رمضان في الجولان له خصوصيته إن من حيث العادات التي كانت متفشية في كافة القرى الجولانية، كون الشهر الفضيل لم يكن شهراً عادياً له معنى يتصل بحركة الأرض والكون وما في الوجدان..
إنه محاولة لتجسيد الزمن لدى أبناء الجولان حيث يكسبونه معاني من خلال الطقوس التي كانوا يمارسونها، فمن خلال هذه الطقوس نلحظ أنهم يجتمعون مساءً وبعد الإفطار يتسامر الكبار مع الكبار، والشباب مع بعضهم والنسوة مع النسوة لايعرفون النوم حتى يحين السحر، الذي يوصلونه مع أعمالهم التي كانوا يقومون بها خلال النهار، لايتعبون ولايكلون..
في لياليه نجدهم يجتمعون ليحدثوا بعضهم البعض عما دار من أحداث خلال الشهر الفضيل، فمع قدومه يبدأ المسحر وخطيب الجامع يهيئان أنفسهما لتذكير الناس بمواعيد السحور والصلاة في أوقاتها... الأهالي يقيمون الأمسيات التي لم يكن للتلفاز مكان فيها لكونه لم يدخل حينذاك إلى حياتهم.. المذياع كان متوافراً لكن ليس في جميع البيوت سحورهم وإفطارهم يتمان وفق فراسة «الاختيارية» الموجودين في القرية إذ لم يكن هناك مسجد..
وإذا كنا نتحدث عن رمضان في القرى الجولانية فلا يفوتنا أن نذكر أن الغني يقوم وبتلقاء نفسه بمساعدة الفقير، هذا بالإضافة إلى تبادل الأطعمة بين السكان.
فقدكان الشيخ الذي يرفع الآذان يعتمد على الساعة، ويوجد في قريتنا مسجد ولكن دون مئذنة.. وقمنا بوضع الحجارة على ارتفاع مترين ليصعد إليها الشيخ ويؤذن بصوته الذي تسمعه القرية كلها.. هكذا بدأ محمد صبرا الملقب «أبو جاسم» حديثه عن رمضان في الجولان حيث يأتي «المسحراتي» مع طبلته ويدور على حارات القرية قبل آذان الفجر بساعة ونصف الساعة في بعض الأحيان كنا لانستيقظ وقت مجيئه، ونقوم ونتسحر على عجل..
ويقول أبو جاسم: رمضان زمان غير هذا الوقت كانت المائدة تتألف من نوعين أو أكثر من أصناف الطعام نأكل على سبيل المثال برغلاً مع السمن العربي ومليحي مع الجميد، أما الآن فمن كثرة الأنواع لانستطيع أن نأكل كما يجب وأكثر الأوقات نأكل ربع أكل..
أما وقت السحور فكان الطعام خفيفاً على المعدة مثل اللبن والزبدة والدبس والزيتون الذي نشتريه من المدينة.
وخلال شهر رمضان نقضي اليوم بشكل عادي يقول أبو جاسم ووقت الفلاحة نفلح و عند الحصيدة نحصد وأتذكر أنني كنت أذهب إلى المدينة مع شروق الشمس لشراء بعض الحاجيات وبيع «الطرش» من خراف وغنم حيث يوجد يوم في الأسبوع مخصص لبيع المواشي على مدار السنة وأيام الصيام لانتعطل..
اللوكس والراديو
ومن العادات المحببة إلى أبي جاسم عزيمة الجيران في رمضان حيث يجتمع نحو 15 شخصاً في منزل أحدنا وبعد ذبح الذبيحة نفطر معاً على مليحي مع لحم الخاروف وكانت العزيمة تدور كل أسبوع عند أحد الأشخاص.. ويتنهد أبو جاسم ويقول: كانت هناك بساطة ومحبة وكنا نعيش على ضوء اللوكس والبلورة.
وعن سهرات رمضان يقول: نسمع الراديو وأتذكر سميرة توفيق وأغاني دق على الربابة وصوت القاهرة وغيرها..وإذا لم نستمع الى الراديو نجلس أنا وإخوتي ويروي لنا أحد الإخوة قصة تغريبة بني هلال ونظل سهرانين حتى السحور،نتسحر وننام ويختم حديثه بالقول: كانت أياماً حلوة ياريت تعود.
مسحراتي ومؤذن
الحاجة أم صالح تتذكر رمضان في قريتها وتقول: إمام الجامع هو نفسه الذي يوقظ الناس على السحور وكان يحمل تنكة أو سطلاً ينقر عليها وهذا هو مسحراتي ذلك الوقت وكذلك لدى والدتي وستي منبه يدور لونه سكري يعطي صوت جرس وأشعر أن لدي عيداً إذا أيقظوني على السحور.
وعند اقتراب موعد ضرب المدفع كنا نجتمع وننتظر صوت المدفع ولم نكن نذهب أو نتحرك حتى نسمع صوته ونعود سريعاً الى المنزل، وفي هذه الأثناء يؤذن في الجامع ونفطر، تتذكر أم صالح والدتها التي كانت تؤنبها وتضربها أحياناً لأنها قليلة الأكل وتضيف كنت أحب أكلة وحيدة وأنا صغيرة وهي الفاصولياء الحب.
ولكن عندما كبرت تغير الوضع وعودت أبنائي أن يأكلوا كل شيء... وفي رمضان عندما يحين موعد الإفطار لا أنسى قريتي وانتظارنا لصوت المدفع وركضنا بسرعة إلى المنزل حتى نفطر، هذه الصورة لاتفارق مخيلتي أبداً.
سوسن خليفة
المصدر: الثورة إرسال الى صديق عــودة
|