موسم يتجدد كل عام تحشد له الإمكانات المتنوعة، مادية وفكرية وإعلامية، نعني دون شك موسم العرض الدرامي عشرات المسلسلات المحلية دفعة واحدة، تهبط علينا في بث فضائي لاترحمنا ولا تجعلنا نلتقط أنفاسنا تحول بيننا وبين القدرة على الهضم السليم والفهم الأسلم لأي مقولات وأفكار يفترض أنها تقدمها إلينا على جناح الصورة والمشهد والكلمة.
فماذا عن هذا الدسم الزائد عن الحاجة.. هل يتحول إلى شحوم وكوليسترول ويؤدي بالتالي إلى ضغط دم مرتفع..؟
أسئلة كثيرة يمكن أن تطرح في هذا السياق.. والسؤال الذي يبدو مركزياً أكثر من غيره هو هل هذه الفورة الدسمة هي وليدة الحاجة الترفيهية أم إن الفضاء الذي اتسع لكل أنواع البث هو المحرك الاساسي لهذه الفورة..؟.. أم إنه إغراء المال والشهرة وما في ذلك من معطيات؟!..
لاشك في أن الدراما تحمل رسالة ثقافية واجتماعية وهي رسالة تختلف من مسلسل لآخر وتتنوع المستويات حسب رؤى الكتاب والمخرجين ولكن ماذا عن الدسم ثانية وعن هذا الضخ الذي يزداد تدفقاً..؟..
بالتأكيد الرابح الأول في هذا المجال هو المحطات الفضائية التي تجد نفسها مضطرة في حمى المنافسة إلى أن تعمل على ملء ساعات البث التي تزداد كل يوم وبالوقت نفسه تبحث عن عوامل جذب جديدة تشد المشاهد وتضعه في فخ المشاهدة لقادمات الأيام.
فهو باللاشعور سوف يعود إلى المحطات التي شاهد من خلالها مسلسلات جذبته خلال شهر رمضان المبارك أو بعده.. وبالتالي فقد تحقق الهدف الأساسي من هذا الضخ الدرامي الذي تتبناه، بعض المحطات وإلا ما الذي يفسر وقوف بعض المحطات الفضائية وراء إنتاج مسلسلات محددة وتمويلها وأحيانا احتكار أوقات عرضها في الذروة؟!..
هذا الفضاء المتسع يبدو نارا تلتهم كل شيء وتحتاج إلى المزيد ويبدو أن الأكثر سهولة وجاذبية بعد برامج التسلية هو اللجوء إلى عرض المسلسلات الدرامية ولا نقول السهولة بإنتاجها إنما بعرضها فالمحطات الفضائية التي تريد كسب المشاهد والابتعاد عن عناء البحث عن برامج ثقافية ومنوعات جيدة وغيرها لا تجد خيرا من الدراما لملء أوقات بثها..
وبالتأكيد لهذه الحال نتائجها التي لاتبدو في المدى المنظور بل تتغلغل شيئا فشيئا وتبدو علائم ذلك من خلال الأجيال الناشئة التي لاتبدو مشدودة إلا لسحر الصورة في مسلسل مدبلج أو..بل تجد من يسارع ويقول لك دون تردد: غير المحطة مالنا وللأخبار مالنا وللثقافة أرح رأسك بدل المحطة الى المسلسل الفلاني.. هذه الشكوى من التبعية إلى بث لا يمثر كثيرا بالنسبة للمشاهد هي شكوى دائمة بين أجيال المشاهدين صغارا وكبارا فالضخ واسع وجذاب ومغر ومسل وننساق إليه بإرادتنا وعيوننا ومواسم الشد والجذب.
ولكن على الطرف الآخر من هذا الدسم ثمة من يرى أن الدراما رسالة وسلاح وعلينا أن نقدم الدعم له وهذا بالتأكيد صحيح ولكن أليس من الواجب أن نقدم هذه الرسالة بأسلوب جديد وألا نغرق أنفسنا في طوفانها..؟
لماذا نريد أن نتحول إلى كائنات درامية تنام على الدراما وتحلم بها وتستيقظ على أبواق دعايتها هي رسالة ونتاج إبداعي حقيقي ولكن ليس الإبداع الوحيد وليس لأحد أن يغرقنا في طوفان فيه العذب والطمي وفيه ما فيه، هل نؤسس لدراسات جديدة تعنى بدراسة نتائج هذا الطوفان؟!
لماذا لا يوزع على مدار عام كامل؟.. أم إنه الفضاء الذي يتسع ويتسع ويريد المزيد؟..
كل موسم دراما وعقولنا بخير.. إنه موسم الإغراق ويبدو أننا بحاجة يوما إلى اختراع مضادات كآبة درامية تخفف بعض الشيء مما نعاني منه.
يمن سليمان عباس
المصدر: الثورة إرسال الى صديق عــودة
|