المسرحي فرحان بلبل الذي خاض في مجال الكتابة والبحث والنقد والإعداد والإخراج، وساهم بتأسيس فرقة المسرح العمالي بحمص.
ولا يزال يديرها منذ تأسيسها العام 1973، والذي شارك في لجان تحكيم مهرجانات مسرحية عربية ومحلية عديدة، وكرّم في بعضها كما كرم في أكثر من مدينة سورية، وكرم من أكثر من جهة ثقافية في حمص، على الرغم من ذلك دعت رابطة الخريجين الجامعيين بحمص لتكريمه في حديقة الرابطة.
والمسرحي بلبل يعتبر رجل المسرح بكل معنى الكلمة، فهو يتميز من بين أقرانه المسرحيين باشتغاله في التأليف المسرحي والاقتباس والإعداد (للكبار وللأطفال) وبكتابته التأريخية والنقدية والتعليمية والتنظيرية في المسرح، التي تجلّت في كتبه التي باتت مراجع هامة على المستويين المحلي والعربي.
وقد تنوعت تجربته من خلال الممارسة العملية على خشبة المسرح وفي كواليسه، مخرجاً ومدرباً للتمثيل، ومدرساً الإلقاء في المعهد العالي للفنون المسرحية.
المسرح هاجس دائم
في بداية الجلسة التكريمية قدّم الأستاذ محمد ديب الزهر شهادة عبّر فيها عن إعجابه بمسرح فرحان بلبل وبأخلاقه وسيرته في التدريس، وهي شهادة مفعمة بالمحبة لشخص بلبل.
أمّا الشاعر محمود نقشو فتحدّث عن فرحان بلبل بصفته كاتباً مسرحياً ورأى أن بلبل يشكّل أحد أركان المسرح السوري والعربي المعاصر، وأحد الذين شغلوا ذاكرة حمص والذاكرة السورية والعربية في مجال المسرح والتأليف المسرحي على وجه الخصوص.
وحاول من خلال نشأته وثقافته والتأثيرات العديدة أن يبني نصاً درامياً متقناً بإحكام، وركّب من الأساليب المتعددة في البناء الدرامي ما شكّل هاجساً دائماً له، قاصداً مخاطبة جمهوره المتكون من مختلف شرائح المجتمع بأبسط ما يمكن وأعلاه جودة، بغية دفعه إلى التغيير، تغيير الواقع المعيش بهدف بناء مجتمع حر وعادل، تتحقق فيه كرامة العيش وكرامة الإنسان على السواء.
ثم تحدّث نقشو في نقاط عدة عن خصائص مسرح فرحان بلبل، منها:
1- شكّلت قضية الوطن وقضية الفئات التقدمية والثورية في المجتمع عصب الموضوعات التي تناولها مسرحه، وقد جمع بين هذه القضايا فأخذ اندفاعه وحماسه لقضايا يريد طرحها إلى بلورة مفهوم الحياة بمجملها عنده، فلم تكن بين الأبيض والأسود بل كانت أبيض أو أسود. مما فرض أن تظهر بعض شخصيات مسرحياته بمظهر المنظّر أو الداعي لآراء ومواقف تخدم قضية سياسية بعينها.
2- ربط بلبل مصيره الإبداعي والفكري بفرقة المسرح العمالي في حمص، وعليه فقد التزم بالطبقة العاملة وقضاياها ومشاكلها. والتزمت هي الأخرى وتمسكت بخياراتها الفكرية والفنية.
3- اتكأ على التراث العربي حيناً، وعلى الحياة المعاصرة حيناً آخر، وكتب المسرحية الطويلة ذات الفصول الثلاثة أو الفصلين. كما كتب المسرحية القصيرة ذات الفصل الواحد، وكتب للأطفال أيضاً.
4- شخصيات مسرحياته تميزت بغناها الإنساني وعمق أغوارها النفسية. حيث يحتدم النقاش والجدل، ويتّخذها النقد مثالاً على الإنسان ذي الوجود الاجتماعي والعاطفي والفكري. ويخلص نقشو إلى أن فرحان بلبل يعتقد في عمله المسرحي بـ: أهمية المسرح في حياتنا، حيث يضع يده على نبض الجمهور في عصره. والمسرح من هذه الناحية خندق فكري وإنساني يجتمع الناس حوله فيرون حياتهم وأنفسهم فيه.
مناقضة ومخالفة
مداخلة المسرحي محمد بري العواني كانت بعنوان فرحان بلبل مخرجاً التي رأى فيها أن بلبل إذ امتثل للواقعية الاشتراكية من حيث طبيعة النص والعرض فقد بنى نصاً أدبياً حديثاً تبدو مشهديته نظرياً (أو ظاهرياً) مفارقةً لنهج التأليف المسرحي التقليدي.
لكنه كان أكثر حرصاً وحذراً من غيره على عدم التفريط بالحكاية الدرامية التقليدية من حيث تتابع المَشَاهِد، ونجومُ بعضها عن بعض امتثالاً للحبكة الدرامية، ونمو الصراع المتسلسل المتصاعد، وتطوّر الشخصيات.
وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة لفرحان بلبل، لأنه يوافق ثقافة جمهوره الذي تشكّل منذ عام 1973، بغض النظر عن ترسبات الشكل المسرحي التقليدي ما قبل عقد السبعينيات.
وهذه الرؤية شكّلت في نظر العواني ملمحاً بارزاً في إخراج بلبل على مدى أكثر من ثلاثين سنة، ويزعم أنه أتقنها، بغض النظر عن الموقف منها.
كما يرى العواني أن بلبل لم يتمكن من اختراع أدواته ووسائله الفنية في تغريب عرضه المسرحي قدرَ تقليده بريخت في أهم تقنياته كالراوي وقطع الحدث والمبالغة في الأداء والإلقاء وبساطة الديكور واستخدام الأغنية الفصيحة والعامية وغير ذلك من أدوات.
وبذلك أنتج بلبل مناقضة ومخالفة حين غرّب مشاهدَهُ، أو عرضه، مستخدماً الرواي بأسلوب ستانسلافسكي الاندماجي، وبمبدأ أرسطو في المحاكاة التي تؤدي إلى التطهير، الأمر الذي أدى بلبل إلى إنتاج عرض تصالحي، بمعنى أنه أرضى التقليديين والحداثيين، الاندماجيين والتغريبيين البريختيين إن جاز التعبير.
وهذا في نظر العواني مكمن الخطر والتزييف الفني في عروض بلبل. ولهذا ثار عليه من ثار، ورفضه من رفض استناداً إلى التطورات الحاصلة في المسرح العربي والأجنبي. ويستغرب العواني في نهاية حديثه إصرار بلبل على التشبث بأسلوبه الذي لم يصبح - ولن يصبح - منهجاً يحتذيه المخرجون الآخرون، حتى ضمن تجارب بعض أعضاء فرقته ممن سمح لهم بالإخراج، وذلك لتناقض هذا الأسلوب برغم اجتهاده الفني الذي لم يفارق ما كان متداولاً وسائداً في الساحة المسرحية السورية بخاصة، والعربية بعامة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين.
وتجدر الإشارة إلى أنه في نهاية هذه الجلسة قدم مجلس إدارة الرابطة درعاً تكريماً للمسرحي فرحان بلبل.
نضال بشارة
المصدر: صحيفة تشرين إرسال الى صديق عــودة
|