أبناء دمشق وبناتها على موعد أسبوعياً، كل عام، وعلى مدى أشهر متواصلة، مع ندوة الثلاثاء الاقتصادية التي تشرف عليها وتديرها، جمعية العلوم الاقتصادية السورية، التي عقدت حتى الآن ثلاثاً وعشرين دورة سنوية، مقدمة بنشاطها هذا نموذجاً نوعياً متميزاً لواحدة من أبرز مؤسسات المجتمع المدني. ويعزز أكثر فأكثر هذا التميز غنى مواضيع هذه الندوات وعمق الدراسات والبحوث التي تلقى فيها وتنوعها وحرص المحاضرين فيها على تأكيد الترابط الوثيق بين الوطني والاقتصادي والاجتماعي، وكذلك الحوار المفتوح الذي يعقبها ويُدار بكفاءة عالية ورحابة صدر تجاه الرأي الآخر انطلاقاً من احترام للمتحاورين وثقة بإخلاصهم في ما يطرحونه من آراء مهما تباينت وبأن الفكرة الصحيحة المدعمة بالحجة والمستندة إلى تحليل منطقي سليم لا بد أن تكون هي الأبقى في الأذهان والأكثر قدرة على الفعل والتأثير.
إن هذه التجربة تقدم مثالاً يفترض أن يِحتذى به على النطاق الوطني، إذ إنها تؤكد أن الحوار المسؤول وحده، وليس غيره، هو الذي يفتح الطريق واسعاً لتبادل الآراء وتفاعلها وتدقيقها وإغنائها، وبالتالي يتيح المجال لتقارب المواقف وإرساء الأسس لأشكال من وحدة الفعل والعمل.
وقد حرص الوزراء في السابق على حضور هذه الندوات والمشاركة فيها بالتعقيب على بعض المحاضرات أو الرد على ما يخصهم من أسئلة. ولكنهم توقفوا منذ فترة عن هذا الحضور برغم مطالبة الجمعية بذلك.
وإذا كان غنياً عن البيان الدور الأساسي والهام الذي تقوم به ندوات هذه الجمعية في مجال التوعية ونشر الثقافة الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يمكن وينبغي الارتقاء به أكثر فأكثر، فإن ما نعتقده ونلمسه هو أيضاً الانعكاس الإيجابي لمجريات هذه الندوات على المختصين المتابعين لأعمالها أو المحاضرين فيها أنفسهم، إذ إنها تحفزهم على عدم الاكتفاء بما حصلوا عليه من معارف، وعلى ضرورة الاستزادة منها والتعمق في بحث الأوضاع في بلدهم ودراسة ما يجري من متغيرات على النطاق العالمي وما يتحقق من تجارب مفيدة واستخلاص الدروس اللازمة منها.
وما يزيد من جدية هذه الندوات وفعاليتها التوجّهُ الذي كان موجوداً دائماً ولكنه يزداد بروزاً باطراد، والذي لا يكتفي بمتابعة كشف مواطن الخلل في هذا القطاع أو ذاك أو في التوجهات الاقتصادية وطرق تنفيذها أو بتسليط الأضواء على مكامن الفساد في الإدارة، على أهمية مواصلة هذه المتابعة وضرورة تقديم الحلول السريعة لها.
إذ إنه تترسخ اليوم قناعات تزداد اتساعاً وشمولاً بأن أي نهوض اقتصادي حقيقي يؤدي إلى تحقيق تنمية شاملة يتطلب تحقيق إصلاح سياسي يستنهض طاقات المجتمع كافة. فأي حكومة مهما خلصت نواياها وصحت برامجها وخططها غير قادرة وحدها على النهوض بهذه المهمة الكبرى. فالتنمية الشاملة والمستدامة تتطلب سياسة اقتصادية سليمة وتوزيعاً عادلاً ومجتمعاً يوجه هذه السياسة ويطورها ويحميها.
ونحن نعتقد أنه لا يجوز لهذه الندوات أن تقتصر في أغلبها على دمشق، ويحرم أبناء المحافظات الأخرى من متابعتها.وما الذي يمنع من نقل المحاضرات المقدمة فيها على الأقل على القناة التلفزيونية الأرضية كما يجري نقل بعض البرامج أسبوعياً وبانتظام؟
ثم ما الذي يحول دون انتقال عدد من أعضاء الجمعية من مختلف الاختصاصات إلى المنطقة الشرقية، وبخاصة منها محافظة الحسكة، لا فقط لتمكين أبناء هذه المحافظة من الاستماع إلى عدد من المحاضرات على أهميتها, وخاصة تلك المكرسة لبحث أوضاع هذه المحافظة، وإنما بالدرجة الأولى لتوفير الفرصة أمام المحاضرين والباحثين للاطلاع ميدانياً على معاناة أبناء هذه المحافظة وشكاواهم التي تقدم ما تقدمه لخزينة الدولة ولتوفير الأمن الغذائي. ولتلمس الآثار السلبية المتفاقمة والمخاطر الجدية التي يتسبب بها الإصرار على مواصلة إهمال هذه المنطقة المعطاء.
وإذا كان ثمة أمثلة كثيرة في بلدان العالم المتقدمة عن هذا الدور الفاعل لقوى المجتمع فإن القوى الفاعلة في مجتمعنا قد برهنت أكثر من مرة، وعلى نحو شديد الوضوح، مدى تلهفها للقيام بهذا الدور المجتمعي الذي يشعرها بقيمتها وبقدرتها على الفعل.
غني عن البيان أن الجمعية الاقتصادية وندوة الثلاثاء ليستا المثال الوحيد على ما يزخر به وطننا من طاقات راغبة في العطاء وقادرة عليه، إذ قدمت خلال العام الذي مضى بخاصة أدلة قوية على وجود هذه القوى ومدى فاعليتها. وقد تجلى ذلك في اتساع وتنامي حركة العمل الطوعي لحماية البيئة، ومن أجل نظافة المدن والأنهار، كما في الترحاب الواسع الذي استقبل به مؤتمر التنمية الذي عقد مؤخراً في سورية. ويتجسد التحركان المجتمعيان الأبرز في الفترة المنصرمة في النشاطات الواسعة والمستمرة ضد مختلف أشكال العنف والتمييز ضد المرأة ومن أجل حقها الكامل في المساواة وفقاً للدستور وعلى أساس المواطنة، وكذلك في النشاطات المتنوعة التي تصدت بدعم جماهيري واسع للمشروعين الأول والثاني لقانون الأحوال الشخصية وهو تحرك لا يزال يقظاً.
إن هذا العمل المجتمعي الذي يحتاج إلى تشجيع وتفعيل وإلى إزالة كل العقبات التي تعيق انطلاق عمله الحر البنّاء، هو الذي يوحد أبناء الوطن وبناته على أساس المواطنة خلافاً لمن يسعى لأن يفرقهم وفقاً لطوائف أو عشائر وربما عائلات.
المصدر - جريدة النور إرسال الى صديق عــودة
|