- كلمـة -
من مفكرتي خلال سنوات مضت
اختلستُ لك قارئي هذه النصوص التي تراوحتْ
ما بين خواطر انتابتني
وحكايات أؤكد لفضولك
أنها حقيقية الأحداث
فهات يدك وانطلق معي...
بعد انتهائي من إلقاء إحدى المحاضرات في الكلية، تقدمتْ إليّ إحدى طالباتي، وسألتْني بصوتها المتردد الحيي ما إذا كنتُ أقبل منها وردة؟ قبلتُها مؤكداً، ما دامت وردة. وبعد المحاضرة التالية، تقدمتْ إليّ باثنتين، وبعد التالية تقدمتْ بثلاث. وماذا لو لم تكن تلك هي المحاضرة الأخيرة؟ على أي حال صغيرتي، أيتها التي لم أحاول حينئذ أن أعلم اسمك، ليتك تعْلِمينني الآن، من أين أتيتِني بورودك؟! أمن حديقة منزلك؟ أم من جنينة، زرعتُها في روحك؟
*
أخيراً بدأ يتوثق لي، ما استطعتُ اكتشافه منذ سنوات، وهو أن بصري منذ سن معينة، سيأخذ في الانحسار، إلى أن أفقده تماماً. وها هو أخذ ينحسر، وها أنا أنتظر فقدانه، وربما ستندهش قليلاً، إذا ما ذكرتُ أنني لا أشعر بذرة من الأسف، لا على بصري كله، ولا على أي قبس منه، لكن ربما ستعذرني إذا ما أبديتُ تحسري على ضوء القمر الذي أرى عينيّ ما بين عتم وعتم تظمآن إلى ينبوعه.
*
فأجبتُ: وأنا أريد أن أصطحب إلى واحتي شخصيتي ذاتها، إنما العجوز لا الطفلة، وإنْ بلغتْ بي المئة، وإنْ أتتني شائبة محنية متوكئة، فلعلها تحكي لفضولي في ألف ليلة وحين سُئل أحد المرموقين، عن الشخصية التي يمكن أن يصطحبها إلى واحة نائية، كي يخلو بها؟ أجاب بتلقائية ويسر لا ينمان على قدر من الجهد في التفكير: إنها شخصيته هو، حين كان طفلاً، فلعله من خلالها يعود إلى جذور نفسه. وهنا لم أجد نفسي، إلا قد تهيأتُ للسؤال ذاته متصورة أن أحداً طرحه عليّ، ليلة عن البحار الجديدة التي عبرتْ، عن الموانئ الجديدة التي صادفتْ، عن الأسماء الجديدة التي إلى معجمها أدخلتْ.
*
ومن قال لك: إنني لا أكلم كل نبتة أصادفها وكأنها توأم نفسي؟ من قال لك: إنني لا ألقي عليها تحية الصباح وتحية المساء، وكأنها تدرك مثلنا دورة الأرض اليومية؟ لكن حبذا أن تخبر أنت العصافير، إذا ما مررتَ بها أنْ ليس من داعٍ لفرارها مذعورة، كلما دنوتُ منها، لأن مثلي لا يفكر يوماً في مسّ واحدة من أرياشها.
*
مهما علتْ أفراح الطفولة في ملعب، مهما استطالتْ، لا بد حين يهبط المساء من أن يعود كلٌّ إلى بيته. بهذا أجابتْه حين تساءل متحسراً: هل من الممكن أن نفترق؟!
*
وأنا ساكنةٌ في غرفتي، ما أصوات العربات التي تمر من تحت نافذتي، ثم تنأى؟ أهي يومي الذي يمر بي الآن، وفي الغد سينأى؟
*
حين استحضرتُ إحدى معلماتي القاسيات التي رافقت السنة الأولى من دراستي، اتجهتُ تلقائياً إلى المقارنة بينها، وبين أنثى ذئب، التقت طفلاً بشرياً في غابتها، إذ بدلاً من أن تفترسه، وتمارس حقها الغريزي في كسب بقائها، أخذتْ تحنو عليه وترضعه، إلى أن جعلته طفلها، واحداً من أفراد أسرتها. ترى.. هل الإنسان حين يقسو، يصبح أكثر ضراوة من وحوش الغابات؟!
*
إذا ما حلقتْ يوماً أمي، إذا ما حلق يوماً أبي، كيف لي أن أتكلم حينذاك؟ من أين سآتي بصوتي؟
*
ترددتُ بعض الشيء صباحاً، في أن أهمّ بعمل طيب، حذراً من أن يُبَدد شيء من وقتي الذهبي. لكن حين تذكرتُ أن عملي هذا لن يستغرق مني سوى بضع دقائق، أو ما تستغرقه إحدى صلواتي، اندفعتُ إليه بكل ما تسرَّب إليّ من نور، فإذا بروحي تُطوَّق خلال نهاري كله، ليلي كله، بعقود وأساور من فرح.
*
كثيراً ما يتساءلون: لماذا لا أقتني حلياً؟ لماذا لا أضيء به عنقي وذراعيّ وأصابعي؟ بل لقد ساءلتني شقيقتي مؤخراً ما إذا كان إحجامي هذا يعني أنني من صنف آخر سوى النساء؟ لذلك أسارع الآن إلى الإجابة من خلال تساؤلي: إذا فعلتُ ما تصبون إليه، فكيف لي حينئذ وأنا على طريق المحرومين أن أرمي بنقودي التي ستبدو وقد سُبكتْ من دوائر مغلقة؟!
*
ينوح الإنسان حين يأتي العالم، ويفرح الآخرون وسع أرواحهم المتحلقة حوله. ينوح الآخرون حين يرحل الإنسان عن العالم، ويفرح هو وسع روحه المحلقة نحو نجمة.
*
ربما على الأرض، أنتم الخاسرون أيها الأنقياء، وأولئك الذين قبالتكم، هم الرابحون. إنما ليتكم تمدون أبصاركم معي، ومعي تتساءلون: من هم الرابحون؟ ومن هم الخاسرون.. في السماوات؟
*
هل تثق بي إذا ما ذكرتُ أن أكثر لحظاتي صفاءً هي التي أتنزه فيها بين القبور، إذ هناك فقط، تنزلق عن روحي كل أثقال الأرض.
*
منذ طفولتي، وأنا أريد أن أسائلكم: لنفترضْ أن هذه السيدة جشعة إلى هذا الحد الذي ترونه أنتم، أو الذي أراه أنا حقاً، لكن هل كان من الممكن أن تضيقوا بها إلى هذا الحد، لو كانت جشعة ثرية؟ أما كان من المحتمل حينئذ، أن تروا فيها شخصية طريفة محببة خفيفة الظل؟
*
ما أجملها صداقتنا! بل ما أسماها! حين جمعت اسمينا في كتاب!
* إرسال الى صديق عــودة
|