شهدت علاقات سورية بالمنظمات المالية والاقتصادية الدولية تطوراً وتحسناً مضطرداً منذ بدء سياسة الإصلاح الاقتصادي التي انطلقت في عام 2000، إذ أدت سياسة الانفتاح الاقتصادي، وتحويل الاقتصاد السوري من اقتصاد مخطط ذو ملامح اشتراكية، إلى اقتصاد تحكمه آليات السوق، إلى تعزيز الصلات مع الهيئات والصناديق والمصارف الدولية وفي مقدمتها المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين كان لهما الدور الأبرز في وضع برامج التثبيت والتكيف الهيكلي، أو ما اصطلح على تسميته بـ" توافق واشنطن" لإعادة هيكلة اقتصادات الدول الاشتراكية السابقة والدول النامية وفق اقتصاد السوق.
وتجري مباحثات سنوية بين ممثلي صندوق النقد الدولي وممثلي الادارة الاقتصادية والمالية في سورية يطلق عليها مباحثات "المادة الرابعة" التي تتيح إجراء مباحثات مع أعضاء الصندوق لمناقشة التطورات الاقتصادية والسياسات المتبعة للمضي في سياسة الإصلاح الاقتصادي.
وقد أصدر صندوق النقد الدولي تقريراً عن مباحثات "المادة الرابعة" مع الجانب السوري لعام 2009،متضمناً دراسة تفصيلية للسياسات المتبعة، ومؤشرات اقتصادية لقطاعات الإنتاج الأساسية، وملخصاً عن السياسة المالية والنقدية،مختتماً تقريره بمجموعة من النصائح التي تدعم مسيرة الاقتصاد السوري باتجاه الانفتاح والتحرير وإعادة هيكلة الاقتصاد، ويأتي في مقدمة هذه النصائح:
1 – لاحظ ممثلو الصندوق أن عجز الموازنة في عام 2009، الذي بلغ 5،5 % من الناتج المحلي الإجمالي كان مقبولاً بسبب سياسات الدعم التي ساعدت على التخفيف من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية، وتقعوا بأن ينخفض العجز في عام 2010، إلى 4,4 % من الناتج المحلي الإجمالي، لكنهم نصحوا بتخفيض هذا العجز أكثر فأكثر، ولا نعلم إذا كان المقصود بنصيحة ممثلي الصندوق هذه هو تخفيض بقايا الدعم الاجتماعي الذي تخصصه الدولة للفئات الأقل دخلاً.؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل ستنفذ الحكومة هذه النصيحة.؟
2 – لاحظ ممثلو الصندوق الحجم الكبير للاستثمارات العامة في موازنة عام 2010، الذي فاق مثيله في عام 2009، لذلك نصحوا بتخفيض هذه الاستثمارات العامة، والعمل بالتوازي على تطبيق ضريبة القيمة المضافة، خاصة أن وزير المالية السوري صرح أكثر من مرة بتطبيق هذه الضريبة ابتداء من عام 2011، وهذا ما يساعد على خفض عجز الموازنة إلى4،5 % من الناتج المحلي الإجمالي.
المقصود بالنصيحة السابقة تخفيض مساهمة الحكومة في العملية الاقتصادية، والاكتفاء بمنح الفرص للقطاع الخاص ، وجذبه إلى الاستثمار في جميع قطاعات الاقتصاد السوري، ولا ندري هنا هل من الحكمة اتباع هذه النصيحة التي تتعارض مع نهج التعددية الاقتصادية التي قام على أساسها النهج الإصلاحي في البلاد.؟! وهل خروج الحكومة من النشاط الاستثماري سيكون في مصلحة الاقتصاد السوري.؟ وهل يستطيع القطاع الخاص تقديم الاستثمارات المطلوبة من الفريق الاقتصادي والمقدرة بـ " 80" مليار دولار حتى عام 2020.؟
3 – أثنى ممثلو الصندوق على تخفيض الدعم الحكومي على أسعار المشتقات النفطية، هذا التخفيض الذي أدى إلى تحقيق مكاسب مالية، وحقق انخفاضاً كبيراً في الهدر والتهريب والاستهلاك المحلي لهذه المشتقات،وأيدوا استبدال نظام القسائم بالدعم النقدي للمستحقين،ونصحوا باستمرار هذه السياسة تجاه تخفيض الدعم النفطي، كما نصحوا بإعادة تنظيم الإدارة الضريبية،وتبسيط الضرائب غير المباشرة، والحد من ارتفاع الضريبة على الدخل.
صحيح أن توصية ممثلي الصندوق بتخفيض الدعم للمشتقات النفطية أدت إلى زيادة الإيرادات العامة وانخفاض الاستهلاك ووقف عمليات التهريب إلى الدول المجاورة، إلاّ أن آثارها الأخرى كانت سلبية على الاقتصاد السوري،وخاصة في ما يتعلق برفع تكلفة الإنتاجين الصناعي والزراعي وانخفاض قدرتهما التنافسية، إضافة إلى ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية خلال العامين الماضيين مما أدى إلى مصاعب معيشية واجتماعية عانتها الفئات الفقيرة والمتوسطة.
4 – نصح ممثلو الصندوق باستمرار تعزيز استقلالية المصرف المركزي،وتطوير سوق الأوراق المالية السوري، والإسراع في إصدار سندات الخزينة لتمويل الاستثمارات العامة،وسحب السيولة الزائدة من الأسواق، ورحبوا بإصلاح وتحسين المصارف العامة من أجل الحفاظ على صحة القطاع المالي،خاصة بعد النمو السريع لمصارف القطاع الخاص.
ولانعلم هنا، ما هو الضمان بشأن استخدام سندات الخزينة لصالح المشاريع الاستثمارية.؟ فقد تعودنا سابقاً على استخدام أذونات الخزينة لتغطية النفقات الجارية.!
5 - رحب ممثلو الصندوق بالتقدم المحرز في الانتقال إلى اقتصاد السوق، لكنهم لاحظوا أن ما تبقى من برنامج الإصلاح الهيكلي هو جوهري، ومن الضروري استكماله، وأعربوا عن تأييدهم لمواصلة التركيز على الحد من عدد السلع الخاضعة للتسعير الإداري، وتحديث الإطار القانوني والتنظيمي من أجل تشجيع الاستثمار الخاص وتعزيز القدرة التنافسية، ويرىممثلو الصندوق أن التحدي الأساسي اليوم يكمن في تنويع وتوسيع القاعدة الإنتاجية وإيجاد فرص العمل، بما يضمن تحقيق معدلات نمو مرتفعة ،ولتحقيق ذلك لا بد من استمرار تحديث القوانين واللوائح ،كما لا بد من ترشيد نظام الدعم في القطاعات المختلفة، أي العمل على تحرير أسعار السلع المدعومة ، ناهيك عن القيام بمزيد من الإجراءات التي توسع من تحرير التجارة الخارجية.
هذه النصائح تأتي استكمالاً لوصايا صندوق النقد الدولي إلى الدول لإعادة هيكلة اقتصاداتها وفق اقتصاد السوق، وبطبيعة الحال فإن وصايا الصندوق لا تهتم كثيراً بالثمن الذي ستدفعه شعوب هذه الدول بسبب تطبيق هذه الوصايا،ونسأل هنا لماذا تقع عواقب هذا التحول الهيكلي على عاتق الفئات الفقيرة والمتوسطة.؟ لماذا يدفع المواطن المنتمي لهذه الفئات ثمن التحول مزيداً من المصاعب الاقتصادية والاجتماعية.؟وهل تطبيق النصائح الجديدة سيحمل إلى شعبنا مزيداً من شد الأحزمة على البطون التي كادت أن تصبح خاوية.؟
6 - أكد ممثلو الصندوق على ضرورة إعطاء الأولوية لتحسين أوجه القصور الكبيرة في الإحصاءات وقاعدة البيانات،التي تعيق التحليل الاقتصادي وتنفيذ السياسات، مؤكدين على أن صحة البيانات الموجودة اليوم ومدى توافرها أقل بكثير مما حققته البلدان الأخرى المماثلة لسورية.
7- وأرفق ممثلو الصندوق تقريرهم بمجموعة من البيانات الإحصائية تناولت مؤشرات القطاعات الرئيسية في الاقتصاد السوري بين أعوام 2005و 2009.
لسنا مع الانعزال.. ولسنا مع قطع العلاقات مع المنظمات الاقتصادية الدولية،بل نحن مع الاستفادة من هذه العلاقات في تدعيم اقتصادنا الوطني،لكننا نصر على أن تأتي هذه العلاقات..وثمارها منسجمة مع النهج الاقتصادي والاجتماعي للبلاد،القائم على التعددية الاقتصادية من جانب، واستمرار الدور الرعائي والاجتماعي للدولة من جانب آخر،أي التوازن بين ماهو اقتصادي وما هو اجتماعي، كي لا يتحول هذا النهج إلى اقتصاد للنخبة فقط.!
المصدر: كلنا شركاء إرسال الى صديق عــودة
|