تنحو الكثير من الدول (لاسيما ضمن النـُظـُم الاقتصادية التي سادت – ثم بادت - في القرن الماضي) إلى د عـم قطاعـات تعـتبرها هامة بالنسبة لاقتصادها (الصناعـة في كوريا، والزراعـة في إيطالية، والأسماك في اليابان الخ..)..وهذا الدعـم يتجـلـّى عـلى هيئة معـونات مالية، أو حوافز ضريبية أو تقديم بـُنى تحتية مميـّزة أو إنشاء الدولة لعـنقود ضمن هذه الأنشطة.. وغـيرها من ضروب التشجيع.
انتشرت تلك الممارسات بنهايات القرن العـشرين - وانسحبت مع تطوّر ثقافة مغـايرة تمام التغـايـُر هي المناداة بترك كل قطاع يقف عـلى رجليه، وما الدعـم سوى دعـامة واهية لدى إزالتها ينهار القطاع بأكمله..
تسبـّبت سياسات الحماية والدعـم إذا تم إغـداقها عـلى قطاع دون تخطيط زمني أو وضع منهجية واضحة له (بعـدها يتابع القطاع مسيرته بالاعـتماد عـلى ذاته)تسبـّبت بتكوين قطاعـات مشوّهة كالطفل الذي لا يستطيع السير وحده دون من يمسك بيده؛ والنتيجة وصوله سـن اليفاعـة بلا عـمود ٍ فقري يحمل جسده، ما يبقيه أسيراً للسياسات الحمائية التي تمنع وتعـيق نموه الطبيعـي.
الآن وفي الألفية الثالثة، وضمن المنافسة الشرسة التي تشهدها كافة القطاعـات، لم يعـُد اكتشاف أسواق جديدة هو الهدف، ولم يبق سوق التصدير من الأساسيات بل لربما أنّ المحافظة عـلى السوق المحليـّة من هجمة السلع المستوردة أضحى هدفا ً أسمى بحد ذاته {وهانحن نرى اختراق العـملاق الصيني لأسواقنا بمنتجاته المختلفة التي تتراوح مابين الشعـبي والجيد والممتاز} وبدأ البعـض يعـلن انسحابه من قطاع الإنتاج الحقيقي وطفق يشغـّل مصنعـه (أو حتى ورشته) بجزء من طاقتها الإنتاجية واستدار لاستيراد المنتجات الشبيهة من دول جنوبي آسيا مختصرا ً طريق الربح السريع، ومشرّدا ً مئات عـائلات العـمال، ومساهما ً بنقل الرساميل إلى خارج البلاد.
ما الدعـم؟ وما آلية تطبيقه؟ وهل له زمن ٌ محدّد! أسئلة تطالعـنا ونبحث عـن إجابة شافية فنصطدم بتناقضات لا تزيدنا إلا حيرة ً...
بالتعـريف فالدعـم هو:
أحد أشكال المساعـدة المادية، يتم توجيهه لقطاع ٍ اقتصادي ما، ضمن شروط ٍ معـيـّنة وأغلبية تلك المساعـدات تتم بواسطة الدولة، وذلك لمنع نكوص ذاك القطاع كنتيجة لاستمرار الخسائر فيه، أو لارتفاع سعـر مكوّناته (مواد أولية أو طاقة مثلاً)، أو لتشجيعـه لاستخدام العـمالة.
لا تزال آثار العـلاقة السلبية بين أمريكا نعـم الولايات المتحدة بجبروتها والبرازيل نتيجة دعـم الأولى لمزارعـي القطن لديها، تلقي بظلالها الثقيلة عـلى العـلاقات الاقتصادية مابين البلدين.
وهنا يمكن اعتبار الدعـم نوعـاً من الحماية، أو أحد الحواجز القوية أمام التجارة، بجعـل المنتجات والسلع الوطنية أقوى «بشكل اصطناعـي» – أمام مثيلاتها المستوردة!
ويطرح المفكرون الاقتصاديـون في هذا السياق التساؤل الحرج التالي”هل من يستلم الدعـم هو المقصود فعـلا ً أم هنالك فرق بين المستقبل والمستفيد؟”..
هنالك الدعـم المباشر وهو أكثر شفافية ً، ولكن الحكومات لأسباب سياسية تفضـّل أساليب الدعـم المخفية / غـير المباشرة عـلى الرغـم من قلة نجاعـتها مقارنة ً بالأولى!!.
من أساليب الدعـم غـير المباشر: دعـم الصادرات ولكن تحديد مكوّنات الدعـم أو حجمـه هو أمرٌ معـقـّد للغـاية، يمكن أن يتم بشكل مباشر أو كإعـفاء من الضريبة، ويتم تبرير هذا الدعـم عـلى أنـّه رد عـلى الممارسات التي تتخذها الدول المستوردة لحماية مصنوعـاتها المحلية.
أحد الموضوعـات الأكثر إثارة ً للجدل هو دعـم دول العـالم «الأول» لمزارعـيها (قد تتجلى بشراء الحكومات هناك لمحصول ما بسعـر تفضيلي، ورميه في البحر للمحافظة عـلى الأسعـار)!!!
وبحسب خبير زيت الزيتون الإيطالي «فيليبو دوناتو»، فقد غـشت إيطاليا منذ سنوات مبالغـة ً في تقدير عـدد شجرات الزيتون لديها، ابتغـاء دعـم مالي من الاتحاد الأوروبي EU، ولكن المسح الجوي بالطائرات قد كشف بدقة العـدد الحقيقي!!
السيدة وزيرة الاقتصاد تطالب المصدّرين السوريين بميثاق شرف لعـدم إساءة استخدام الدعـم، ومدير هيئة ترويج الصادرات أعـلن عـن عـدم تقدّم أحد من المصدّرين لاستفادة من الدعـم على الرغـم من المبالغ المرصودة (حالياً ثمانيـة مليارات، وفي العـام القادم 18 مليار ل س)!
وها أنا أعـلنها – لمعـرفتي برابطة مصدّري الملابس القطنية – بأن ّ الأزمة كما أسلف اليوسف، هي أزمة ثقة، فالصناعـي المصدّر عـندما يتقدم ببياناته الحقيقية لأجل الحصول عـلى الدعـم يخاطر بوصول هيئة الضرائب لأرقامه الدقيقة، وهنا يكون قد قبض دعـماً بالدراهم ودفع ضرائب بالدنانير، وشتان مابين الاثنين!!!
بين مؤيدي الدعـم – لمستحقيه – وبين معـارضيه، وما بين الفريقين ، أشم رائحة سوء تفاهم كما في حالة السيدة العـجوز في الطرفة التالية:
تبارى ثلاثة من الأولاد المتفانين في تدليل أمهم الغـالية، اشترى لها الأول بيتا ً فارهاً، والثاني سيارة فخمة، والثالث ببغـاء كلـّفه مبالغ لكي يحفظ الكتاب المقدس عـلى يد مجموعـة من العـلماء خلال خمس عـشرة سنة..
كتبت لأولادها شاكرة ً؛ للأول: البيت فخم ولكن يتعـبني تنظيفه، وللثاني : السيارة ممتازة ولكن تصعـب عـلي ّ القيادة في هذا السن، وللثالث: أشكرك من كل قلبي.. لقد كان لحم الدجاجة شهيا ً للغـاية!!!
فأيّ سياسات الدعـم عـلى الحكومة اتباعـها، هو بالختام أمر ٌ محيـّر للغـاية!!! هل نجيب بغـناء يقول «ياقطن مين يشتريك!!!!
المصدر: صحيفة تشرين
SADBSATA@GMAIL.COM إرسال الى صديق عــودة
|