الغـذائي..
يتنبأ المراقبون بأزمة غـذاء عـالمية مثل التي حصلت في منتصف 2008، وهانحن في شهر التراحم والتعـاضـُد نتبارى في التفاخر بعـدد الأصناف عـلى المائدة.. وصلتني صور معـبرة للقاء - غـداء عـمل - بين رئيسي الدولتين الأعـظم أمريكا وروسيا، عـلى مائدة صغـيرة في مطعـم متواضع لتناول شطيرة /همبرغـر/، تلتها صور من بلادنا المعـطاء لمنسف فيه من اللحوم يكفي لمئات ويجلس حوله بضع أشخاص بمهابة، وبعـد المأدبة يهيلون التراب عـلى الأرز واللحوم الفائضة، ويادار مادخلـِك شر!!
ألا يعـلمون أنّ عـلماً دخل مؤخراً هو الماء الافتراضي حيث بدأه العـالم "جون أنتوني ألين" من بريطانيا وحاز بنتيجة بحثه عـلى جائزة الأكاديمية السويدية للمياه.. والدراسة باختصار تبحث في التوعـية بحساب كم الماء المصروف عـلى منتجات مختلفة مثل شريحة اللحم حتى تصل إلى طبقك، فرميها جانباً هو هدرٌ مزدوج للحم ولمئات ليترات المياه المبذولة في تنشئة البقرة حتى حصلت عـلى قطعـة اللحم هذه...
في إحدى المدارس وأثناء وجبة الطعـام تم تمرير صينية الشطائر على التلاميذ، نبـّهت المدرّسة "خذوا واحدة فقط..الله يراقبكم"، بعـد قليل أتت صينية مليئة بقطع الحلوى؛ همس طفل لزميله "خـُذ كلّ ما ترغـب به، المراقبة عـلى الشطائر فقط "!!!
نعـود للخبز والقمح وبحسب الإحصائيات الدولية فإنتاج العـالم يقارب 618 مليون طن سنوياً والاستهلاك 611 مليوناً من الأطنان.. من أبرز قائمة المنتجين بملايين الأطنان سنوياً - الصين 110- الهند 75- أمريكا 54- روسيا 49.. ونحن ننتج 2-3 مليون طن سنوياً, باتت لا تكفينا مؤخراً، فنلجأ للاستيراد!!
أما بالنسبة لأكبر مستوردي القمح العـالميين بحسب إحصاءات وزارة الزراعـة الأمريكية فهم بالترتيب (مقدراً بمليون طن) للعـام 2009- مصر: 8.8 - البرازيل 6.5- أندونيسيا 5.5 – اليابان 5.2 - الجزائر 5- كوريا الجنوبية 3.1 - نيجيريا 3.6- العـراق 3.6- تركيا 3.5- المغـرب 3.6.
ويكفينا فخراً أن 4 دول عـربية تتصدّر القائمة، إضافةً لدولتين إسلاميتين...
في شهر رمضان أرجو من الأئمة وخطباء المساجد تكرار الحديث والحض عـلى وقف الهدر، ووقف التفاخر والبذخ والفشخرة.
دعـونا نتعـلـّم دروساً وعـبراً من الماضي، وإلاّ فإذن نحن أطلقنا رصاصة عـلى الماضي، قصفنا المستقبل بمدافعـه!!! ولنعـلم بالختام "أنـّه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
المصدر: الجماهير إرسال الى صديق عــودة
|