بعيداً عن لغة الأرقام والكساد الذي أصاب منتجاته فإن معمل السماد في حمص هو واحد من الملوثات البيئية للقاطنين في حمص وما حولها بامتياز.
وفكرة نقل المعمل إلى منطقة (خنيفيس) القريبة من مناجم الفوسفات مازالت حلماً بعيد المنال، ودراسات منظمة الجايكا لإنشاء مشروع إنتاج السماد الثلاثي سوبر فوسفات هناك لن تكون حلاً نهائياً لتحويل معمل السماد الحالي إلى صناعة أخرى صديقة للبيئة وغير مؤذية للبشر.
قبيل وصولك إلى الشركة العامة للأسمدة (المعمل) تشاهد الأبخرة الصفراء تنطلق في الهواء معلنة عن بدء عمليات كيميائية سوف تحول لاحقاً إلى أحماض تتكثف مع قطرات الماء، وتهطل على أراض طالما عرفت بجودتها.
وعلى الرغم من اعتراضات القاطنين حول المعمل ولسنوات طويلة سابقة فإن حلول الحد من التلوث ومن الآثار الضارة للأبخرة المنبعثة مازالت قيد الدراسة الميدانية، ورهناً لرصد الأموال الطائلة لاستبدال التكنولوجيا الحالية (القديمة) بأخرى حديثة وصولاً إلى المواصفة العالمية التي تهتم بالمنتج وبالتأثير البيئي في آن معاً.
شيميزو اليابانية لمعالجة الغازات
المهندس إليان زمّار مدير عام شركة الأسمدة قال: إن الشركة حالياً بصدد الاتفاق النهائي مع شركة (شيميزو) اليابانية وبدعم من الأمم المتحدة لمعالجة الغازات المنطلقة من قسم حمض الآزوت، وكذلك معالجة بعض الغازات المنطلقة من قسم الأمونيا، للاستفادة منها وعدم إطلاقها إلى الجو، وبذلك نكون قد خفضنا كثيراً من التلوث الغازي الناتج عن صناعة الأسمدة، علماً أن صناعة الأسمدة في كل دول العالم لا يمكن أن تتم من دون تأثير سلبي على البيئة، وإذا أردنا التخلص نهائياً من الغازات السائلة والمخلفات الصلبة، فلابدّ من صرف أموال كبيرة لاستبدال التكنولوجيا الحالية، وصولاً إلى المواصفة العالمية أو إلى المواصفة القياسية السورية.
مسائل لم تلحظ عند الإنشاء
يقول زمّار: نظراً لأن عمر هذه المعامل قد قارب الـ/40/ عاماً فإنه لم يلحظ عند الإنشاء الشروط الخاصة لضبط المنصرفات ومواصفات الغازات كما هو مطلوب في المواصفة القياسية السورية، ومع ذلك، فإن مهندسي الشركة وفنييها وبالتعاون مع الجهات المحلية ومديرية البيئة في محافظة حمص يقومون بدراسات ميدانية لمعرفة مستوى التلوث في الشركة والبيئة المحيطة ووضع تصوّر للحلول، وحسب المهندس زمّار فإن إدارة الشركة نجحت في تخفيض الملوّثات عمّا كانت عليه سابقاً، حيث قامت الشركة بشراء أجهزة تحليل محمولة لهذا الغرض، وهناك تدريب على استثمار هذه الأجهزة، ويتم رصد مبالغ في كل خطة استثمارية لمشاريع لها منعكسات إيجابية على الأثر البيئي.
قرار للحالات الطارئة
وفقاً لما قاله مدير السماد فإن إدارة الشركة اتخذت قراراً بتوقيف العمل في أي قسم من الشركة ينتج عنه تلوث مفاجئ ويؤثر في صحة العمال في الشركة وفي السكان في المناطق المجاورة، وأنه طلب من إدارة المعامل ولاسيما (السوبرفوسفات) توقيف أي قسم والقيام بعمليات الإصلاح ومن ثم إعادة الإقلاع منعاً لتأثر الجو المحيط بالشركة بالملوثات.
المعمل.. الحلّ؟!
وفقاً لدفتر الشروط الفنية لإنشاء معمل السماد الثلاثي سوبرفوسفات والذي يفترض أن تكون طاقته الإنتاجية /500/ ألف طن في منطقة «خنيفيس» فإن المعمل الجديد سيكون حلاً جذرياً لوجود المعمل القديم الذي سيتم إغلاقه بعد الاستفادة من كوادره الفنية ومن بعض الآلات فيه، إذا كان بالإمكان الاستفادة منها، ويبقى الأمر مرهوناً بوزارة الريّ التي يفترض بها أن تؤمن للمعمل الجديد مياهاً تقدّر بعشرة ملايين متر مكعب سنوياً، وهو أمر يفترض به أن ينتهي وفق الوعود القديمة خلال أشهر قليلة قادمة على أكثر تقدير.
صعوبات تسويقية
تتعدّد مشكلات معمل السماد في هيكله من قدم للآلات وملوّثات تزيد كثيراً عن المعدلات العالمية، وإن السماح باستيراد الأسمدة أثّر سلباً في الميزان التجاري للشركة العامة للأسمدة. ومما قاله: نظراً لعدم قدرتنا على تصريف كامل منتجاتنا، فقد تراكم المخزون في الشركة، برغم قيامنا بالاتصال مع القائمين على المصرف الزراعي التعاوني، ولمرات عدّة، ونشر إعلانات في الصحف والمجلات وفي التلفزيون، وتخفيض أسعار مختلف أنواع الأسمدة لدينا، إلا أن هذه الإجراءات لم تكن حلاً لتراكم المخزون، والسبب يعود إلى إغراق السوق السورية بمختلف أنواع الأسمدة، وبعد أن تم السماح للقطاع الخاص باستيراد (السوبرفوسفات الأحادي) الذي كان له بالغ الأثر في عدم بيع وتصريف مخزوننا من السماد السوبرفوسفات الثلاثي نظراً لفارق السعر بين الاثنين، ولعدم وجود توعية كاملة للاخوة المزارعين في نوعيات الأسمدة التي يجب استخدامها في الزراعة.
نشرات توعية!
يقول المهندس زمّار: نطلب من الجهات المعنية بالزراعة (وزارة واتحاد فلاحين) القيام بنشر التوعية لدى الجمعيات الفلاحية والمزارعين لشرح الفوائد الاقتصادية، والمردود من استخدام (الثلاثي) بدلاً من (الأحادي) ونقترح أن تكون التوعية عن طريق نشرات تتم طباعتها وتوزيعها، أو عن طريق البرامج الإذاعية المخصصة للمزارعين.
الإعلان عن تصدير الفائض
تقوم الشركة العامة للأسمدة بتسويق القليل من الأسمدة الموجودة لديها إلى القطاع الخاص، وإلى المصرف الزراعي (حسب حاجته) وحسب المهندس زمّار فإن الشركة سوف تقوم قريباً بنشر إعلان لتصدير فائض الأسمدة لديها، وقال: نرجو خلال الأشهر القليلة القادمة أن نشعر بانفراج في أزمة المخزون المتراكم، وأن نشاهد إقبالاً من مختلف الجهات على شراء (أسمدتنا) التي نطرحها بأسعار منافسة في السوق، وعن المخزون قال: إن لدينا /58/ ألف طن سماد سوبرفوسفات ثلاثي و/8500/ طن سماد كالنترو، و/20/ ألف طن سماد يوريا، وعن الخطة الاستثمارية قال: إن مبلغها هو مئة مليون ليرة سورية نفذنا 10% منها ولأسباب تتعلق بفشل بعض الإعلانات، وفي نهاية العام نتوقع تنفيذها كاملة.
أحلام على الورق
بين حلم مدينة حمص في التخلص من جميع الملوثات، ونقل كل من معمل السماد ومصفاة النفط عن مهب ريحها وبين واقعها؛ لاتزال هناك مشكلة التلوث التي تؤرق الكثيرين وتؤثر في صحتهم، والتصريحات التي سمعناها قبل سنوات، وتبشر بمستقبل أفضل وهواء أنظف لاتزال على الورق وهو ما أكده لنا المهندس صالح صالح مدير عام الكيميائية الذي قال: بشكل عام فإن الو ضع مقبول نسبياً عما كان عليه سابقاً في معمل السماد، فالغازات أقل ضرراً، وشركة (شيميزو) اليابانية تعهدت بالسيطرة على الغازات المنبعثة من برج معمل اليوريا في الشركة العامة للأسمدة، وبرغم وعودهم، فهم حتى الآن لم يأتوا أو يباشروا العمل فيما كانوا قد وعدوا به، وعن معمل السوبرفوسفات الذي كان يفترض تشييده في منطقة خنيفيس قال: لا يوجد وقت محدد لبناء المعمل لأن المسألة متعلقة بقرارات حكومية ورصد مبالغ مالية، والأهم من ذلك تأمين المياه في تلك المنطقة، والتي هي من اختصاص وزارة الري، والمعمل مازال في طور الأفكار والدراسات.
وأضاف: إن هناك دراسة مشابهة لبناء معمل لإنتاج اليوريا في ديرالزور (وهو مازال على الورق أيضاً).
وعن تراكم المخزون في شركة الأسمدة قال المهندس صالح: حين قررت الحكومة تحرير أسعار الأسمدة، قام بعض التجار باستيراد السوبرفوسفات الأحادي، وهو ذو فعالية لا تتجاوز الـ18%، في حين أن السماد السوبرفوسفات الثلاثي ذو فعالية تقدّر بـ46%، ويتم بيع السماد الأحادي للمزارعين بفارق بسيط في السعر، في حين أن هناك فرقاً كبيراً في سعره عالمياً، وهو أمر يكاد يجهله الكثير من المزارعين.
اسماعيل عبد الحي
المصدر: صحيفة تشرين إرسال الى صديق عــودة
|