أكثر ما يؤثّر بك عندما تلتقي هذه الإنسانة الستينية ذات الجسد الضئيل والعينين اللامعتين هو تأثيرها بك، تشعر بذاتك أولاً عندما تراها، وهذا ما يأسرك لتتعرّف إليها أكثر وتحاول أن تلتقي بها مرّة أخرى.
وربما هذا ما دفع الكثيرين للشراكة معها والانخراط في أعمالها التنموية والإنسانية بآن واحد، يتعرفون على ذواتهم الجميلة ويدركون أن أحداً ما يدرك هذه الذات ويحترمها، وهذا الشخص هو ماري كلود نداف رئيسة دير راهبات الراعي الصالح في باب توما بدمشق، والتي لن تعثر عليها في مكان واحد، فهي تارةً في سجن النساء في دوما أو في دار التأهيل للأحداث الجانحات، وتارةً أخرى في مركز هاتف الثقة للنساء المعنفات، أو في إحدى ورشات العمل مع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية التي تعمل من أجل الأسرة وبنائها..
من قريتها الصغيرة خريبات في طرطوس انطلقت لتبدأ رسالتها الإنسانية في العالم أجمع، رسالة الرهبنة مع رهبنة الراعي الصالح، وانتقلت إلى بلدان كثيرة فرنسا ولبنان وغيرهم في مشوار طويل لتعود إلى سورية عام 1994 لتسكن قلب دمشق وهنا تعرّفت عن قرب إلى مشكلات المجتمع السوري بعمقها واكتشفت الثغرات ونقاط الضعف والقوة وبدأت بثبات وعزيمة، متيقنة أنّ يداً لوحدها لن تصفّق وأنً الشراكة مع المجتمع والحكومة هو الطريق الحقيقي للوصول إلى حلولٍ واقعية مع العمل على أرض الواقع دون انتظار لخطط واستراتيجيات وتمويل..
لتشكّل الآن فريقاً من المتطوعين والمتطوعات الشباب يتجاوز الستين يعملون في مراكز الدير مع مركز مساكن برزة لتقديم المساندة والدعم للعراقيين، ومركز خط هاتف الثقة للنساء المعنفات، ومركز الدير في باب توما لإيواء النساء المعنّفات وكذلك المتعرضات للاتجار بالبشر، بالإضافة إلى التدخل الاجتماعي في سجن النساء ودار التأهيل للفتيات.
كل هذا كان سبباً في اعتبارها من أكثر عشرة نساءٍ شجاعةً في العالم، تلك الجائزة التي لم تنتظرها ليشهد لها أنها شجاعة لكن لتعلن أنها قادرة على التعبير عن رأيها حيث تقول:"كانت هذه فرصة لأعلن أمام أكثر من 300 امرأة من منظمات حكومية وغير حكومية ومن على منبر الخارجية الأمريكية بأن هؤلاء النسوة والأطفال الذين خدمت لأكثر من ثلاثين عاماً هم ضحايا الحروب وذكرت بأعلى صوتي حرب لبنان –العراق –حرب تموز وحرب غزة."
أما الجائزة الحقيقية فهي "اعتراف من العالم ومن اللجنة (المحكمة) بأن الأعمال التي نقوم بها هي هذه التشاركية بين المجتمع الأهلي والحكومي"... وتتابع فتقول: "بصراحة كان حلم دخلت به كمغامرة قبل أن أذهب وبعد أن عدت عرفت أنها خدمة من الخدمات التي أقدمها للمجتمع، هذه الجائزة أدخلت سورية إلى أقاصي العالم الذي لا يعرف الكثير عن المجتمع السوري، فتحت آفاق وأعطيت صورة حقيقية عن البلد، بالإضافة إلى أنّي قدمت هذه الجائزة كجوهرة عن عمل الراهبات في العالم".
وبالعودة إلى الرسالة التي حملتها من رهبنة الراعي الصالح وعملت على نشرها في سورية منذ قدومها في منتصف تسعينيات القرن الماضي تقول: "عملي هو امتداد لعمل بدأ في سورية من قبل رهبنة الراعي الصالح منذ الثمانينات على إثر برنامج السالب والموجب والذي كان يعرض قصصاً حقيقية عن الظلم في المجتمع للنساء والأطفال والمحرومين والمّهمشين في الحياة، لكنه كان عملاً خجولاً على نطاقٍ ضيق وعندما أتيت ودرست الوضع وتعرّفت عن قرب عرفت مع أخوتي في الدير كم نحتاج لأخذ قرار لفتح بيت لحماية ورعاية وتأهيل المرأة، وأنشأنا نظاماً داخلياً أو تكوين كلي لدار إيواء بمعنى الكلمة ووضعناه حيز التنفيذ وأعطيناه صورة علنية".
وكان تأهيلها مساعدا قويا لها في عملها فتقول:"ساعدتني دراستي الاجتماعية واللاهوتية بالإضافة إلى ندر رابع خاص براهبات الراعي الصالح مختلف عن باقي الرهبانات هو الاهتمام بذلك الإنسان الذي شوهت صورته والمهمش وإظهار صورة الله والتفتيش عن القوة والصورة الجميلة التي وضعها الله وأنا أفتش عن هذه الصورة الجميلة".
بالإضافة إلى ذلك ساعدها في العمل قدرتها على التواصل مع مختلف الشرائح الاجتماعية والأعمار والأجناس والطوائف تقول عن هذا: "احتجت للتواصل داخل البلد وخارجها وساعدني على ذلك القدرات التي أعطاني إياها الرب في العلاقات الإنسانية وهي التي ساعدتني باحترامي لكل إنسان أن أتفاعل معه ومقدرتي في الإقناع جعلتني قادرة على أن أعرض عملي وفكري ورسالتي إلى الآخر وهنا بكل بساطة أشعر أن الآخر بمقدار مصداقيتي يتفاعل، أما بالنسبة للصعوبات التي تعترضني فإني هنا أقول أن الحياة هي مغامرة ومعاملة بالنسبة لي ولي الحق أن أغامر بحياتي لكن ليس لي الحق بان أغامر بحياة الآخرين، لذلك يحق لي أن أتحدى الجميع لكن بنوع من الحكمة تجعلني أتكلم مع كل شخص بحسب مقدرته وبالاتجاة الذي هو فيه دون أن أوقف أو أجرح رسالتي، وبالانفتاح الموجود في الرهبنة قادرة أن أفتح أبواب كثيرة".
وتتابع فتقول: "ولم تكن هنالك صعوبات كبيرة بالنسبة للجهات الحكومية فأنا عندما قدمت طلبا إلى وزارة الداخلية للدخول إلى دار الأحداث والعمل مع الأطفال هناك وكذلك إلى سجن النساء، كأني فجرت طاقة في الدولة بأن تعطى هذه النساء فرصة لم أجد صعوبة من وزارة الداخلية لكني أعرف حدودي ومقدراتي من خلال تعهد لا أتدخل أبداً بالقضاء أخدم إنسانيا واجتماعيا كل إنسان بدون تفرقة".
ومع العمل المتواصل مع دار الأحداث وسجن النساء كان هنالك فرق استطاعت تلمّسه لكن كان شخصياً فتقول: "رأيت فرق؟ لكنه ليس خارجيا أنا لم آتي لتغيير نظام في السجون لكن أقدم ما أستطيعه شعرنا بكثير من الارتياح خاصة مع الحدث لأنه يتأثر كثيراً وعندما فتحنا له آفاق ليكتسب ثقة بذاته وارتياح أصبح قادرا على التحاور، حتى النساء يقولون لنا إننا ننتظر اليوم الذي تأتون فيه لأننا نعتبر أنّ هذا شعاع شمس جديد يصل إلى قلب كل منا، من خلال هذه العلاقات نستطيع أن نتعرف على نفسيتهم واحتياجاتهم الحقيقية ونحن نحترم احتياجاتهم وذاتهم وبوجود تشكيلة متنوعة يجعل من عملنا عمل متكامل باحترام الأديان".
أما عن مركز خط هاتف الثقة للنساء المعنفات والأول من نوعه في سورية والذي افتتح عام 2007 ليتوجه لضحايا العنف الأسري من خلال مستشارين متطوعين نفسيين واجتماعيين وقانونيين وأخصائيين بالإصغاء للنساء المعنفات بسريّة تامة وعن طريق الهاتف بالإضافة إلى دار لإيواء النساء المعرضات للخطر جرّاء العنف الأسري وتأهيلهن وتمكينهن، تقول:
"جاءت فكرة المركز من خلال الزيارات الميدانية إلى بلدان أخرى وإطلاعي على ورشات عمل ودراسة للواقع الذي بدأنا به منذ الثمانينات، وتأتي أهميته كونه يتوجه لنساء غير قادرات على الخروج من بيتهن فكان خط الثقة هو بيت يستطيعوا من خلاله أن يستفيدوا من خدمات اجتماعية قانونية ونفسية وبالمجان وتنبع أهميته بأنه جمع طاقات شبابية تعمل بشكل تطوعي، وبأنه عمل سيمتد إلى سنوات طويلة لأنه لا يتوقف على شخص محدد بل هو عمل تشاركي استراتيجي".
أمّا عن أهمية العمل التشاركي فتقول: "أضافت لي الشراكة مع المجتمع الأهلي الكثير حيث استطعت مع أخوتي في الدير أن استقطب 60 شخص شبيبة من أبناء وطني أصبحت هذه الأعمال قضيتهم، يجب أن ننشر ثقافة العمل التطوعي وأنا أعتز باندفاع الشباب، إذا لم تكن هنالك شراكة بين المجتمع الاهلي والحكومة لن نستطيع أن نبني لأن المؤسسات الحكومية بيروقراطية تحتاج وقت أما الأهلي مرن له الحرية بتقديم الخدمات بسرعة.
كثيرة هي الأمور والأعمال التي تريد أن تؤديها قبل أن ترحل إلى مكان آخر في العالم بحسب ما تريده الرهبنة في الراعي الصالح لتتابع رسالتها في بلد يحتاجها أيضاً فتقول:
أريد أن أعمل على تحسين أداء كل هذه الأعمال التي نقوم بها، وخاصة بالنسبة للعراقيين لأن معاناتهم لا أستطيع أن أتغاضى عنها وسأعمل دوما على إرسال رسائل إلى المحافل الدولية تخبر عن آثار الحرب التي لا زالت أضرارها موجودة وبقوة و هذا تحدي كبير أن أوصل خدمات للنساء والأطفال العراقيين الذين لا يوجد لديهم مكان يلجأون إليه يبحثون عن مكان ووطن فقد أصبحوا بحالة كبيرة من الاكتئاب وهذا أكبر تحدي لي".
أخيرا كان لنا وقفة مع العقبات التي تعترض عملها فتقول: "طبعاً العقبات موجودة وهذا طبيعي في كل عمل لكن لم أدعها تعرقل العمل الذي نقوم به وتتجلى هذه العقبات في عدم الحصول على موافقة أو عدم تجاوب من أشخاص تقدمين لهم كل شيء، وكذلك قلة عددنا في الرهبنة وقلة التمويل، لكن العزيمة هي وحدة نحن سنكمل هذا الخط مع مساعدة كل إنسان مهما كان بكليته بدون أي تفرقة بالدين أو الجنسية".
وانتهى لقائي معها لتعود إلى العمل على جهاز الكمبيوتر وتتابع إرسال الفاكسات والمكالمات الهاتفية كأنها ورشة عمل قائمة في ذاتها تعمل وتحلم بغدٍ أفضل لجميع المهمشين في الحياة..
خاص-الأبجدية الجديدة
إرسال الى صديق عــودة
|