- كلمـة -
من مفكرتي خلال سنوات مضت
اختلستُ لك قارئي هذه النصوص التي تراوحتْ
ما بين خواطر انتابتني
وحكايات أؤكد لفضولك
أنها حقيقية الأحداث
قد تُودِع في أرض مئة بذرة، ولا ينبت منها سوى بذرة، حينئذ، ليتك تقول لوردتك الوحيدة التي تفتحتْ: صباح الخير، بدلاً من أن تقول: وأين ورودي الأخرى؟!
*
طلب مني اليوم أحد الأصدقاء، أن أقوم بمبادرة صغيرة تجاه إحدى اليتيمات. لا أدري لماذا غلَّف طلبه بذلك القدر من التردد والحرج؟ نسيتُ أن أسأله لماذا؟ ألا يعلم أن ما سألبيه يمتُّ بصلة قرابة وثيقة إلى مذهبي الإنساني؟ ألا يعلم أنني أتمنى لو كان الوقت يكفيني لأسلّم على كل اليتامى والثكالى؟ كل الحزانى والمحرومين؟ كل من هجأ يوماً الألف واللام والميم؟
*
منذ زمن بعيد، وأنا أداوي خدوش الناس، وجراحي نازفة. وسأبقى ناذرة نفسي لهذا، إلى زمن بعيدٍ بعيدٍ، إلى ما بعد أن ينام صوتي، ويضيء صمتي.
*
في يوم السبت، الثاني من حزيران 1984، أتاني في الساعة الثالثة ظهراً من خلال أسلاك الهاتف صوت والدي باكياً، ليزفّ إليّ ذلك النبأ، نبأ رفضهم استكمال تعييني معيدة في الجامعة، فقط لكوني مكفوفة البصر. وفي هذا اليوم، يوم السبت، الثاني من حزيران 2001، جلس في الساعة الثالثة ظهراً والدي بجانبي، ليقرأ عليّ باكياً، متعثراً ما بين عبارة وعبارة، كلمة وكلمة، مقالة كتبها حول تجربتي في الحياة والأدب صحفي مرموق، في صحيفة عربية مرموقة.
*
ما صلة القربى رفيقي، ما بين الألم والقلم؟ هل هي أن أولهما.. مداد ثانيهما؟
*
كل يوم عبر حياتنا محطة، محطة بيضاء أو سوداء، لا ندري ماذا ينتظرنا فيها.
*
حظيتُ مؤخراً من صاحب أحد الأقلام، بلقب عميدة الأدب السوري، وذلك عقب اطلاعه على ملامح من سيرتي الحياتية وتجربتي الأدبية. إن من واجبي مؤكداً، أن أبدي كل مشاعر التقدير والعرفان تجاه هذا الكاتب والإنسان، مثلما أبدى هو تجاهي بكليتي، لكن لا ينبغي أن أخفي في الحين ذاته ما حمَّلني هذا اللقب من أرق شديد، ومسؤولية ضخمة، إذ وجدتُ أنني منذ هذه اللحظة، ينبغي أن أسعى حقاً، لكي أكون عميدة الأدب السوري.
*
أدرك أن هناك دورة زمنية، لها النهاية مثلما لها البداية، لها السقم مثلما لها العافية، لها الذبول مثلما لها التفتح. فلماذا أنسى هذا كله؟ وأبدو جاهلة به كل الجهل، حين تدور دائرة أحبائي؟
*
يتساءلون دائماً: هلا تسامحتِ مع الذين أساؤوا إليك، عبر ليل حياتك الطويل؟ أجيب دائماً: معيبٌ لمثلي ألا يتسامح، وألا يغسل قلبه مراراً من كل ذرة ضغينة قد تسوِّد بياضه. إلا أنني أستدرك متسائلة: هل هذا يعني أن عليّ أن أساوي ما بين المسيئين والمحسنين؟ من الإجحاف أن أساوي؟ من اللاعدل أن أساوي، لأن كلاً في النهاية ترك صورته التي أرادها هو، لا التي أردتُها أنا.
*
حين كان شرطياً، كان يطارد اللصوص في الدروب. وحين لم يَعُد شرطياً، صار للصوص رفيقاً، يرشدهم إلى المنافذ.
*
عليّ هذا المساء، أن أؤدي خلال ساعة واحدة واجبين اثنين: أحدهما تجاه ولادة، والآخر تجاه وفاة. أنا الآن حائرة أيها الزمان ما بين ضفتيك.
*
كم هو الفارق شاسعٌ، ما بين الصحف التي أنزلها الله إلينا، وصحفنا التي نرفعها إليه! أليس هو الفارق ذاته ما بين السماء والأرض؟!
*
ماذا يعني ما علمتُه اليوم؟ ماذا يعني أن يكف كاتب عن الكتابة؟ بفعل ما استنفدتْ سنه التي تتقدم من ينبوع طاقاته وذخيرته. أليس هذا توقف الأنفاس؟ ألا يحاكي مداد الكاتب أنفاسه؟ كم أرجوك زماني، أن توقف نبضي قبل كلماتي، إذ ما من أمر أشد على الإنسان، من أن يعيش موته وهو لا يزال حياً.
*
كثيراً ما أنهض من نومي، مشحونةً بحلمٍ قد رأيتُه، ثم لا ينقضي النهار، حتى يكون حلمي قد صار واقعاً، فأقول لصحوتي: إذا كنتُ لا أستطيع أن أجتلي أسرار نفسي، نفسي التي أمتلكها، وتخصني بمفردي، فكيف يمكنني إذن أن أجتلي أسرار الكون وخالقه؟ ألا يبعُد هذا عني كما تبتعد الذرة عن إدراك كياني؟
*
إذا كنتُ أنا غير حزينة على نفسي، بالرغم من كل شيء، بل أمتلك من السعادة الداخلية ما لا تمتلك أنتَ والكثيرون، فلِمَ إذن حزنك عليّ؟! لِمَ إصرارك على أن لديّ هماً ينبغي أن تسكن تحت عريشته؟!
*
كثيراً ما يتواصل معي قرائي، مبتغين الدنوّ من ينابيع سطوري، وكثيراً ما ينهون تحاورهم معي متأسفين، لظنهم أنهم شغلوا حيزاً من وقتي الذهبي، فأجيبهم بكلماتي أو بصمتي: وكيف كان لوقتي أن يصير من ذهب، وكذلك لسطوري التي يسبكها، لو لم أفتح أبوابي ونوافذي على ألوانكم؟!
*
قد لا يكون مجدياً لك دائماً، أن تفتش عن رفيق الطفولة، أن تلتقيه وتحاوره، لأن رفيقك الذي كان طفلاً، ربما غفا إلى الأبد في مجاهل شخصه الذي استطال.
*
كل مرحلة جديدة أطرقها، في البدء تغرّبني، كما لو أنها بلد جديد، وجه جديد، ثم شيئاً فشيئاً آلفها، شيئاً فشيئاً أصادقها، إلى أن تغدو يوماً إحدى قريباتي.
خاص - الأبجدية الجديدة إرسال الى صديق عــودة
|