وإنما المرء حديث بعده فكن حديثاً حسناً لمن وعى.
ستة وثمانون عاماً هي حياة حافلة وعمر مديد عاشه الشاعر أنور عدي وهو يعمل دائباً تارة في تأسيس ورئاسة جمعية حماية الطفولة بحماه وتارة في نادي الحلقة الفنية وأخرى في نادي المظفر الأدبي كل ذلك لكي يؤدي رسالة ثقافية وفكرية وأدبية وقد عاش خلال ذلك إنساناً عصامياً يدرس في مدارس حماه حتى حاز على شهادة البكالوريا الثانية قسم الفلسفة ثم تابع دراسته في كلية الحقوق بدمشق ودخل الوظيفة منذ عام 1959 ليصبح مدير المصرف التجاري بحماه إلى أن انتقل بعد خمس سنوات إلى حلب مديراً لفرع المصرف التجاري السوري حتى إحالته على التقاعد.
وهو يعدّ من ذلك الجيل الذي تثقف في مدرسة "الرسالة" و"الثقافة" وغيرهما من المجلات الرصينة كما أتيح له أن يتتلمذ لعدد من أعلام الأساتذة والأدباء في دراسته الثانوية وفي مقدمتهم: قدري العمر وعثمان الحوراني وبدر الدين الحامد.
وقد أوتي موهبة فنية متميزة فقد مارس الرسم وله لوحات زيتية وأخرى رمزية وقام بنفسه بتصميم أغلفة دواوينه الشعرية في لوحات معبرة جميلة.
وهكذا كان أنور عدي أخا قدرة ذاتية على العمل ناشطاً دؤوباً في رحاب الفن والأدب والتدريس قبل تخرجه في كلية الحقوق وبعده.
وكان زاده في رحلة حياته استعداداً ذاتياً وتجربة غنية ومطالعة متنامية ولم يحل ذلك كله دون حمله لرسالة كبرى هي الرسالة الإنسانية سلوكاً وفكراً وفلسفة في الحياة وساعده على ذلك ما كان يمتاز به من وداعة وهدوء ورقة حاشية وحب للجمال الخالص النقي فصار يغني الإنسان وللإنسان ترانيم حب ونجوى ويصاعد بالطين المادي إلى السماء الروحية الصافية.
لقد حمل شعره نزعة إنسانية محببة عرف بها لدى كل من عرفه وهذه النزعة تمتاز بالشمولية وحمل أسمى معاني الحب: حب الله وحب الإنسان أي إنسان وجاء شعره معبراً عن هذه التوجهات إذ تعانقت فيه الروح السامية مع المادة والأرض مع السماء في جدة وابتكار وقد أهدى ديوانه الأول "إنسان" بقوله: "إلى كل إنسان يعيش إيقاعات الله في كونه كخليفة له في أرضه أهدي قطعة من ذاتي".
لم يكن أنور عدي بالشاعر المكثر ولا بشاعر قصيد بل شاعر نداء داخلي وتجربة حية فمن ثم كان شعره وجداني الطابع يشف عن عاطفة رقيقة سامية وإلى جانبها غزل طريف في بابه سام في مقصده عذري في مسيرته وقوامه أن الجمال من الله فينبغي أن يصان عن الابتذال وأن يبقى طاهراً نقياً سياجه الطهر والعفاف والسمو الروحي بعيداً عن المادة والكدر والزيف.
وإلى جانب ذلك نجد جوانب أخرى في شعره تبدو على استحياء ولعل أبرزها سعي الشاعر إلى تصوير نفسه ومطامحه وتطلعاته في الحياة وهذا مبثوث في كثير من شعره فضلاً عما في هذا الشعر من حداثة وتجديد في الأوزان والقوافي والرويّات وهو في الوقت نفسه يرى أن كل لفظة تصلح للشعر وأن الشعر لا ينبو عن أي تركيب.
ذلك كله وغيره رفع من شأن الفقيد وأحله محلاً لائقاً في حياته ومجتمعه فحظي بالحب والتقدير وأحبه الجميع كما أحب هو الجميع فكان الحب متبادلاً ونحن عندما نؤبنه اليوم إنما نؤبن إنساناً كبيراً أمضى حياة غنية حافلة بالدأب والعمل والإبداع فلا غرو أن يكون حديثاً حسناً لمن وعى بما ترك من آثار إبداعية تجديدية طبع بعضها وبقي بعضها الآخر ينتظر الظهور إلى النور وهو على كل حال باق بيننا وذكراه الطيبة لا تفارقنا وصدق الشاعر:
أخو العلم حي خالد بعد موته وأوصاله تحت التراب رميم وذو الجهل ميت وهو يمشي على الثرى يعد من الأحياء وهو عديم.
محمود فاخوري
المصدر: الجماهير إرسال الى صديق عــودة
|