مدفع رمضان تقليد موروث جميل وعندما نسمع صوته نفرح ونبتهج وخاصة عند ثبوت شهر رمضان المبارك أو عيد الفطر السعيد أو عيد الأضحى المبارك رغم أننا تعودنا على صوت المسحر وطبلته وهو يجول في حارات حلب وأزقتها وحواريها العتيقة للإيقاظ عند السحور ومع تقدم وتوسع المكان وتزايد السكان أصبح المدفع الرمضاني نكهة خاصة عند البعض لإيقاظهم ليلاً.
وأصبح مع الأيام أحد التقاليد الرمضانية التي لا غنى عنها لقرون طويلة من الزمن ولازال هذا التقليد سارياً الى اليوم بالرغم من عدم الحاجة إليه بعد انتشار الكثير الكثير من وسائل التوقيت، ولايزال موجوداً في المدن العربية الكبرى وسيلة مفضلة وتقليداً متواصلاً مع الماضي لإعلان الإمساك والإفطار.
وسمي مدفع الإفطار مع أنه ينبه للسحور والإفطار لأن إيقاظ الناس للسحور كان يتم بواسطة المسحر الذي يملك وقتاً كافياً ليدور على الأزقة والحارات في حين من غير الممكن تنبيه الناس للإفطار في وقت واحد.
وشهد مدفع حلب للإفطار والسحور عدة تطورات في مكانه ونوعية الطلقات التي استخدمت فيه فحتى نهاية العصر العثماني كان مدفع رمضان يطلق من قلعة حلب والثكنات العسكرية وبعض البساتين، وفي الخمسينات تم استبدال مدافع الذخيرة الحية (بمدويات صوت) كانت توضع في بعض الثكنات والمرتفعات والساحات والملاعب والحدائق حيث يتم وضع اسطوانة حديدية وتوضع فيها كمية من البارود ضمن قطعة قماشية ويتم إشعال فتيلة مرتبطة بها، وعندما تشتعل تندفع حشوة البارود عالياً وتطلق في الجو دون إحداث أي ضرر، وتختلف شدة الصوت قوة وضعفاً بكمية البارود الموضوع في الحشوة.
ويتم إطلاق 21 طلقة عند ثبوت الشهر ،وفي حال عدم ثبوته يجري إطلاق المدافع في عصر اليوم التالي ومثل ذلك لإثبات هلال شوال، ويومياً هناك ثلاث طلقات عند السحور الأولى لتنبيه الناس والثانية لإعداد الطعام والثالثة عند الإمساك، ويطلق عند الغروب طلقة واحدة وتطلق مدويات الصوت الرمضانية الآن من عدة أماكن تغطي جهات المدينة وسكان حلب يسمون هذه المدويات /طوب/ ويقولون /ضرب الطوب/ والطوب كلمة تركية وقيل الكثير من الروايات والقصص والحكايات عن قصة مدفع رمضان.
تقول إحدى الروايات أن مدفع الإفطار يعود الى قصة مدفع الحاجة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل في مصر ويقدرون عمر المدفع الرسمي بمئة وخمسين عاماً وملخصها أن المصادفة وحدها كانت هي سبب ظهور مدفع الإفطار، ويذكرون أن بعض الجنود في عهد الخديوي إسماعيل كانوا يقومون بتنظيف أحد المدافع الحربية فانطلقت منه قذيفة دوت في سماء القاهرة وبالمصادفة كان ذلك وقت آذان المغرب في رمضان فاعتقد المصريون أن أمراً من الحكومة صدر وصار المدفع حديث الناس وأعجبت بذلك الحاجة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل وأصدرت فرماناً بذلك وتقول رواية أخرى أنه ذات يوم وقت غروب الشمس في رمضان كان جنود الوالي يفحصون المدفع فانطلقت منه طلقة بطريق الخطأ وظن المصريون أن الوالي ابتدع هذه الطريقة ليعلن وقت الإفطار.
لكن في الأيام التالية لم تنطلق الطلقة فذهب وفد من العلماء لمقابلة الوالي لسؤاله عن سبب توقف الطلقات فلم يجدوه لكنهم قابلوا الحاجة فاطمة ابنته وترجوها لإيصال رغبتهم للوالي فنقلت رغبتهم إلى أبيها فوافق فما كان من العامة إلا أن أطلقوا على المدفع نفسه /الحاجة فاطمة/ .
وهناك رواية تعيد ظهور مدفع رمضان الى خمسمئة عام في عصر المماليك حيث يقال إن والي مصر /خوش قدم/ ويعني /القدم الجديدة/ كان يجرب مدفعاً جديداً أهداه له أحد الولاة وتصادف أن الطلقة الأولى جاءت وقت غروب الشمس أول رمضان عام 859 هـ وعقب ذلك توافد على القصر أعيان القاهرة يشكرونه على إطلاق المدفع في موعد الإفطار.
لقد تم اختراع المدفع في عصر السلطان العثماني محمد الفاتح وهو أول من استعملها في حصار مدينة القسطنطينية سنة 1453، ولم تكن المدافع معروفة في عصر المماليك.
وكان المدفع يستخدم لأغراض كثيرة في المناسبات كزيارة ضيف عزيز ولهذا نلاحظ انتشاره في كل البلاد العربية ومنها مدن كبرى مثل حلب ودمشق وبيروت والقاهرة ومكة والمدينة المنورة وصنعاء وبغداد ولكل مدينة حكاية مع المدفع.
ولهذا كما يقول الكاتب محمد قاسم الخليل في إحدى مقالاته: إن الراويات التي تقول أن أول مدفع للإفطار انطلق من القاهرة في عام 859 هجري ليست صحيحة وتنقصها الوقائع التاريخية الثابتة، كما أن القول أن مدفع رمضان انتقل الى بلاد الشام عندما غزا جيش محمد علي البلاد تدحضه وثيقة تاريخية وردت في مذكرات البديري حلاق التي كتبت قبل قدوم جيش محمد بمئة عام.
ولمدفع رمضان تقاليده ومواعيده الدقيقة والتي ينتظرون البعض عند السحور حيث تنطلق ثلاث قذائف قبل موعد الإمساك بساعة ونصف وقبله بنصف ساعة ثم عند وقت الإمساك وبدء الصيام، وأما عند الإفطار فالكل متحلق حول طاولة الطعام ينتظر بشغف سماع الآذان من المساجد وصوت المدافع والبعض يصعد إلى الأسطحة ليشاهد ويسمع صوت طلقة المدفع (الطوب) أو مشاهدة إنارة مئذنة الجامع الكبير التي هي مؤشر على قرب آذان المغرب.
وقد جرت العادة أيضاً على إطلاق المدفع بمجرد ثبوت شهر رمضان من فضيلة القاضي الشرعي احدى وعشرين طلقة وهي مستعارة من مراسم /بروتوكولية/ فشهر رمضان غال على قلوبنا وله قدسية دينية ويتكرر نفسه عند رؤية هلال عيد الفطر وعيد الأضحى وخلال أيام العيدين.
وتقول روايات أخرى أنه في أول يوم من أيام رمضان هناك سرية للمدفعية تقع بجانب قلعة القاهرة وكان أحد الجنود يقوم بصيانة لأحد المدافع عند آذان الإفطار فانطلقت بالصدفة قذيفة من المدفع دوي صوتها في أرجاء القاهرة والأحياء والقرى البعيدة حيث لم تكن المدينة بهذا التوسع والعدد فاستغرب الناس ذلك العمل الذي لم يعتادوا عليه واعتقدوا أن دوي هذا الانفجار يقصد به تنبيه الناس إلى حلول وقت الإفطار وعندها حضر محمد علي باشا لتأدية صلاة العشاء والتراويح خلف شيخ الأزهر والعلماء أن يستمر هذا العمل الحسن وهمس له أحد مماليكه بحكاية المدفع التي لم يسمع بها لأنه كان نائماً عند إطلاق القذيفة فوافق على الطلب ليتقرب من الشعب ويكسب محبته.
وسكان حلب يسمون (طواب) رمضان والعيدين (بطواب الرز) لأنهم خلال هذا الشهر وأيام العيدين سوف يتناولون طعام الرز الذي يعتبر من أطعمة الأغنياء ولايتناوله الفقراء على مدار العام باستثناء هذا الشهر أو أيام العيد فقط ولهذا قالوا: العز للرز والبرغل شنق حالوا ويعود سبب ذلك الى ارتفاع سعر الرز لأنه يستورد من الخارج، أما البرغل فهو من منتجات البلد وهو أقل ثمناً من الرز.
وقيل إن المدافع أيضاً تطلق ابتهاجاً بحق زائر كبير رمزاً إلى أن المدافع أفرغت من قذائفها وأن لاحرب مع بلد الزائر وقد يكون الهدف من ذلك هو إظهار قوة البلد المضيف وأنهم يملكون المدفع الذي كان أكثر قوة ضاربة آنذاك وحتى وقت متأخر من القرن الماضي.
والبارود اختراع صيني اقتبسه العرب منذ أيام الرشيد وبلغت دقة الصنع والاستخدام للمدفع أقصاها في زمن المماليك مع أنه تم اختراعه في زمن السلطان محمد الفاتح كما ذكرنا.
ومن الطريف أن القيادة اليمنية أمرت في عام /2003/ م بدخول مدفع رمضان الخدمة الفعلية في كل مناطق اليمن اعتباراً من ذاك التاريخ المذكور بعد أن كان العمل محصوراً على العاصمة منذ عام 1962، وقامت وزارة الدفاع بتجهيز ما لايقل عن /150/ مدفعاً يعود عمرها الى بداية عام 1900 وإعادة تأهيلها للاستخدام في رمضان بواقع خمسة مدافع لكل محافظة وإخراجها من ساحات المتاحف الى أماكنها الطبيعية الى أبراج القلاع والحصون واسفح الجبال المطلة والمحيطة بالمدن ونحن نتمنى أن يقام مثل هذه الخطوة لدينا للحفاظ على هذا التراث.
وكان يخصص لكل مدفع طاقم من صف الجنود الأكفياء يتألف عادة من أربعة جنود، الأول هو /المعمر/ يختص بتعمير المدفع بوضع الطلقة مكانها داخل الماسورة والثاني /الرامي/ مهمته أن يشغل /المغلاق/ الذي يحكم إخراج الطلقة والثالث يختص بتبريد ماسورة المدفع أو السبطانة والرابع مهمته إحضار الطلقة للمعمر أو /المدفعجي / أو الطبجي/ ويعمل الطاقم الذي يقيم في ثكنة مجاورة للمدفع حتى لاتتقدم أو تتأخر الأوقات عند ثبوت رؤية هلال رمضان ويتم إطلاق 21 طلقة ابتهاجاً واحتفالاً به وطول أيام رمضان يطلق الطاقم كل يوم طلقة أو أكثر ساعة الإفطار ووقت الإمساك وعند السحور.
عمر مهملات
المصدر: الجماهير إرسال الى صديق عــودة
|