شهدت سورية خلال السنوات القليلة الماضية ظاهرة باتت أشبه ما تكون بالموضة، وهي موضة استقدام واستخدام الخادمات من بلدان البؤس المصدرة للعمالة الأسيوية والإفريقية الرخيصة، وصار المواطن السوري أو المواطنة، وتحديدا من حديثي النعمة، يتباهى أحدهما أو كلاهما وهما يمشيان بالطريق برفقة خادمتهم الآسيوية أو الأثيوبية للاهتمام بالأطفال أو لدفع عربة أو حمل أغراض الخ.
ومنذ ذلك الحين صرنا نسمع عن قصص سرقات واعتداءات وضرب وقتل ونقل أمراض الخ.. وللأمانة، فإن ظروف الاستغلال والاستعباد التي تعيشها هذه الفئة من الخادمات التي تعود للقرون الوسطى هي التي تدفعهن للانتقام من أسيادهن بشكل أو بآخر سواء بالسرقة أو الإيذاء وأحيانا القتل كرد فعل على استغلالهن بهذا الشكل البشع، خصوصا إذا كانت إحداهن ذات مسحة من جمال، أو حتى بدونها، فثمة من يرغب بها ويعتدي عليها ويسيء معاملتها دون أن تتجرأ هذه الخادمة أو غيرها على مراجعة قسم شرطة لتسجيل شكوى، كما لو أنهن قد تنازلن عن كامل حقوقهن الإنسانية سلفا مقابل ذلك المبلغ الهزيل جدا الذي ستوفره هذه الخادمة لترسله كل شهر إلى أولادها أو لعائلتها.
للأسف الشديد، فإن المادة الخامسة من قانون العمل السوري رقم 91 لعام 1959 قد نصت على أن: "لا تسري أحكام هذا القانون على خدم المنازل ومن في حكمهم إلا فيما يرد به نص خاص" وهي بذلك قد تركت خدم المنازل تحت رحمة ظروفهن البائسة، وجعلت علاقتها بمن تعمل على خدمتهم أشبه ما تكون بالنخاسة الجديدة الموروثة من عصور الإقطاع والعبودية دون أي مظلة لقانون أو اعتبار لإنسانية هذه الخادمة أو تقدير لأحاسيسها ومشاعرها وأن لها أهلا وأحبابا يهتمون بها على بعد آلاف الكيلومترات ويشتاقون إليها أو ربما أن لها أطفالا تركتهم مرغمة بعد أن حكم الفقر والبؤس عليها بأن تقضي 24 ساعة في اليوم لخدمة عائلة حديثة العهد بالمال لتلبي كل رغباتها ومتطلباتها على مدار الساعة.
قد لا يكون مثل هذا الظلم موجودا في أي دولة من دول العالم المتطورة اليوم، إذ يجري هناك تنظيم كل علاقات العمل، بما فيها خدم المنازل من حيث ساعات الدوام وأيام الراحة الأسبوعية والحد الأدنى للأجر والحق في التعويضات وبيان حقوق الطرفين والتزاماتهما ليكون هناك نوع من التوازن في هذه العلاقة.
في معرض دراسة قانون العمل الجديد في سورية، أرجو أن يكون هذا الموضوع حاضرا في بال واضعي تعديل القانون الجديد، لأن إعادة النظر في نص المادة الخامسة من القانون سيكون له آثار إنسانية إيجابية كثيرة، كما أنه قد يفتح فرصا أمام السوريات ذوات الكفاءات المتواضعة للعمل في هذا المجال، خصوصا عندما تعرف الواحدة منهن حقوقها وواجباتها وساعات عملها. أما إذا استمر العمل بهذه الطريقة الاستعبادية الحالية، فلن يرضى أحد مهما كان فقيرا أن يرسل ابنته أو أخته أو زوجته للعمل في خدمة عائلة على مدار الساعة دون أن يكون لها بالمقابل حقوق واضحة وصريحة، وغياب مثل هذه التشريعات هو الذي فسح المجال لقدوم تلك الفئة من البشر من تلك المناطق التي هي أكثر بؤسا وفقرا للحلول محلهم في هذه المهنة.
الغاية من وجود القوانين الطبيعية هي خلق حالة من التوازن في الطبيعة والبيئة، وهذه الغاية هي ذاتها من وجود القوانين الوضعية في العصر الحديث، خصوصا بعد التطور الحاصل على صعيد الحقوق والحريات. فما المانع من أن ينظم قانون العمل الجديد، من ضمن ما ينظمه، هذه العلاقة ما بين الخادم والمخدوم حتى في المنزل حينما تستدعي الحاجة وجود أحد يخدم في الداخل، ولا يضار أحد على الإطلاق لو عمل قانون العمل الجديد على تصحيح هذه العلاقة لتكون سورية بذلك رائدة في هذا المجال وتصبح قدوة لباقي الدول العربية التي لا تزال تنظر إلى خادمات المنازل على أنهن عبارة عن "روبوتات" مع وجود ميزة في هذه الروبوتات البشرية لم تخطر بعد على بال مصممي الروبوتات الآلية أن يضمنوها في تصاميمهم. ولا يستبعد أحد أن يقوم أحد السفهاء في يوم من الأيام بالطلب من شركة يابانية ما أن تصنع له روبوتا خاصا به ويتضمن هذه الميزة، ولا أظن أن الخبراء اليابانيين سيقفون عاجزين عن تلبية مثل ذلك الطلب الإلكتروني.
المصدر - كلنا شركاء إرسال الى صديق عــودة
|