نعايد الجميع بذكرى ثورة الثامن من آذار، ونود أن نثير حال شارع الثورة وسط مدينة دمشق والذي أريد له (عند إنشاؤه) أن يجسد معاتي الثورة من تطور وبناء وحضارة. إلا أنه ومع الأسف يعاني هذا الشارع ما يعانيه من تشوه بصري وعلى مدى سنين طويلة دون أن نتلمس حلولاً خدمية وتجميلية متكاملة تجعل من هذا الشارع بالفعل شارعاً يجسد الحالة المتطورة التي سعت إليها الثورة.

صورة فضائية لشارع الثورة من Google Earth
فهذا الشارع الذي يصل شارع بغداد بمدخل سوق الحميدية، مروراً بمدخل سوق ساروجة ونهاية شارع الملك فيصل ومنطقة البحصة والسنجقدار ويتقاطع مع شارع النصر، ويعتبر أحد المحاور الرئيسية في قلب العاصمة دمشق، ولا يمكن لمن يزور دمشق محاولاً الوصول إلى أهم ما فيها أي دمشق القديمة إلا المرور من هذا الشارع، مما يجعل منه شارعاً يستحق بالفعل أن تبذل من أجله العديد من الجهود لتجميله وإعادة هندسته وجعله لائقاً للاسم الذي يحمله وللمهمة المناطة به وليعطي انطباعاً ممتازاً للمواطن والسائح الذي لا بد له من المرور به.
وبجرد تفاصيل هذا الشارع بدءاً من شارع بغداد، نجد أننا نبدأ ببعض الأبنية الطابقية القديمة على جانبي الطريق ليأتي بعدهم بنائين مرتفعين يعرفان بأسم أبنية الطيران على اعتبار أنهما بنيا لصالح جمعية سكنية تتبع "مؤسسة الطيران العربية السورية"، وهما بنائين رماديين فيهم العديد من التشوهات البصرية كالكابلات والمكيفات عدا عن اللون الرمادي المتسخ الذي يكسوهما، ومن وقت لآخر نجد عليهم بعض اليافتات الإعلانية العملاقة والتي غالباً ما تسبب المزيد من التشوه لهذين البنائين.

بنائي الطيران في شارع الثورة (Google Earth)
يأتي بعد هذين البنائين حفرة كبيرة، وعلى الأغلب أرض هذه الحفرة تعود بملكيتها إلى مؤسسة الطيران العربية السورية، وتعتبر من أكثر التشوهات في هذا الشارع وتتسع لبنائين آخرين أو مشروع كبير أو مرآب ضخم. ورغم أننا لسنا من مشجعي المزيد من الإسمنت وسط العاصمة، بل ندعو إلى تفريغ مدينة دمشق من العديد من المباني وخصوصاً المباني الحكومية وتحويل المساحات التي تحتلها تلك المباني إلى مساحات خضراء وأماكن خدمية مختلفة كمرآب للسيارات أو لباصات السواح أو لوضع نصب سياحية مختلفة تحكي تاريخ سوريا وتزيد من عوامل الجذب للسائح، وتخفف من الإزدحام المتعلق بضرورة مرور المواطنين من هذه الشوارع لإتمام معاملاتهم الحكومية.

حفرة كبيرة عمرها عشرات السنين وسط شارع الثورة (Google Earth)
وفي حال كان هناك إشكالات تتعلق بطرق استثمار هذه المساحة، فلماذا لا تقوم محافظة دمشق باستثمارها مؤقتاً كموقف للسيارات ذو مظهر حضاري أو مساحة خضراء بدلاً من هذا التشوه ريثما يتم حل الإشكالات المتعلقة بها.
نتابع مشوارنا في شارع الثورة لنجد بناء حديث قيد الإنشاء لمؤسسة الطيران العربية السورية وهو بناء أنيق رغم عدم وجود ما يميزه من ناحية العمارة الخارجية باستثناء الواجهة الزجاجية التي تعطي طابع حداثة للبناء.
يقابل الحفرة المذكورة أعلاه والبناء الحديث لمؤسسة الطيران في الجانب الآخر من الطريق مجموعة من الأبنية الحكومية مثل المؤسسة الإجتماعية ومؤسسة التأمينات والمعاشات وهي أبنية توحي، وبعد سنوات من انتهاء العمل بها، بأنها ما زالت قيد الإنشاء. فالعشوائية واضحة في هندستها الخارجية، والرصيف المجاور مليء بالتشوهات وعدم التجانس.
على الطرف الآخر نصل إلى بناء المصالح العقارية، ويسبقه حفرة توحي بالبدء بمشروع جديد نرجو ان لا يحتاج إلى عقود من الزمن كغيره من المشاريع لمجاورة، إذا بناء المصالح العقارية هو الآخر بناء مشوه ومكتظ بالمراجعين حتى يكاد المرء يفقد القدرة على التنفس داخل بهو هذا البناء من كثرة الإزدحام، وفي هكذا ظروف يبدو من المستحيل أن نطمح لشكل حضاري للبناء ولما حوله.
وهنا نطرح التساؤل القديم الجديد، متى سيتم إفراغ وسط العاصمة من المباني الحكومية؟؟ لقد سمعنا كثيراً عن المجمع الحكومي ولكن متى؟؟
علينا أن نعترف جميعاً أن القيمة الاقتصادية الأهم لدمشق تكمن في الاهتمام بالجانب السياحي لدمشق القديمة، فالمعاملات الحكومية لا تختلف رسومها وعائداتها المختلفة فيما إذا تممت من خلال مبان تقع في وسط المدينة أو في أطرافها، وكذلك عدد من النشاطات الأخرى مثل مكاتب الاستيراد والتصدير على سبيل المثال، فهذا النوع من المصالح لا يأتي بقيمة اقتصادية مختلفة فيما لو كان في وسط المدينة أو في اطرافها، وهكذا... في حين أنه بالطبع لا يمكن تغيير موقع دمشق القديمة ذو القيمة الاقتصادية الهائلة. وبالتالي يجب تسخير كل ما يحيط بدمشق القديمة من أجل تخديم هذا الجزء من المدينة. وهذا الأمر يشمل إيجاد مساحات خضراء، ومساحات للتنقيب ومساحات لوقوف السيارات والباصات والنصب التاريخية التي تروي تاريخ سوريا وأهم معالمها السياحية ومكاتب الاستعلام السياحية والمطاعم والفنادق ذات الطابع التراثي... إلخ.
بالعودة إلى تفاصيل شارع الثورة حيث يقابل بناء المصالح العقارية بناء سوق الخجا، وهو بناء له طابع دمشقي جميل وخصوصاً بعد أن طلبت محافظة مدينة دمشق من أصحاب المحال في هذا السوق تنظيف البناء مما أعاد له الحياة بعد أن كان قد تحول كغيره من المباني المحيطة إلى مبنى متسخ ذو مظهر غير لائق. ولكن هناك عدد من أصحاب المحال يصر على تشويه مظهره الجميل من خلال تعليق الحقائب كيفما شاء وفي الممرات مع لصق عشوائي للإعلانات على الجدران الجميلة لهذا البناء.
والسؤال المطروح أمام مهندسي المحافظة كيف يمكن تحقيق عملية تزاوج معقولة بين تلك الأبنية الإسمنتية المرتفعة والتي كان المقصود منها ان تدل على الحداثة وبين هذا البناء المحافظ على الطابع الدمشقي.
يلي بناء المصالح العقارية بناء قديم يجري العمل على تحويله إلى فندق، وكالعادة بعد أن تم وضع الإعلانات التي تشير إلى إعادة تأهيل البناء ليصبح فندق، وبعد أن تم تفريغ البناء من كسوته القديمة، توقف العمل فجأة، ربما حفاظاً على التقاليد. وما زال منظر البناء المشوه يطل على هذا الشارع دون أن أي محاولة لإنهاء العمل في السرعة القصوى لما في ذلك من ضرورة لإزالة التشوه البصري الحاصل.
يقابل هذا البناء مساحة فارغة، غير مستفاد منها على الإطلاق، وهنا نعيد المطالبة لمحافظة دمشق بأن تقيم حديقة أو مرآب حضاري في هذه المساحة ريثما يقوم أصحاب هذه المساحة باستثمارها كما يجب.
جسر الثورة
وبين المساحة الفارغة ومشروع الفندق يبدأ جسر الثورة، وهو رغم أنه يحل عقدة مرورية هامة، إلا أنه عبارة عن كتلة اسمنتية تخلو من أي مظهر جمالي، ولا نعلم إن كان هناك إمكانية لاستبدال هذا المجسم الإسمنتي الهائل بنفق، وخصوصاً أننا نسمع الكثير عن نفق شارع الملك فيصل وعن نفق المترو وكلاهما مرشحان للمرور من هذه المنطقة، ولكن يبقى محاولة تجميل وصيانة هذا الجسر ضرورية جداً.
.jpg)
مركز الوثائق التاريخية
تتنوع الأبنية على طرفي الجسر، فنجد أبنية قديمة تستند على بعضها البعض، ومن بينها منزل جميل أصبح متحفاً للوثائق التاريخية ويتبع المديرية العامة للآثار والمتاحف، في حين نرى بناء تجاري ما زال قيد الإنشاء منذ أكثر من خمس سنوات.

حديقة القرماني ويبدو حمام القرماني الأثري في وسطها
ويتقاطع الجسر مع منطقة البحصة، حيث حديقة وحمام القرماني والتي نأمل أن تبقى كما هي ولا تبتلعها الأبنية المتلهفة لالتهام كل متر مربع تستطيع أن تصل إليه، وخصوصاً أن تلك المساحة الخضراء تحقق مجموعة من الأمور المطلوبة لتلك المنطقة، وأولها مساحة خضراء تنقي إلى حد ما الجو الملوث في تلك المنطقة، كما تحتوي على حمام أثري جميل رغم أنه يحتاج إلى الترميم، إضافة إلى أن هناك بعض عمليات التنقيب والتي تعتبر من أكثر النقاط جذباً للسواح.
إلا أن الفرحة لا تكتمل بوجود من يصر على التشويه، فنرى الإعلانات العملاقة تضرب بعرض الحائط ما يجب أن تكون عليه المنطقة من أجواء سياحية مليئة بالإرث الثقافي، ونرى مجمع يلبغا الذي تجاوز عمره الثلاثين عاماً ومرشح أن يحافظ على شكله لثلاثين سنة أخرى على الأقل في ظل ما نسمعه عن مشاكل تحيط بموضوع إتمام هذا البناء، وأقصى ما نخشاه هو أن يبتلع البناء فيما بعد حديقة القرماني لتصبح مساحة تتبع له وتحرم دمشق وأهاليها من هذه الحديقة.

جانب مما تبقى من بيوت قديمة على طرف النهر قبل سور قلعة دمشق
نكمل مشوارنا لنصل إلى سوق يسمى سوق الحرامية لما يحويه من بضاعة منوعة وقديمة يعتقد بأن بعضها مسروق، إلا أن هذا السوق آخذ في الاختفاء تدريجياً ليظهر بدلاً عنه أبنية حديثة كفندق الأجنحة الملكية وفندق الهوليداي إن (قيد الإنشاء حالياً)، بالطبع مع أبنية قديمة على ضفاف النهر، وصولاً إلى مدخل قلعة دمشق وتمثال صلاح الدين الأيوبي.

تمثال صلاح الدين الأيوبي أمام قلعة دمشق
هذا التمثال الجميل يجذب إليه الكثيرين لأخذ الصور والتأمل بمعالمه الفنية، إلا أن موقع التمثال يبدو أنه غير مناسب، حيث أنه يحتل الجزء الأكبر من الرصيف في هذا المكان، وربما يجب أن يتواجد في مكان أوسع يسهل التوقف عنده لالتقاط الصور دون أن يعيق ذلك حركة المارة.
لنصل أخيراً إلى بوابة سوق الحميدية، قبلة كل زائر لدمشق والتي تصل إلى المسجد الاموي والعديد من الأماكن الأثرية الهامة والتي تشكل بالحقيقة أهم عناصر الجذب السياحي في دمشق.
لذلك نحن نأمل، أن يشهد شارع الثورة عمليات تجميلية تجعله بالفعل لائقاً بحمل هذا الاسم، وسط مشهدية مدروسة ومتكاملة تظهر الحديث وتضيء على القديم، فيأتي مكملاً لمشاريع سابقة تناولت تجميل سوق الحميدية وساحة الحريقة والشارع المستقيم وقلعة دمشق. كما نأمل أن يعمل المعنيين على إيجاد مساحات خضراء ومرآب تخديمية لحركة السياحة، فهذا الأمر سوف يعود بالفائدة على الجميع، مواطنين وحكومة.
خاص - الأبجدية الجديدة إرسال الى صديق عــودة
|