بدءاً من الكتاب الذي شكّل مفصلاً في حياته منذ أن كان في الثانية عشرة من عمره، مروراً بدراساته واكتشافاته والتحديات التي رافقته، وانتهاءً بعمله المستمر في مجال البحث العلمي.. كانت لنا بعض اللّقطات في حياة الدكتور عبد القادر رحمو حاولنا ترجمتها بكلمات علّها تضيء على باحث وعالم سوري تستحق بلادنا أن تفخر به...
ولد في دمشق عام 1964 في منزل يهتم بالعلم والمطالعة لتضحى هي الثقافة السائدة في المنزل والتي تدرّب عليها منذ طفولته عندما كان يرى والدته تبحث في الكتب وتقرأها، وهنا تولد عنده الشغف بفن القراءة والمطالعة والاهتمام بالكتاب الذي يوسّع له آفاقه ومداركه نحو العالم كلّه. إلى أن وقع بيده كتاب يقول عنه "انه الكتاب الذي غيّر مسيرة حياتي وأصبحت أسيرا ً له وأدين له بما وصلت إليه. انه كتاب "أصل الأنواع" لتشارلز دارون من ترجمة إسماعيل مظهر، وهذا الكتاب هو الذي دفعني لدراسة العلوم".
وتعرفه على هذا الكتاب دام لعامين متواصلين منذ كان في الثانية عشر وحتى الرابعة عشرة، ليصل إلى منظومة منطقية قادته للتحليل واستخدام المنطق والبحث في كل كبيرة وصغيرة في علوم الحياة، جعلته يحاور الجميع ولا يقبل بالأمور كما هي دون نقاش.
وبعد دراسته للثانوية العلمية في مدرسة الأخوة، أصرّ على دراسة العلوم. هذا القرار الذي أخذه مبكراً ودافع عنه بكلّ قوة وتصميم بالرغم من معارضة من حوله. فالطب والهندسة متاحان أمامه لكنه عرف ما يريد وذهب إليه لينال الدبلوم في الكيمياء الحيوية من المعهد الاتحادي السويسري للتقانة في زيوريخ عام 1988. ودرجة الدكتوراه في الفلسفة حول "الكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزئيئة" من جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 1994.
أهمية النجاح تكمن في مدى صعوبة الوصول إليه
عندما قرر العودة إلى سورية بلده الأم، كان يدرك جيداً حجم التحديات التي سيواجهها، وعرف أنه لن يأت إلى مكان مفروش بالورود. لكنه أتى وفي جعبته تجربة من شعوب العالم والتي استطاعت أن تصنع من مكان لا ثقافة ولا تاريخ ولا أرضية له، بلاداً اقتصادية وعلمية بامتياز فكم هو بالأولى بلاد هي أم الحضارات والأنبياء وهي من اخترع أبجدية الكلام. وهنا كان تحديه الأكبر فيقول: "النجاح هو عندما تواجه تحديا كبيراً فالنجاح في ظروف مريحة أمرٌ متوقع من الجميع، أما النجاح في ظروف صعبة فهو النجاح الحقيقي والذي تتناقله الأجيال ومن هنا كان تصميمي للعودة والعمل في بلدي".
وبالفعل عاد وافتتح مخبراً للتحاليل الطبية، وبدأ ببعض أبحاثه في هذا المختبر حول العلوم الوراثية وعلم الأحياء، إلى أن التقى بالدكتور هاني مرتضى وكان حينها عميد كلية الطب وطلب منه أن يساهم في تأسيس مخبر البحوث والاستشارات الوراثية في كلية الطب جامعة دمشق. وبعد الإنتهاء من تأسيس المختبر انتقل إلى الهيئة العامة للتقانة الحيوية ليشارك في تأسيسها ومن ثم أشرف على تدريس مادة التطور في إطار ماجستير التقانة الحيوية الذي تأسس في جامعة دمشق –كلية الزراعة، بدعم من الاتحاد الأوروبي.
السيف الدمشقي وثورة النانو في إعادة ترتيب العالم
من إحدى مؤلفاته الهامة جداً كتاب "قيادة ثورة النانو وإعادة ترتيب العالم"، ويقول د. رحمو: "لقد كان الفضل في اصدار هذا الكتاب والتشجيع عليه للدكتور المرحوم عصام الزعيم وذلك لضرورة الخوض في هذا البحث الجديد والخطير الذي افتقر إلى أي كتاب عربي يتناوله". لكن للأسف توفي الزعيم قبل أن يخرج الكتاب إلى النور، لكنه تابع الطريق لتباع جميع نسخه. ويعتبر الدكتور رحمو أن الهدف من هذا البحث هو إدخال هذا العلم إلى عالمنا العربي، فيقول "الوظيفة ليست تقنية بقدر ما هي اجتماعية. يجب أن يكون لدينا نوع من التثقيف بهذا العلم الجديد وآفاقه، حيث أن له علاقة بجميع نواحي الحياة: البيئة والطاقة والطب...". ويعمل الدكتور الآن على إدخال هذا المفهوم في الكليات العلمية وذلك من خلال كتاب تدريسي جامعي حول أساسيات النانو يعمل على ترجمته.
يقول د. رحمو: "للنانو سيئات وحسنات والعديد من المخاطر، مثل أجهزة التجسس النانوية أي الصغيرة جداً والتي يمكن أن توضع داخل الإنسان، فتكون كالسم أو تحدث مرضاً نفسياً يتحكم بالإنسان، دون أن يشعر بذلك. والخوف الكبير هو من هذا العلم الذي سيشكل ثورة في العالم في حال تم اعتماده. فأجهزته قد تقبل للاستنساخ الذاتي، وهنا يهمش الإنسان وقد تتحكم به الآلة. وعندها يحق أن نتسأل الآن عن من سيقود العالم في المستقبل، وفيما إذا كانت هذه التقانة ستقود إلى البطالة والفكر أو أنها ستؤدي إلى إنسانية حقيقية متطورة تزيل عنه أعباء الحاضر وهمومه".
يجب أن لا نستهين بهذا العلم، يضيف د. رحمو، فهو مدوّنة علمية على رأس إبرة، وأجهزة صغيرة تقوم مقام أجهزة ضخمة كبيرة. ويشير د. رحمو إلى معلومة عن دراسة أجريت لسيف دمشقي قديم صنعه السياف أسد الله في القرن الرابع عشر تبين أن هذه السيوف المعروفة بقساوتها وحدّتها التي لا تضاهى والمكونة من الفولاذ الدمشقي تتخذ هذه الصفات الاستثنائية بسبب تواجد مركبات النانو الدقيقة، مما يشير إلى عبقرية وابتكارية أسلافنا وضرورة العودة إلى البحث والتجربة لمواصلة تطوير هذا الإرث الحضاري المتميز".
الأبحاث العلمية تحتاج لتشريعات جديدة تدعمها
يؤكد د. رحمو أهمية البحث العلمي والتي تحتاج لدعم مادي كبير. ويشدد على أهمية التواصل والترابط بين الجامعة والمؤسسات الأخرى في الدولة والقطاعات العامة والخاصة. حيث يرى أن إحدى مشاكلنا يكمن في أننا نمتلك ثقافة طلب المعونة من الخارج ولا نملك ثقافة طلب المعونة من الداخل، فلماذا لا نتجه نحو الفعاليات الاقتصادية في بلادنا لدعم الأبحاث العلمية بحيث لا تبقى عملية البحث العلمي هامشية لدى الباحثين بل تصبح مصدر رزقهم وسعيهم الدؤوب وذلك من خلال توفر الوسائل وتمكين الباحثين من الخوض بأبحاثهم نحو خدمة المجتمع والاقتصاد والإنسانية".
ويتابع فيقول: "يوجد بحث هام يتصدى له طلاب الماجستير وهو فحص الـDNA للّحوم التي تقدّم بالمطاعم، وبحيث يمكن الكشف عن نوعية هذه اللحوم مهما كان نوع الطهي المتبع، ولهذا الأمر أهمية في منع الغش وإظهار مدى التزام المطاعم في تقديم لحوم صحية تم قحصها وفقاً لهذه الطريقة، لكن التساؤل من هي الجهة التي ستدعم وتستفيد من هذه التقنية في غياب آلية تشريعية تصل البحث العلمي بالمجتمع وفعالياته الاقتصادية والرقابية... فمن هو المسؤول عن حماية المستهلك هل هي جمعية حماية المستهلك أم مديرية التموين؟؟ نحن نحتاج لتشريع جديد يقوي العلاقة بين منتجي الأبحاث العلمية ومستهلكي هذه الأبحاث".
وعن مؤلفه "دراسة الظاهرة البشرية على قاعدة معطيات علوم الأحياء الحديثة" يقول د. رحمو: "لقد بدأنا العمل به لإخراجه للنور على مطلع احتفالية دمشق عاصمة للثقافة، وهو يعزز أهمية اللغة العربية كلغة توالدية". ويؤكد على عدة نقاط هامة: "اللغة العربية حافظت على نفسها على مدى ألفي عام وهي قادرة على البقاء والصمود فهي توالدية تراكمية، ويجب أن تعرّب المصطلحات العلمية. وهذا لا يقلل من أهمية الدراسة عندما تصبح المصطلحات عربية. وهذا يحميها من الاندثار وبالوقت نفسه لن تعيق هذه المصطلحات شبابنا عن الوصول إلى العلم. فشبابنا قد لا ينتبه إلى أن كل مصطلح عربي له ترجمه إنكليزية في هوامش الكتب وقد لا يهتم بحفظها ولو فعل لما استصعب استخدام اللغة الأجنبية ومصطلحاتها في الخارج".
وتتناول دراسة الظاهرة البشرية، كيفية نمو الأمم. ويؤكد د. رحمو أن الاستقرار الاقتصادي والتطور، هما اللذان يلعبان الدور الأهم في تحديد عدد السكان لا الثقافة، وذلك لأن الفقر وعدم الشعور بالأمان يجبر الإنسان على البحث عن أساليب أخرى تشعره بهذا الأمان وكثيراً ما يجد أن زيادة عدد الأبناء هو ما يؤمن له هذه الحماية.
بلادنا مفرخة للعلماء وشبابنا يختارون الطريق الصعب
ولدى سؤالنا عن رؤيته حول الشباب في سورية، قال: "من خلال علاقتي مع الطلاب كمشرف على أبحاث الماجستير ومن خلال تدريسي لهم، لاحظت أن طلابنا لديهم مواهب خلاقة، وهم غالباً لا يرغبون بالسهل، بل يبحثون بكل مالديهم من إمكانيات للوصول إلى بحث هام، ويختارون الطريق الصعب بملئ إرادتهم. لكن المشكلة الرئيسية تكمن عندما يخرجون إلى الحياة العملية فالبحث والعلم لن يكفيهم للوقوف في وجه متطلبات الحياة المادية، لذلك يتنحون عن امتهان البحث ويعمدون إلى السبيل الأسرع للوصول إلى المال. وهنا أشدد على أهمية رعاية الأبحاث العلمية اقتصادياً لضمان ثباتها واستمراريتها".
ويؤكد بجملة أخيرة أنّ بلادنا هي مفرخة للعلماء وهي تصدّرهم إلى الخارج، ولا يقبل فكرة أنها بالضرورة مقبرة لهم، فالمحاولة والبحث بجدية، والثبات بقوة أمام الفكرة التي يؤمن بها الإنسان هي التي تصل بالآخرين للإيمان به والاعتراف بعمله وهذا أقصى ما يمكن أن يأمله الإنسان.
خاص - الأبجدية الجديدة إرسال الى صديق عــودة
|