في محله الصغير بحي الدبلان يعكف الفنان سليمان حلبية مواليد حمص لعام /6491/ أحد أشهر صناع الناي المتبقين في سورية وحمص محولاً القصب إلى آلات موسيقية نفخية.
صنع منها نايات للعديد من الموسيقيين المشاهير أبرزهم المصري «محمد عفت» والعراقي المقيم في سورية «رعد خلف»... مهنة يمارسها منذ ستينات القرن الماضي كوسيلة للعيش لم يبعده عزفه عليها مع مشاهير في الغناء مثل «طروب ونجاح سلام» وعلى آلات النفخ الغربية في دمشق عن متابعتها في حمص إلى جانب عدد كبير من الآلات الموسيقية النفخية الهوائية» الكولة - المسبع – المنجيرة - البان فلوت - الريكوردر «وهي من القصب» والدودوك – الزورنة - الكلارينيت الشرقية «وهي من خشب المشمش» إضافة إلى تعليمه العزف على مجمل هذه الآلات لطلبة جامعة وهواة...
شارك في مهرجان جرش للثقافة والفنون في الأردن عام 7002 عازفاً ومحاضراً عن آلة الناي وصناعة الآلات النفخية تاريخياً كرمته نقابة الفنانين بسورية عام 8002.
العروبة التقته ليحدثنا عن رحلته مع هذه الآلة صناعة وعزفاً يقول حلبية الذي يعتبر مهنته تجسيد لحالة روحية: إن صناعة الناي هذه الآلة الحساسة جداً ليست مجرد تقليم وثقب القصب بل تتعدى ذلك لتدخل في صلب العمل الموسيقي ويجب أن يكون الصانع عازفاً يشعر بروح الموسيقا وكيف يخرج الصوت ودوزانه.
أما قصته مع هذه الآلة الشرقية كتب أسطرها الأولى والده المرحوم «بدر الدين حلبية» فهو مدرسه الأول في العزف وأشهر العازفين في زمانه لأنه كان يعزف على سبعة مفاتيح إلى جانب المرحوم «عبد السلام سفر» يقول: كان والدي يسافر كل أسبوع من حمص إلى حلب ليتعلم درساً على الناي عند العازف المشهور أنذاك عبد اللطيف النبكي» وكان يستمتع بعزفه على هذه الآلة التي أحبها وجعلني أعشقها بنفس درجة حبه لها وقد حقق فيها مهارة وسمعة على مستوى الوطن العربي لأنه كان من مؤسسي الإذاعة والتلفزيون السوري ودخلها عام /6491/ بعزف تقاسيم ومشاركة مع فرق موسيقية مع «أمين خياط وسليم ثروت وتيسير عقيل».
ويضيف: بدأت العزف عام /2691/ عندما كان عمري ثمانية عشر عاماً وطورت نفسي لأدرس آلة «الكلارينيت» وهي آلة نفخية غربية مما أعطاني مجالاً أوسع للعزف وعام /8691/انتسبت لنقابة الفنانين بدمشق منذ افتتاحها مع والدي وشقيقي الثاني أكرم حلبية العازف على آلتي الأورغ والأوكرديون وهو من المبدعين عليها فأنا نشأت في عائلة موسيقية وما يحز في نفسي أن أحداً من أولادي لم يتعلم العزف على أية آلة موسيقية.
وعن تطور عزفه وصناعته للآلات النفخية تباعاً يقول: ترافق عزفي ودراستي للناي مع صناعتها التي ورثتها عن والدي عام /691/ فصنعت «الكولا» عام /4691/ لعازف كان يعمل بفرقة المطرب الشعبي الشهير «محمد طه» وطقم «نايات» لعازف الناي المصري «جلال حسين» الذي رافق فرقة الفنانة «شريفة فاضل» وعام /791/ صنعت آلتي الزورنا والناي البلاستيكي صدفة عندما طلب مني الفنان عبد القادر بطيخ من حلب بأن اصنع له ناياً بلاستيكياً وعام /5791/ صنعت «المنجيرة» و«الفلوت» من القصب ثم المسبع عام /891/ ومن نوعين قصب وبلاستيك وعام /4002/ طلب مني المايسترو «رعد خلف» تصنيع أربع آلات نفخية هي التدوك وهي آلة أرمينية والريكوردر وهي آلة غربية صنعتها بطريقة شرقية و«البان فلوت» وأساسها عربية موجودة في متحف اللاذقية و«الكور أنغلي» بطريقة شرقية كما قمت بصناعة «كلارينيت شرقي» علماً أنها آلة غربية ومنذ ثلاثة أشهر قمت بتصنيع آلة يابانية اسمها«تشاكوهاتشي» لعازف ياباني حضر مع الاستاذ محمد شهاب من الجامعة وهي من البلاستيك والزان والخيزران.
وأضاف: تختلف الآلات الشرقية التي تتميز بربع الصوت ونصف الصوت وثلاثة أرباع وصوت كامل عن الآلات الغربية التي لها صوت ونصف الصوت فقط.
وعن توعية القصب الذي يستعمله لصناعة آلاته قال: أفضلها قصب «المينا» في طرابس لبنان ثم قصب جبلة في سورية لأنه متناسق العقد ويساعد في عملية التصنيع وهو نوعان ثقيل ويسمى «ذكر» وخفيف ويسمى أنثى.
أما عن مرحلة صناعة الناي فيقول: بعد اختيار القصب الذي يعتمد على خبرة الصانع يتم قشط القصبة كاملاً ثم تجليسها على نار هادئة مع العلم أن كل قصبة تفرض شخصيتها على الصانع وهي التي تحدد نوع الناي التي يمكن صناعتها منها وتقسم القصبة إلى خمس وعشرين أو ست وعشرين قسماً متساوي الطول لتحديد مواقع الثقوب ويلي ذلك قص النهاية الخلفية للناي لتأخذ الطول المطلوب ثم يتم فتح الثقوب ودوزنة وتسوية أصوات الناي من الأسفل والأقرب إلى الفتحة الأولى وهنا يجب تنظيف الثقوب بعناية وأستعمل في ذلك ورق الزجاج ثم تنظيف الناي من الداخل من خلال أداة طورتها بنفسي لتساعدني على إزالة الزوائد.
وعن شخصية آلة الناي قال: تعتمد على تسع عقد وسبع فتحات ستة أمامية وثقب خلفي وكل طول ناي يحدد درجة مقام الماجور بمعنى أن ناي دوماجور يختلف طولها عن ناي سيبيجول ماجور وكل أنواع النايات نستطيع أن نعزف عليها كل مقامات الماجور وكل مقامات المنيور أما لعزف النغمات الشرقية فيجب أن يكون مع العازف طقم نايات مؤلف من اثني عشر نايا يستطيع أن يعزف النغمات الشرقية والغربية.
فهناك اثني عشر قياساً للناي معروف عالمياً بأطوال مختلفة وتختلف عدد العقد فيها حسب طول الناي ولها أسماء شرقية وغربية..
وكلما كانت الآلة جيدة يبدع العازف عليها فثلاثة أرباع دقة العزف وجودته هي للآلة ويبقى الربع الأخير على العازف وهنا تحدث عن إدخالاته الجديدة على هذه الآلة وقال: قمت بتصنيع آلة الناي وجعلتها /63/ نايا بالغومات وما يعادلها بين ناي وآخر غومتان علماً أن البوصلة الموسيقية العربية اثنين وسبعين غومة كما أعكف على تأليف «ميتود» لتدريس آلة الناي ويتألف من اثني عشر جزءاً ولكل ناي جزء يتم التعرف من خلاله على آلة الناي علماً أن كل ناي تبدأ من صوت يختلف عن الآخر.
ورداً على سؤال حول اختلاف آلة الناي عن الآلات النفخية الأخرى التي تعتمد على الدوزان أجاب حلبية: بأن الناي يدوزنها صاحبها تحديداً ولذلك فلكل سن معين نفس معين حسب قدرة العازف الذي كلما كان صغيراً كانت قدرته أقوى على النفخ مضيفاً: عندما صنعت ستا وثلاثين قياساً للناي أتحت له مجالاً أوسع وراحة في القدرة على النفخ يستطيع العازف من خلالها العزف على القياس الذي يناسب عمره وقدرته على النفخ ويتم دوزنة الناي على جهاز الكتروني اسمه ديباذون بحيث يكون لكل اثني عشر ناياً دوزان والمتعارف عليه /534/ للشاب و/044/ للرجال و /544/ اهتزازاً للكبار. أما عندما سألته عن عدد الآلات النفخية التي صنعها الآن فقال: لا أستطيع احصاءها فهي بعشرات الألوف وصلت لجميع دول العالم تقريباً كون هذه الآلة شعبية عند كل الأمم وأنا أبيعها بالجملة لجميع المحافظات السورية ويأتيني من يهتم بهذه الآلات لشرائها وتصديرها بطرقهم المختلفة.
وعن أسعار هذه الآلات قال: تتراوح من /05 إلى 005/ ليرة سورية فقط والبعض يبيعها بأكثر من ذلك ولكن لا أعتقد أنها تستحق أكثر من هذا المبلغ أما الآلات النفخية الغربية تتراوح أسعارها من /7 آلاف وحتى مليون ليرة حسب تطعيمها بالمعدن ومنه «نحاس وفضة وذهب وبلاتين» مثل الترومبيت أو الساكسيفون أو الفلوت.
وفي سؤال عن أشهر العازفين أجاب: هناك الفنان «مسلم رحال» من حمص و «رضا بدير» من مصر و «سمير سبليني» من لبنان و«بشير عبد العال» من فلسطين وهو شقيق عازف الكمان الشهير «عبود عبد العال» وكذلك من فلسطين «حسن الفقير» الذي يعيش في الأردن و«ليث الظاهر» من الأردن و«صلاح الدين المانع» من تونس و«ماركوس سكوليوس» من اليونان وراسل باكرد من أمريكا.
ويختم الفنان سليمان حلبية: إن أية آلة موسيقية هي صديق حقيقي للإنسان ولكل آلة سرها وشخصيتها ولا يجب النظر إلى آلة الناي باستخفاف كونها بسيطة وسعرها قليل فالأهمية للمقام الذي تعزفه فكل ناي يستطيع أن يظهر واحداً وعشرين صوتاً طبيعياً «ناتوري» إضافة إلى سبعة أصوات «دييز» وسبعة «بيمول» ونصف بيمول ونصف دييز وهذا ما يميز النغمة الشرقية ويضيف: ما يفرحني أن الجيل الحالي كله يعزف النوتة وما أحلم به أن يكتب كونشرتو لآلة الناي بحيث يكون عدد العازفين لآلة الناي على المسرح اثنا عشر عازفاً وهي القياسات المختلفة لها لإظهار الشخصية الحقيقية وأبعاد هذه الآلة متمنياً أن يكون في المعاهد والكليات ليس لكل آلة أستاذ فحسب بل لكل ناي أستاذها الخاص فآلة «الكلارينيت» مثلاً لها أربعة اساتذة وكل استاذ مختص بنوع منها وآلة السكسيفون لها ستة اساتذة والفلوت لها اربعة فلماذا لا يكون للناي ستة أساتذة على الأقل وكل أستاذ يختص بنايتين فقط.
الجدير ذكره أن الفنان حلبية قام بتدريس عدد من الشباب الموسيقيين في حمص منهم المدرس في كلية الموسيقا عمر زنكوان والعازفة «رشا ديب» يقول: لا أبخل على أحد في اعطاء سر المهنة وخلال عشر دقائق فقط أعلم طالبي كيف يصدر الصوت من الناي ولو وجدت موهبة مقنعة لديه فغالباً لا آخذ منه مالاً لقاء الدروس.
حاوره: بديع سليمان
المصدر: العروبة إرسال الى صديق عــودة
|