ألقاب عدة أطلقت على الشاعر نسيب عريضة.. فلا عجب فهو علم من أعلام الأدب والمعرفة ورائد الصحافة في المهجر متمكن من أصول اللغتين العربية والروسية مما أتاح له مطالعات واسعة في آداب اللغتين وشحذ مواهبه الغزيرة ودفع به إلى حياة أخرى حياة القلم والشعر بعيداً عن التجارة والمصانع التي عمل بها لكسب قوته اليومي.
نسيب عريضة الذي ولد في مدينة حمص 1888 تلقى دراسته الابتدائية في المدرسة الروسية المجانية في حمص، وتخرج منها بتفوق، ثم أرسل على نفقة الجمعية الروسية - الفلسطينية إلى مدرستها الداخلية في الناصرة بفلسطين لتفوقه، ليتابع فيها دراسته الثانوية، ثم هاجر إلى نيويورك عام 1905 طلباً للرزق وعمل في التجارة فترة قصيرة، ثم انصرف إلى الشعر والأدب وأخذ ينشر مقالاته وأشعاره في جرائد المهجر.
وفي عام 1912 أسس مطبعة (الاتلنتيك) ثم أصدر مجلة (الفنون) مجلة شهرية أخذت على عاتقها مهمة التجديد في الأدب العربي، أعطاها الكثير من جهده وفكره وكانت من أرقى المجلات الأدبية في المهجر، تغذيها أقلام فتية قوية من أمثال جبران خليل جبران - وميخائيل نعيمة - ايليا أبو ماضي - رشيد أيوب وعبد المسيح حداد ووليم كاتسفليس وندرة حداد وجميع أعضاء الرابطة القلمية..
ويشرف عليها فنان صاحب ذوق رفيع في الأناقة والترتيب، فلاقت المجلة اقبالاً كبيراً اذ ساهمت مجلة (الفنون) مساهمة كبيرة في نهضة الأدب العربي الحديث.
لكن اندلاع الحرب العالمية الأولى كانت تقف لها بالمرصاد، فلم تكمل عامها الأول حتى توقفت.. واختفت من الوجود، فأرسل نسيب رسالة إلى صديقه ميخائيل نعيمة قال فيها: «لقد خسرت معركتي وسقطت آمالي حولي والآن وقد فرغ مالي وبخل علي المشتركون بما عليهم، فليس لي إلا أن أقف وقد وقفت، ولا أدري أتتحرك قدماي أو تتيبسان إلى الأبد».
وظلّ صدى اغلاقها يرافق أيامه حتى فارق الحياة وفي عام 1920 أسس نسيب عريضة مع رفاقه أساطين الأدب العربي في المهجر «جمعية الرابطة القلمية» وتولى جبران رئاستها ونعيمة مستشارها وعاشت الرابطة احدى عشر عاماً.
وقد وصف ميخائيل نعيمة صديقه «كان ممتازاً بأخلاقه فهو وديع، لطيف، خجول، دافىء اللسان، لا يغتاب ولم ينمّ» وهذه الصفات رافقته حتى آخر حياته.
وقد صرف اهتمامه بعد أن انتهت مجلة الفنون إلى تدبير أموره المعاشية واختار الأدب طريقاً على الرغم من أنه لا يفي بالحاجة إلا بالتقتير.
وقد تزوج من نجيبة حداد شقيقة الصحفي والأديب عبد المسيح والشاعر ندرة حداد ولم يرزق أولاداً.
من مؤلفاته ديوانه الوحيد «الأرواح الحائرة» صدر عام 1946 وقد احتوى على (95) قصيدة منها مطولتان احداهما بعنوان (على طريق ارم ) والقصيدة الأخرى بعنوان (احتضار أي نواس ).
استوحى فيها احتضار الشاعر العباسي أبي نواس
ومن مؤلفاته أسرار البلاط الروسي وهي رواية مترجمة عن الروسية
وديك الجن الحمصي (قصة منشورة في مجموعة الرابطة القلمية) وله مقالات وفصول مختلفة نشرها في مجلات وجرائد المهجر..
والشاعر نسيب عريضة في قصائده يبحر في ميناء خياله الخصب ورهافة إحساسه وذوقه الرفيع وخفة روحه الصافية صفاء النبع وصدق نبرته الشعرية وهذه صورة صادقة لما قلناه من قصيدته «صور تلوح لخاطر المعمود»
صور تلوح لخاطر المعمود ما بين أرباض المنى والبيد
خفاقة فيها بنود العيد بسامة فيها ثغور الغيد
تجلو رؤى ماضي الهوى المفقود
فأسلوبه الكتابي مألوف، لم يتبع الطرق المبتذلة في اللون واللحن والمعنى، هادىء، رزين غير متملق أو متصنع، بل يبث روحه في الشعر بثاً روحانياً لطيفاً يروي العطاش إلى المعنى واللحن
وكان الشاعر عريضة يشعر بالغربة شعوراً عميقاً
غربته عن الوطن ومعاناته المادية ومعاناته الروحية
والغربة الروحية لديه كانت أعمق وأصعب ، تحزّ في أنفاسه كحد السكين
فصب غربته في شعره صباً كان له وقع شجي يصوغ فيه ألواناً من الحيرة ووصف الوحدة والوحشة
لمن الديار تذوب من تذكارها من بعد طول نوى وفرط جحود
يا موثقاً من شوقه بقيود
يا قلب ما هذا الخفوق وما ترى في ما توهجه الخيال وصورا
تبكي كأنك بعض أفئدة الورى وظننت أنك صرت صلب العودا
أشجتك رؤيا يا أخا الجلمود
ومن أجمل قصائده الوطنية (الحنين إلى فلسطين)
فلسطين من غربة موثقة براعيل في الكربة المطبقة
فتعلو وتهبط منا الصدور ونهفو و أبصارنا مطرقة
ومن خلف هذا الخضم البعيد نحييك بالدمعة المحرقة
جهادك أورى زناد النفوس فطارت شرارتها مبرقة
جهاد ملأت به الخافقين فضاقت به القوة المرهقة
إن روحه الشفيفة تتغلغل وتتفاعل مع الأحداث وهو قابع خلف البحار البعيدة
وكان وقع وفاة شقيقه سابا المتوفى في ربيع شبابه بعد الحرب العالمية الأولى شديداً على نفسه المتعبة، وما آلت إليه حالته المادية والنفسية كل ذلك كان له تأثير كبير على جسمه القوي فأصيب بمرض في الكبد والقلب، ووافته المنية في مدينة بروكلين يوم الاثنين 25 اذار 1946 قبل أن يرى ديوانه النور، وأقيمت له حفلة تأبين كبرى...
اعداد: عفاف حلاس
المصدر: العروبة إرسال الى صديق عــودة
|