اختار أبطال الجلاء يوم السابع عشر من نيسان موعداً للفرح باليوم الوطني لسورية، وهو اليوم الكبير الذي يعكس إرادة الحرية والاستقلال لدى هذا الشعب الكريم كما يعكس أكثر أيام العام خصباً وخيراً حيث يكتمل في هذا اليوم تحديداً تفجر الأنهار والينابيع في ربوع الوطن الحبيب بالخير والخصب والمحبة.
ويرتبط الجلاء عادة بأبطال الجلاء الذين نتحدث عنهم دوماً: سلطان باشا الأطرش وإبراهيم هنانو وحسن الخراط وصالح العلي، وغيرهم من الرجال الذين ألهبتهم بشكل خاص شجاعة القائد البطل يوسف العظمة وزير الدفاع في حكومة سورية آنذاك.
ولكن حكاية الاستقلال والجلاء هذه ليست إلا فصلاً في تاريخ طويل قدمه العرب للخلاص من المحتل عبر التاريخ، سواء كان هذا المحتل رومانياً أو فارسياً أو يونانياً أو بيزنطياً، وبهذا المعنى فإن من الصواب أن نتذكر أن أول بطل استقلال في تاريخ سورية كان هو النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم.
في رحلته إلى الشام مع عمه أبي طالب كان الفتى القرشي يتابع بحيرة وقلق مشهد الوطن من الحجاز إلى بصرى، الكلام عربي والثياب عربية والتقاليد عربية والطعام عربي والغناء عربي، كل شيء هنا عربي إلا الحاكم فإنه مستورد من بيزنطة!!، كيف يمكن لأمة أن تنهض وإرادتها أسيرة بيد الغرباء؟
إن علينا أن نبدأ الحديث عن أبطال سورية من اللحظة التي استفاق فيها الأمل العربي القومي على يد رسول الله محمد بعد أن كانت الأمة العربية متاعاً موروثاً للأمم تناوب على ابتزازه المستعمر البيزنطي والروماني واليوناني والفارسي، حين أعلن رسول الله بنفسه عن بدء إرادة التحرير والخلاص في بلاد الشام، وقال إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده!! وأرسل رجاله إلى مؤتة في الأردن، ثم تحرك بنفسه إلى تبوك في أول محاولة حقيقية جادة لتحرير سورية من إرادة الغرباء وليتمكن أبناء التراب السوري من حكم أنفسهم بعد أن قال هرقل البيزنطي وداعاً يا سورية وداعاً لا لقاء بعده.
كانت أول حركة استقلال وعلينا أن ندرس الاستقلال من تلك اللحظة وأن نعتبر أبطال مؤتة الثلاثة الرابضين في بوابة سورية الجنوبية عند مؤتة أول أبطال استقلال في تاريخ سورية وهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة.
هل من المبالغة في شيء أن ندرج أسماء هؤلاء في سجل أبطال الاستقلال؟ كيف نتصور شكل سورية لولا هؤلاء الأبطال الاستقلاليون الأوائل، كيف نتصور تاريخ سورية لو لم يصل أسامة بن زيد وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة وعياض بن غنم والقعقاع بن عمرو وعبادة بن الصامت ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم من قادة الفتح الإسلامي لبلاد الشام؟
كانت سورية قد عانت لثلاثة عشر قرناً من حكم الأجنبي يونانياً هيلينياً ثم فارسياً ساسانياً ثم رومانياً فبيزنطياً، ولم يكن في وارد هذه القوى العظمى آنذاك أن تمنح سورية استقلالها صدقة أو إحساناً فالحرية لا تكتسب بالمن والإحسان وإنما لها باب بكل يد مضرجة يدق، وكانت سورية تعامل ثقافياً واقتصادياً كتابعة تسويقية للقسطنطينية ومن قبل لروما، وكان ممنوعاً على السوري أن ينهض.
حين قرر السوري الجبار أن يبني حضارته بإرادته، كان المستعمر يرفض ذلك كله ويعتبر سورية مزرعة موروثة، وحين قررت زنوبيا أن تنهض بإرادة من حديد في قلب الصحراء وتمكنت من صناعة المعجزة المدهشة التي مازالت إلى اليوم محج السائح الأوروبي المدهوش، وخلال سنوات قليلة دخلت مصر والشام والأردن في المشروع العربي القومي الذي حملته زنوبيا وبالمناسبة فإن اسمها زينب بنت عمرو بن الظرب بن حسان بن السميدع العربية الآرامية مع كل ذلك السحر والمجد قرر الروماني أن ينتقم من إرادة الحرية والاستقلال، وأرسل جيوشه إلى قلب الصحراء ولم يهدأ للأباطرة جفن حتى تمكن أورليانوس من تدمير (تدمر) وأسر زنوبيا وحملها إلى روما، وأعلن انتهاء الحلم العربي السوري في الاستقلال حينها.
وكان من الممكن أن تنتهي أي إرادة استقلال وفق التراجيديا التي انتهت بها ثورة الزباء، ولكن ذلك كله تغير يوم قرر النبي الكريم أن يوجه بصره صوب الشام ويطلق دعوته الصادقة (اللهم بارك لنا في شامنا)، وأعلن أن الشام (فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى في أرض يقال لها دمشق في غوطتها هي خير مدائن الله يومئذ).
لم يحصل أن النبي الكريم قاد خيله خارج منطقة الحجاز إلا مرة واحدة كانت وجهته فيها أرض الشام، وكان تحرير سورية حلمه الدائم، يؤرقه ويقلقه، وقد أرسل لتحرير الشام الأبطال الثلاثة زيد وجعفر وابن رواحة، وحين استشهد الأبطال الثلاثة في مؤتة على بوابة سورية الجنوبية احتسبهم عند الله وأعلن عن قيام جيش العسرة في أيام الصيف القائظ وقاد الجيش بنفسه نحو الشام، وبلغ تبوك ودومة الجندل، ثم عاد وجهز من فوره جيش أسامة وزوده بأكبر الخبرات لديه ومع أنه دخل مرض الموت ولكنه ظل يقول أنفذوا بعث أسامة، ومات وهو يقول على فراش الموت أنفذوا بعث أسامة!! وقد وصل أسامة برجاله إلى البلقاء عند مدينة عمان الأردنية وأسس لأول مواجهة حقيقية في سورية بين الروم وبين العرب.
كان من الممكن أن يتغير كل شيء لو أخفق أبطال الاستقلال الأوائل في عصر الرسالة عن إنجاز مهمتهم في سورية وكان تاريخ سورية سيستمر كواحدة من المستعمرات البعيدة للروم وراء البحار، وكانت دمشق وحلب تداران من القسطنطينية كما تدار اليوم سبتة ومليلة من مدريد، أو كما تدار كورواساو وجزر الكاريبي من هولندا.
إنهم أيضاً أبطال استقلال كبار وينبغي ألا ننساهم في غمار حديثنا عن الشهداء وأن نرسل لهم أيضاً باقة زهر وأن نحييهم باحترام.
قد لا تكون الأماني الإقليمية في أهدافهم حين تحركوا للجهاد، ولكن من يستطيع أن يزعم أنهم لم يكونوا يجاهدون في سبيل الله والمستضعفين في الأرض، وهل هناك دفاع عن المستضعفين أقدس من تمكينهم من الحرية والاستقلال عن أعدائهم، وهو بالضبط ما حققته ثورة النبي الكريم ورجاله الشرفاء من بعده، حين أسسوا لمجد العرب ومجد سورية على أساس من الحرية والاستقلال، وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون.
المصدر: صحيفة تشرين إرسال الى صديق عــودة
|