منذ أيام رحل الباحث الناقد د. تامر سلوم عن عالمنا بعد أن ترك عديداً من الدراسات والأبحاث النقدية المتعلقة بالشعر والنقد, أهمها ما ورد في كتابه « الأصول» و د. تامر سلوم كان استاذاً مدرساً في قسم اللغة العربية - جامعة تشرين وناقداً يعادل فيما قدّمه النقاد العرب الكبار الذين تركوا بصمات في هذا المجال الأدبي الذي نفتقده.
غادر الى السعودية للعمل في إحدى جامعاتها، وهناك لم يغفل ما بدأه وإنما استمر في تدوين رؤاه النقدية، حتى وافته المنية وقد كان لي شرف اللقاء به منذ سنوات ليست ببعيدة واجراء حوار مطول معه تركز حول العملية النقدية، والمنهج النقدي الذي اتبعه في مؤلفاته، وتتبع النقد للتاريخ الشعري العربي.
نشر الحوار في مجلة "تشرين الاسبوعي" حين كان يشرف على صفحاتها الثقافية آنذاك الروائي والصحفي "خليل صويلح" وتعود بي الذاكرة الآن إلى ذلك الحوار واختار بعض النقاط الهامة التي وردت في حديث الدكتور الراحل تامر سلوم حول المنهج النقدي الذي اتبعه في مؤلفه "الأصول":
يقول هناك أنماط أساسية تعاقبت على قراءة تراثنا النقدي منها نمط القراءة الانطباعية وهو نمط ينطلق من نظرية التعبير التي كانت صياغة نقدية للرومانسية، ومنه انطلقت قراءات لتراثنا النقدي من أمين الخولي وطه حسين ومحمد مندور وعبد القادر القط، وهنا نمط القراءة التاريخية للتراث النقدي وتمثله قراءة شكري عياد لأثر كتاب أرسطو طاليس في الكتاب النقدي.
وهذا النمط الوضعي في منظوره التاريخي يعني أن التراث يقع هناك في الماضي منفصلاً عن قارئه غير قابل للاستعادة أو الإسقاط وهذا نمط القراءة الحديثة الذي طرحه أدونيس في "الثابت والمتحول" وقبله مصطفى ناصف في الصورة الأدبية ونظرية المعنى في النقد العربي القديم، وأستطيع أن أقول إن منهجي النقدي هو هذا النمط من القراءة وهو منحاز إلى التجاوز وإلى الإبداع.
وهي قراءة تبرز الثابت لتنفيه, وتؤكد على الإبداع لتنطلق منه ومنطلقها الفاعلية اللغوية للأدب أو المنهج اللغوي - الجمالي الذي ينظر إلى الشعر لا بوصفه نظرية ولا موقعاً وإنما بنية تعبيرية لبنية لغوية، وهو منهج يقف عند "كل مسبق "أياً كان، وترجمة للأفكار والنظريات - أدبياً - لها معايير واضحة منطقية مباشرة تفترض الوضوح والحقيقة بينما الإبداع يقوم على الالتباس والغموض والتناقض وتعدد الدلالات وتضاربها ولا يعد أجوبة بل يفتح آفاقاً كما يقدم علاقات لغوية جديدة تقيم مع الواقع علاقات تغيير، والمنهج اللغوي الجنالي أو المنهج الحداثي يضفي على الكلام والأشياء وجوداً آخر ويوحي بصورة أخرى مغايرة لصورها الحقيقية أو المباشرة ويستقصي علاقاتها ورموزها وصورها، ولهذا يفترض المنهج اللغوي الجمالي شروطاً كثيرة أهمها القدرة على استعادة الحالة الشعورية الخيالية والقدرة على التذوق والتقويم الجمالي.
وكان الهدف من اختياري مرحلة معينة من تاريخ الشعر العربي هو أن أفتح ثغرة من الضوء على أصول الثقافة العربية وخاصة الأصول النقدية وأن أبين كيف أن القيود الروحية واللغوية قد أثرت على هذه الأصول ولعبت دوراً في تغليب الثابت على المتحول والمرئي على اللامرئي والقريب على البعيد والتكرار على الإبداع.
والغاية الثانية من كتابي الأصول هو تحرير الثقافة النقدية العربية من قيودها القديمة والتمهيد لثقافة نقدية عربية جديدة قائمة على الابداع والتغيير والحرية .والجديد الذي طرحته في هذا الكتاب هو انه خلق حساسية نقدية مغايرة وخلخل البنى النقدية الثابتة وأسس رؤيا نقدية, وفهماً نقدياً جديداً، وتذوقاً نقدياً جديداً، ومع أن هذه الحساسية, وهذا الفهم وهذا التذوق قد سبق إليه مصطفى ناصف وأدونيس إلا أن الإضافة في هذا الكتاب يمكن أن تلخص في سؤال واحد كان بالنسبة لي هاجساً مقلقاً هو لماذا التراث؟
وفي هذا السياق أستطيع أن أزعم أنني خلقت مسافة بيني وبين مصطفى ناصف وأدونيس أو أنني أوصلت الأصول النقدية الجديدة إلي أقصاها، وأنا مدين في كتابي إلى كتابات مصطفى ناصف وأدونيس التي كانت تقودني دائماً أمام حالة لا أرى فيها تقليداً وإنما كنت أرى فيها الذات العميقة الأصلية.
*وقد ورد في دراسته وأبحاث العديد من الشروح والرؤى النقدية عن القصيدة الحديثة ويبرز فيها أن القصيدة الحديثة هي خلق ليس فيها أثر للذاكرة يقود القارئ باتجاه المجهول في بنية شكلية غير معروفة وغير مستقرة، وأنها البحث أبداً والسعي وفقاً لمذاهب الألسنية ولا سيما في المقروء، عدم التنقيط, الفواصل الجديدة, المساحات أيضاً أو القراءات الكتابية في "هوامش" استعمال الخط المائل, تشكيل الأحرف المكتوبة، معادلات أحرف الكلمة الواحدة وبنظره كل هذه المسائل عامة تجعل القصيدة نسقاً متموجاً يمكن أن تمتزج فيها وتنصهر مختلف الأشكال الكتابية الممكنة، وعلى الناقد أن يواجه في تقويم نص شعري ما، ثلاثة مستويات: مستوى الرؤيا ومستوى بنية النص ومستوى اللغة الشعرية، وأن يفتح آفاقاً تجريبية جديدة في الممارسة النقدية وابتكار طرق للنقد تكون في مستوى الإبداع الشعري وفهم التغييرات التي طرأت على القصيدة وقد ركز أيضاً في أبحاثه النصية على أنماط القراءات النقدية التراثية.
وأهمها القراءات الانتقائية، وروادها، والقرارات التنويرية والقراءات التنويرية والقراءات التي تسعى إلى الكشف عن تكوين العقل العربي.
هناك دراسات أخرى قدمها لنا الراحل د . تامر سلوم ونأمل من أهل الاختصاص الدخول في تفاصيلها وتبيان دورها في العملية النقدية مع مقارنات بما قدمه آخرون في هذا المجال.
مها المؤيد
المصدر: الوحدة إرسال الى صديق عــودة
|