يتدفق الأردنيون الى الشام، كل نهاية اسبوع، مثل تدفق النهر، ومن كل مكان في الاردن، كما يتدفقون في نهايات الاسابيع من عمان الى اريافهم وبواديهم، يركبون السرفيس الى الشام من نزول سوق الصاغة او قرب سوق «قلينا» في اربد، وبعد ساعتين يكونون في الميدان او باب توما اوركن الدين، ويركبون القطار من معان او من جرف الدراويش او من خان الزبيب او من المحطة او من الزرقاء او من المفرق او من جابر وبعد سويعات ممتعة، يقطعون فيها سهب حوران، الذي كان أهراء روما، يكونون في القصاع او حي القدم. وتركب عائلات كاملة باصات حجازي من عمان او اربد وما هي الا 3 ساعات حتى يكونون في الشاغور اوالصالحية او يصلون العصر في المسجد الاموي العريق.
ولا يركب الاردنيون الطائرات الى الشام، فالمشوار اليها اكثر براءة واقل تعقيدا واقل كلفة من اي رحلة او سفرة لأي بلد في العالم، وهو أقصر مسافة من المشوار الى العقبة التي يركب الكثيرون الطائرات اليها توفيرا في الوقت وفي الارواح!! ولا يشعر الاردني في الشام بأي فرق، فأهل درعا واهل الرمثا، مثلا، لباس موحد ونطق موحد وشكل موحد ومزاج موحد واسماء عائلات موحدة، والذين تابعوا مسلسل باب الحارة ودققوا في ملابس ابطاله ظنوا انهم استعاروا تلك السراويل من الرمثا. حتى انك لا تستطيع ان تعرف جنسية «البحار» الذي يمر من امامك محملا مزملا الا اذا امسكت جواز سفره! وقد وجد الشوام في الاردن الحضن الأدفأ وكانوا دائما نموذجا على الاستقامة والامانة والعراقة والاخلاص، وقد وجدوا هنا ما لم يجدوا في أي مكان آخر ، التي لو قلّبّتها بحثا عن جمعية الفيحاء، مثلا، فلن تجدها الا في عمان، ولو بحثت في اسواق المال في بلدان اخرى ،عن قارمات التجار الشوام العريقين، لن تجدها كما تجدها في عمان.
وقد تدفق الاردنيون الى الشام على صهوات دباباتهم، يحملون سبطانات الهاوزر والهاونات والركت لانشر، عندما كانت الشام في خطر، فذادوا عنها وعن الهضبة السورية العربية ودفعوا كامل ضريبة الأخوة الاردنية السورية، كما ذادوا عن القدس ومهروا اسوارها ومداخلها وبواباتها بأرواحهم وبدمائهم الطاهرة، كما ذادوا في الكرامة عن كرامة الامة. في كل هذه المواقع قدم الاردنيون دماءهم بالعدل والقسطاس، فقد تساوت في تربيتهم دائما، بلاد العرب، واستحقت تضحياتهم كأنما هي الاردن يذودون عنها ويقدمون ما طاب لها من قرابين الفداء.
اواصر أواصر أواصر، كانت هي الاساس قبل ان تتآمر القوى الرابحة في الحرب العالمية الاولى وتمزق الهلال الخصيب الى دول، كي يمارس اليهود بطمأنينة كاملة، الاعداد لجريمة التاريخ في فلسطين.فتولى الاخوان الثلاثة: البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو والروسي سازانوف، ابرام معاهدة سايكس – بيكو – سازانوف، المشؤومة.
عمّان – دمشق وبالعكس! هذا هو الذي كان مطبوعا على جوانب سيارات الاجرة التي كانت تتجول في شوارع عمان ودمشق تحمّل وتنزّل الحلوى والقمرالدين والناشد والطلاب والعمال وتجار الشنطة والحموات والاصهار والفاكهة المجففة والفستق الحلبي والتبغ المعطر والفروات الشتوية، المشغولة باتقان وذوق شاميين، والملابس القطنية.
طريق الأوتوستراد هذا سيظل مزدحما وسالكا في الاتجاهين، يحمل الطيبات والطيبين، والطلاب والشغيلة والاصهار والحموات الماكرات والحلوى اللذيذة والفاكهة المجففة الى يوم يبعثون. فالشام عشقنا وسندنا وبؤبؤ العينين وعمقنا وجدارنا الذي لا يميل، ونحن للشام كل ذلك وزيادة.
المصدر - الرأي الأردنية إرسال الى صديق عــودة
|