يتوقف مستقبل النظام الرأسمالي على مدى التغيير الذي سيطرأ على الأخلاقية السائدة في المجتمع، وعلى إدراك الجميع أن مبدأ المسؤولية الاجتماعية لا يقل أهمية عن مبدأ السوق الحرة، أما إذا تجاهل المجتمع هذه الحقيقة، فإن اقتصاد السوق معرض للمصير نفسه الذي تعرضت له الاشتراكية، الانهيار والاختفاء من الوجود.
بهذه النتيجة الحاسمة ينهي أولريش شيفر كتابه "انهيار الرأسمالية"، والسطور القليلة السابقة هي ما استخلصه من قراءته للنظام الرأسمالي، وللأزمات التي تعصف به من خلال فحصه الدقيق لظواهر ذلك النظام، وما يعتريه من جوانب ضعف وقصور، فالنظام الرأسمالي الذي فيه نوافذ يستطيع البعض المرور منها نحو الأعلى، لا يزال يحتوي بالوقت ذاته، على نوافذ يسقط منها كثيرون نحو الهاوية، وما زال هذا النظام يفرز المزيد من التفاوت الطبقي، واللاعدالة الاجتماعية، والفوضى، والاستقطاب الاجتماعي.
ووفق قناعة الكاتب، فإن اقتصاد السوق المتكفل بالرعاية الاجتماعية، قد استعيض عنه بنموذج جديد يتصف بالأنانية والوحشية، وهو يطلب من بني البشر ما لا طاقة لهم به، فقواعد هذا النموذج لا تحددها الدولة، بل تمليها المشاريع العملاقة وأسواق المال، إذ كفت الدولة ومعها السياسيون المنتخبون منذ ثلاثين عاماً عن التدخل في عمل اقتصاد السوق، تاركين قوى السوق تصول وتجول بالنحو الذي يطيب لها، أي أن الدولة والسياسيين تركوا الاقتصاد الوطني لتوجهه حفنة من رجال تهيمن على الشركات العملاقة والمصارف، ولا تتمتع بأي شرعية ديمقراطية، ويصل الكاتب عبر هذا التحليل إلى ضرورة إعادة رسم دور الدولة الاقتصادي، وضرورة ضبط الأسواق، وعدم تركتها لتستمتع بحريتها كما يحلو لها، فحريتها المطلقة تعني في النهاية خراب اجتماعي واقتصادي كبير كانت الأزمة المالية الراهنة شاهداً عليه.
يستعرض الكاتب وتحت عنوان :منظرو الرأسمالية الجديدة" آلية التحول في الفكر الاقتصادي خلال الثلاثين عاماً المنصرمة، وكيف وقع الساسة في أكبر الاقتصادات العالمية، في كل من أمريكا، وبريطانيا، وألمانيا، تحت تأثير منظري المدرسة النقدية، ومدرسة اقتصاد العرض، إذ يشرح "شيفر" كيف نُفذت تلك السياسات وما ترتب عليها من نتائج اجتماعية واقتصادية خطيرة لم تكن في حسبان من نظًَّر لها، ذلك لأن تلك المدارس حيدت المجتمع من تحليلها الاقتصادي، واعتنقت الاقتصاد على أنه "فقط اقتصاد".
يفرد الكتاب ثلاث فصول مطولة لشرح أزمات أسواق المال التي عصفت بالعالم، بدءا من الأزمات المالية في دول جنوب شرق آسيا، مروراً بأزمة شركات التكنولوجيا، أو ما عرف بانهيار فقاعة أسهم شركات "الدوت كوم" وانتهاء بأزمة الرهن العقاري التي هزت النظام الرأسمالي نهاية عام 2008، ويتحدث الكاتب كثيراً عن نوبات الجشع التي تنتاب أسواق المال والمتعاملين فيها، كما يتحدث أكثر عن تزوير الحسابات، وتهريب الأموال، والتهرب الضريبي، والفساد الكبير والصغير في الشركات المدرجة في تلك الأسواق، والأساليب الملتوية واللا أخلاقية التي كان يمارسها مدراء وقادة الشركات لمجرد تعظيم أرباح شركاتهم، دون اعتبار لأي شيء آخر، دون أن ينسى شرح الفجوة الكبيرة التي حصلت نتيجة المضاربات المالية بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المالي، وكيف بات بإمكان شركة تكنولوجيا أدرجت حديثاً في البورصة أن تصبح قيمتها السوقية أكبر بأضعاف مضاعفة من قيمة شركة مدرجة منذ عقود.
يحتوي الكتاب على دعوة صريحة لصانعي السياسة بضرورة تدخل الدولة، ولجم الأسواق، وكبح نشاطاتها دون إعاقتها، كما يدق ناقوس الخطر عندما يتنبأ بمزيد من الأزمات التي ستصيب النظام الرأسمالي مستقبلاً إن بقيت الرأسمالية محررة من القيود، ويعتقد الكاتب أن الأزمة المالية الحالية ستترك آثاراً اقتصادية واجتماعية قد تمتد إلى عشرات السنين، ويقول "ستواصل الرأسمالية مسيرتها كأنها إنسان أصيب بحادث مروع وهو في غمرة السكر، وفقد وعيه منذ أسابيع كثيرة، وسيعود إلى وعيه ثانية في يوم من الأيام بلا أدنى شك، وقد يواصل هذا الإنسان تعاطي المسكرات ثانية، وقد يكف عنها ويغير أسلوب حياته جذرياً"، أي أن الرأسمالية إما أن تعيش نشوة جديدة وجشع مهلك ثانية، أو عليها أن تغير من نمط إدارتها، وإلا فإن الهاوية باتت وشيكة.
في هذا الكتاب استطاع "شيفر" الاستفادة من مهاراته وخبرته كصحافي اقتصادي من خلال قدرته على رصد التفاصيل الدقيقة والطريفة والغريبة، للواقع الاقتصادي في الغرب بشكل عام، وفي ألمانيا بشكل خاص، وهو ما أعطى الكتاب الصبغة السردية الشديدة الواقعية، بدلاً من الصبغة الأكاديمية النظرية، مما جعله ينتمي إلى نمط كتب "المشاهدة والتوثيق" أكثر من انتمائه إلى نمط كتب "التحليل" فالكتاب مليء بالتفاصيل والشواهد اليومية الحية التي تضع القارئ ضمن حركة النظام لحظة بلحظة، من أسواق المال، إلى المصارف، إلى المستثمرين والمضاربين، إلى تصرفات وتصريحات رجال السياسة حيال الأحداث الاقتصادية ، مروراً بتفاصيل المحاكمات الاقتصادية لمن كان لهم اليد في خلخلة أركان النظام الرأسمالي خلال أزمة الرهن العقاري التي عصفت به.
كتاب انهيار الرأسمالية من إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، ترجمة الدكتور عدنان عباس علي، ظهرت طبعته العربية الأولى عام 2010، ويتألف من مقدمة و12 فصل، ويقع في 472 صفحة من القطع المتوسط.
أيهم أسد
خاص: نساء سورية إرسال الى صديق عــودة
|