وزير الثقافة السوري يعترف بتغير سلوكيات القراءة ويعطي ثقلاً متساوياً للمطالعة من كتاب ورقي أو نظيره الالكتروني.
"المسير مصير"، وبعد الجهد مكان، فإما في العلا أو الحضيض، ومهما تسامت شواهق المجد فدركات الفشل احتمال.
مبدعون يجهدون، يعملون ويكدحون، فمنهم من يرقى في سلم المجد وآخرون يتهاوون. بعض يبدع ويجمع الناس من أصقاع الأرض فتحتشد الجموع في انتظار لحظة إبداع ولو في ضنك أو تعب وآخرون يتسلقون منابر الإبداع مدججين بالقوة، يعتلون المنابر في كل مناسبة ولا أحد يشغف بهذا "الإبداع" وتبدو المنابر أطلال أحدث.
فماذا بعد، كيف يوصف وزير الثقافة في سوريا الدكتور رياض نعسان آغا هذه المسألة الشائكة هل من طريق للخروج من الأزمة، ماذا فعلت الوزارة وماذا ستفعل كيف ينظر السيد الوزير وهو الأديب قبلا لمنابر المبدعين وشكل الإبداع. هل المشكلة في المنبر وسطوته أم في الإبداع وحقيقته؟
حول الأمر سجلنا مع وزير الثقافة السوري هذا الحوار الذي نتمناه جدليا يحمل سمة النقاش الفاعل.
• من هو الأهم في حشد الجمهور المبدع أم المنبر؟
المبدع حتما، فهو الصانع الحقيقي لعملية التواصل بين الإبداع والتذوق. ولعلّي آتي بمثال صارخ على ذلك، يوم أن جاءت السيدة فيروز لتقديم مسرحية "صح النوم" ضمن فعاليات دمشق عاصمة للثقافة العربية، تم حينذاك تحديد سعر بطاقة الدخول بعشرة آلاف ليرة، وتخوفت شخصيا من ارتفاع هذا الرقم ومن إمكانية عزوف الجمهور عن حضور العرض، لكن كثيرين جدا أتوا لأنهم يعلمون قيمة اسم السيدة فيروز فنيا. طبعا كانت هناك بطاقات بألف ليرة حتى لا نحرم أحدا من الحضور. بعد هذا العرض وضمن فعاليات الأمانة كان هنالك عرض آخر وعلى نفس المنبروهو دار الأوبرا بدمشق تكلف الملايين، وكان عدد الحضور شحيحا للغاية ولا يتعدى العشرات. إذا الجمهور موجود والمنبر موجود ولكن حين يغيب الإبداع سيغيب الجمهور بالتأكيد.
• هذا عن الموسيقى، فماذا عن بقية الإبداع؟
بما أنك صحفي سأورد مثالا صحفيا. أنا الآن، وبمتابعتي اليومية للجرائد الرئيسية في البلد لا أكاد أجد عمودا صحفيا واحدا أحرص على متابعته. رغم احترامي الكبير ومحبتي لكلّ الذين يكتبون، في الوقت نفسه أنا أذكر تماما في عصر السبعينيات وعلى نفس صفحات الجرائد أننا كنا نتابع بشغف كتابات حسيب كيالي في تشرين، وكذلك كتابات غسان الرفاعي في يوميات نزقة ومحمد الماغوط وزكريا تامر في عزف منفرد. هؤلاء كانوا يصنعون صحافة حقيقة تتفاعل مع الناس.
وإذا. لم تغب الجريدة ولم يغب الجمهور بل غاب المبدع.
والمشكلة أن الكتاب الكبار ماتوا ولم تعوضهم البلد بعد.
أنا قلت مرارا أن مصر لم تعوّض غياب أحمد شوقي حتى الآن، مع احترامي لوجود قامات شعرية هامة في مصر اليوم. لكنها ليست بحجم شوقي. والأمر نفسه بالنسبة للروائي نجيب محفوظ، ستنتظر مصر طويلا جدا على ما يبدو لتعويضه، على الرغم من وجود أسماء لامعة في الرواية المصرية الآن. عندنا في سوريا، بعد رحيل نزار قباني لم يملأ أحد الفراغ. طبعا هذا ليس انتقاصا من قدر أحد, ولكن منذ ما يقارب الألف عام لم تستطع الأمة العربية تعويض شاعر كالمتنبي. فالأولى ألا نستعجل الأمور وحسبنا بعض الانتظار.
• غياب الإبداع الحقيقي نهش في روح مراكز الثقافة فباتت مدن أشباح خاوية من الرواد وبات "المبدعون" أكثر من الجمهور هل توافق على هذا الرأي؟
أقول بالتجربة، إن الأمر يتعلق بالسلوكيات الإنسانية في فعل الثقافة، فنحن في وزارة الثقافة نطبع كتابا بألف نسخة نرسل منها400 نسخة لمكتبات المراكز وما تبقى إلى معارض الكتاب المحلية والعربية ومنافذ البيع في مراكزنا الثقافية، ونحن نبدأ بالبيع بحسم 20 بالمائة وننتهي بـ 80 بالمائة، ثم نرجو الشباب أن يقرؤوا.
ولكن عندما أنشأنا موقعا إلكترونيا للهيئة العامة السوريا للكتاب، يستطيع المواطن من خلاله تحميل هذه الكتب يوميا ومجانا اكتشفنا أن القراء كثيرون جدا. ويبلغني مدير عام الهيئة السيد محمود عبدالواحد أن عدد من حمّلوا الكتاب خلال فترة قصيرة من تنزيله هو ما يقارب الثمانية آلاف شخص.
إذا فالقارئ موجود. لكن سلوكيات القراءة تغيرت، فبدلا من قراءة كتاب ورقيّ تحوّل الأمر إلى القراءة عبر الحاسوب.
شخصيا ورغم أنني أنتمي لجيلٍٍ ليس شابا لكنني أفضل القراءة عبر الحاسوب لأنه يمنحني فرصة التحكّم بحجم الخط الذي يريح بصري. إضافة لخدمة البحث التي توفّرها شبكة الإنترنت، ومن خلالها أستطيع التواصل مع معاجم وتفاسير وأبحاث الفكر العربي كله.
القراءة موجودة، لكن العصر فرض قارئا من نمط جديد، والمتغير هو: كيف يقرأ وماذا يقرأ؟ أما القارىء فموجود.
ولا بدّ من التنبيه لموضوع هام وهو ماهية المادة المقروءة، فالبريد الإلكتروني قراءة وكذلك مطالعة الصحف والمجلات ومواقع النت هذه كلها تستنزف جهدا ووقتا وتؤثر على شهية القارىء المتخصّص حتما ولكنها في النهاية قراءة.
الأمر ذاته ينطبق على المسرح، فأنا أرى أن سبب عزوف البعض عن متابعة المسرح هو حالة الإشباع الدرامي التي يقدمها التلفزيون.
• ماذا قدمت وزارة الثقافة من جهد للتفاعل مع هذا التغير في سلوكيات القارىء كما أسميتها، هل طرحت منابر قراءة وإبداع متغيرة؟
هنا أعود إلى مسألة ماذا يقرا وكيف يقرأ، بعض الصحفيين يكتبون أن المراكز الثقافية خالية من الروّاد، هذا صحيح. ولكن مقاهي الإنترنت عامرة بالقرّاء الذين يتفاعلون مع لغة العصر.
نحن في وزارة الثقافة السورية استفدنا من عصر الإنترنت وأطلقنا ثورة معرفية، لدينا بيانات تقول إن عدد المواقع الثقافية في سوريا يقارب الـ 380 موقعا، وهذا ما يجعلنا رقم واحد عربيا. ولدينا نواد للإنترنت مجانية.
ونحن في وزارة الثقافة نشرنا كل إصداراتنا على الإنترنت حتى مجلة "شرفات" أصدرناها في قرص مدمج ولها موقع إلكتروني خاص بها، حيث يمكن تصفّح كل دورياتنا من موقع الهيئة العامة للكتاب، بالإضافة إلى كتاب إلكتروني يوميا من إصداراتنا.
يجب أن نعيد تشخيص حالة الثقافة عندنا، في الماضي كانت المعرفة حاضرة عبر الكتاب الورقي والآن عبر شبكة الإنترنت بالإضافة إلى الورق.
قديما كنت أبحث عن معلومة ما في العديد من الكتب والمراجع، الآن.. أصل إليها في ثوان. من هنا انطلق للمستقبل وأنا أنظر للأمور بخواتيمها، لذلك أؤكد على أن الوضع الثقافي الآن أفضل ممّا كان عليه في سبعينيات القرن الماضي، طبعا هذا سببه تضاعف عدد الجامعات والمعاهد في سوريا وبالتالي عدد الطلاب الذين يتعلمون ويتثقفون.
• هنالك فكرة تقول إن الثقافة لا تحصل فقط من التعليم، فالجامعات تخرج متعلمين وهم ليسوا بالضرورة مثقفين، أين أنت من هذا الرأي؟
هل يمكن لمثقفٍ ألا يكون متعلما؟ الأمر الطبيعي. لا يمكن. فالتعليم يؤسس الإنسان للمعرفة الحقيقية، نادرا ما يكون هنالك مثقف غير متعلم، فإذا وجد فهو أحد اثنين. أولهما.. إنسان مبدع خارق خارج عن السياق اجتهد شخصيا بما يفوق اجتهاد المتعلمين، وثانيهما قد بنى معرفته على معرفة هشة. لأن التعليم هو البنية الأساسية الصلبة التي تعتمد عليها الثقافة.
التعلم هو مفتاح الثقافة. فالمدرسة تؤسس والجامعة تثقف، طبعا هذا لا ينفي وجود فروقات شخصية، فقد تجد شخصين تخرّجا من الجامعة، أحدهما يحمل ملامح الثقافة الحقيقة وحضارتها بينما الآخر لا يبدو كذلك. لكن القاعدة العلمية الأساسية موجودة عند الإثنين. لذلك تصف هذا الشخص بأنه مثقف وتصف الآخر بأنه متعلم.
المثقف هو الذي يتفاعل مع مجتمعه ويستفيد مما تعلّم في تلوين عيشه وزركشة حياته. يحب الفنون الجميلة ويشارك في القضايا العامة. يشارك في السياسة والاقتصاد والمجتمع، بينما المتعلم يفهم في هذا ولكنه لا يتذوقه. الثقافة حياة وسلوك عام متكامل وهي مجموعة تفاصيل بالغة الصغر أحيانا من طريقة اللباس ونوعية الطعام واختيار ما يسمع ويشاهد.. وغير ذلك.
• هل أنت راض عن الحالة الثقافية في سوريا الآن؟
أعتقد أن الحالة الثقافية الآن أفضل ممّا سبق بكثير؛ وهذا خارج عن كوني وزيرا للثقافة. فأنا أتحدث عن عصر التقانة وكذلك عن دور المجتمع الأهلي. الآن لدينا في فنون المسرح والموسيقى والرقص ما يزيد على المائة فرقة وتجمّع. وهذا حراك ثقافي هام، نحن في وزارة الثقافة رعينا هذه المشاريع ودعمناها بما نقدر عليه. فبعض الفرق ورغم كونها خاصة قدمنا لها العون، لذلك كتبت قبل سنوات في جريدة "شرفات" أن الثقافة هي فعل شعبي, ومهمة الوزارة أن تقدم البنى الأساسية اللازمة للعملية الثقافية مثل دار الأوبرا وقصور الثقافة في المحافظات كما نعمل على إنشاء دار أوبرا في حلب، وتوسعنا في إنشاء معاهد موسيقية ومسارح قومية في المحافظات. وهي كلها بنى تحتية بتصرف أبناء سوريا المبدعين.
• نقترب مجددا من الشعر، عندما كان التعليم في الكتاتيب كان الطالب أقرب للشعرالعربي عامة، وكان الطالب يتخرج وهو يحفظ أمهات الشعر العربي، أليس غريبا أن تصبح المسافة بين الطالب والشعر أبعد بعد أن صار التعليم ممنهجا وتقوم عليه الدولة؟
هذا الكلام ليس بعيدا عن الصواب، ولكن الجواب متعلق بالسؤال الأول. فقديما كان الأهم معرفة الشعر العربي واستظهاره وحفظ مجموعات منه، وظل الأمر كذلك حتى وقت قريب، وعندما وصلنا إلى عصر الإنترنت صار العلم في كيفية الوصول لمخازن هذه العلوم والآداب. لذلك فإن الطالب الآن معني تعليميا باستخدام تقنيات حاسوبية تتيح له الوصول السريع والدقيق للشعر العربي وتاريخه الموجود في مواقع ثقافية كثيرة على شبكة النت. شخصيا أميل إلى النمط الأول الذي يجعل من الذاكرة الإنسانية الخزان الأساسي للشعر العربي وكل المعرفة بوجه عام مع الاستفادة الكاملة من التقنية.
• كيف ترى واقع الشعر العربي الآن بعد أن كان ديوان العرب، وهل يمكن أن يأتي يوم يترك فيه العرب الشعر؟
قديما قيل "لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين". الشعر العربي كان متوهجا، وكان فعلا ديوان العرب، وهو الفن الذي ألف فيه العرب الكثير الكثير، وخرجت منه قامات شعرية صارت منارات حضارية في ثقافة العالم، كالمعري والمتنبي. والشعر حي في وجدان الأمة العربية إلى نهاية الحياة، أنا لا أخشى عليه وسيعود متألقا كما كان.
• أتوجه إليك بسؤال بصفتك باحثا وكاتبا وأديبا، وليس بصفتك وزيرا للثقافة، كيف تنظر إلى قصيدة النثر وهل ترى أن لها أثرا في حالة عزلة الشعر؟
النثر نثر والشعر شعر. والشعر هو تماما كالرقص، أما النثر فهو يشبه رياضة المشي، أما ما يأتيك عن الموسيقى الداخلية في القصيدة وما شابه ذلك فدعه لكبار المبدعين منه. لا أرى أن الجمع بين الكلمتين "الشعر والنثر" يمكن أن يكون صحيحا، فالنثر بحدّ ذاته فن راقٍ وجميل وراسخ في التراث العربي القديم، والأجيال العربية حفظت الكثير من أقوال الحكماء العرب نثريات كانت محلّ تقدير، والنثر ليس أقل من الشعر. فنثر الأحنف ولقمان الحكيم، وكذلك المأثورات والسير الشعبية وقبل ذلك كله الحديث النبوي الشريف هي منارات في تراثنا. ثمّ ما المشكلة في أن ننتج نثرا باسم النثر، دون أن نسميه قصيدة نثر. وهذا رأيي الشخصيّ لكن وزارة الثقافة تتابع إصدار دواوين قصيدة النثر، وتقام لها أمسيات في منابرنا وقراءات نقدية.
• ألا تلغي بذلك تجربة أدبية مستجدة تضم الكثير من المبدعين، كيف ستتعامل مثلا مع تجربة هامة في قصيدة النثر هي أدونيس؟
أنا لا أعمل في الوزارة بمزاج نقدي شخصي. هناك توجهات عامة نحرص عليها واستراتيجية ثقافية أما أدونيس فهو شاعر كبير عندما عارض أبا تمام في شعره. وفي ما تبقّّى فهو ناثر جيد ومفكر هام رغم اختلافي الفكري معه، ولكن تبقى الفلسفة والبحث مزيتين في إنتاجه لا ينكرهما عليه أحد، أما شعره فالموقف منه متباين بين القراء.
حوار أجراه: نضال سعد الدين قوشحة
المصدر: ميدل ايست اونلاين إرسال الى صديق عــودة
|