الموسيقا فضاءٌ راقص لنصوص نادرة، حيث المفردات أطيافُ أجسادٍ بيضاءَ تتعانقُ ناسجةً الصور والحالات الوجدانية المدهشة حين يعجز التعبير وتتفتح الرؤية، وحين يصبح الصوت البشري رسولَ محبةٍ.
كما يدور راقص المولوية تدور الكلمات حتى ليكاد يتلاشى وتتلاشى في الفضاء المسحور لروحه، ثم تتكاثف لتعيد تشكيل العبارات، كل مرة، بروح جديدة بحسبِ العقلِ المتأملِ الذي يستحضرها من الرحم الأمومي الأول للغة، لتشكل مع موسيقا وصوت عابد عازريه الرائع طقساً احتفالياً مهيباً وخاصاً كالترتيل، الذي يُرتل عند قدمي الإله حباً وليس خشيةً، ذلك النوع من الحب الذي إن كان يغيب الفكر، إنما ليستحضر الوعي المطلق (بوحدة الوجود).
دين المتصوفة هو الحب ودين عابد أيضاً، فبالحب يكمّل المخلوق خالقه والعكس صحيح، ليس لأنهما ليسا كاملين، بل لأننا نؤمن أن الحب هو من سينقذ الاثنين من ورطة الخلق.
المتصوفة بأقدارِهم المتمردة بقوا خارج كل حدٍ لعلاقة المخلوق بالخالق حاولوا أن يفهموا هذه العلاقة بل أن يحيوها بحرية بعيداً عن كل تأطيرٍ ديني زائف، لأنه من المفترض أن كل الأديان والطرق تؤدي إليه "الله" وكلُ قلبٍ عليه أن يختار درباً ليصله، وليس سهلاً على المخلوق المتصوف أن يقف عارياً بشغفه أمام القوة التي أنجبته وستغيبه بعد حين، وحدهم المتصوفة امتلكوا الجرأة الكافية ليخاطبوا الله ذو الأسماء الحسنى المهيبة، والذي يراه الكائن البشري البسيط رافعاً يديه الخضراء والحمراء يدعوه بكلتيهما فهو مالك الجنة والنار موضع الترغيب والترهيب، وحده المتصوف نجى من هذه المحنة وناجاه بحُبٍّ خالص بعيداً عن عبوديته الآنية وقفَ حراً أمامه وخاطبه بالحب مولهاً:
قلبي يحدثني بأنك متلفي
روحي فداك عرفت أم لم تعرفِ
ما لي سوى روحي، وباذلُ نفسهِ
في حُبِّ من يهواه، ليس بمسرفِ
إن لم يكن وصلٌ لديك، فعِدْ به
أملي، وماطِلْ، إن وعدتَ ولا تفي
فالمطل منك لديّ، إن عزَّ الوفا،
يحلو كوصل من حبيبٍ مُسعفِ
فلعل نار جوارحي بهبوها
أن تنطفي، وأودّ أن لا تنطفي
دعْ عنك تعنيفي وذقْ طعم الهوى
فإذا عشقت فبعدَ ذلك عنِّف
وإن اكتفى غيري بطيف خياله،
فأنا الذي بوصاله،لا أكتفي
وقفاً عليه محبّتي، ولمحنتي،
بأقلّ من تلفي به، لا أشتفي
فالعين تهوى صورة الحسن،
التي روحي بها تصبو إلى معنى خفي
ابن الفارض
وكما ينتقل المتصوف بكلماته من المادي والحسي إلى التجريد، كذلك ينتقل بنا صوت عابد عازريه من حسية الكلمة وارتباطها المادي باللغة إلى فضاء آخر تغادر فيه أرواحنا أجسادنا وتحلق بعيداً في المتعة الروحية النادرة خارج كل التقسيمات الدنيوية والبشرية:
لقد صار قلبي قابلاً كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنَّى توجّهت
ركائبه، فالحب ديني وإيماني
ابن عربي
صوت عابد عازريه رسول محبة يتفتح في وجداننا ويَعَبُر بنا إلى فضاءٍ قصي بعيداً عن آنيتنا الضيقة، حيث الصوت طائرٌ بأجنحة رهيفة يحملنا نحو سماء الحب الخالص، وعابد متشربٌ لشعر المتصوفة وأخلاقهم وأحلاها التواضع الجميل والمعرفة المسخرة لاسعاد الناس، فهو كالمتصوف بشفافيته ووجده يحيطنا بحنان صوته ناقلاً إلينا تراث أجيالٍ من المتصوفة، فقد اختار نصوصاً كتبت ما بين القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر، أحيا من خلال غنائها تراثاً كان مهملاً ومهمشاً وبعيداً عن أيدينا وعقولنا،لأنه بعيد عن كل تأطير ديني وسلطوي ضيق، فهو تراثٌ ينتمي لأفرادٍ متمردين فكرياً على عصرهم تمتعوا بوعي نادر وبحرية خاصة في علاقتهم مع الخالق (رابعة العدوية، ابن الفارض، ابن عربي، السهروردي، الحلاج، النفري، الشبلي)، منهم من صلب، ومنهم من قتل، ومنهم من نفي، وعلى الرغم من أنهم جميعا كانوا مسلمين إلا أن دينهم الحقيقي كان "دين الحب" حسب ابن عربي، إنها الحقيقة التي يحاول عازريه أن يجعلنا نعيد اكتشافها، (الحب والتمرد والبحث) المواضيع، التي جعلته يحتفي برموز مهمة قديمة جداً ومعاصرة، وعلى مراحل مختلفة من تاريخ الإنسانية من جلجامش إلى المتصوفة إلى أبي العلاء المعري وعمر الخيام إلى الأندلسيين إلى أدونيس، وأخيراً إلى المسيح والإنجيل حسب يوحنا والذي قدمه على مسرح دار الأوبرا في 27 أيار بمشاركة مغنين وعازفين سوريين وفرنسيين.
مع صوت عابد عازريه نستمتع بسماع لغتنا الأم العربية الفخمة والغنية والمتجددة، التي اختزلت حيوات البشر لمئات ومئات من السنين نحتفي بها بصوته القوي الجهوري والمؤثر حين يمتزج الصوت بالموسيقا والفكروالشعروبتجارب فريدة لأشخاص استثنائيين عبروا التاريخ بعد أن تركوا بصماتهم على جدار قلوبنا ووعينا.
قدم أول عرض في مدينة كولونيا في ألمانيا، وسجلت الأسطوانة تسجيل حي ومباشر على مسرح المدينة ذاتها، كما قدم العرض في عدة مدن فرنسية وعرض على التلفزيون الفرنسي.
العازفون: خالد جرماني: عود، سامح قتلان: كمان، فيفيان آرنو: أكروديون، أوليفييه موريه: كونتر باص، يوسف حبيش: دف، انتاج دوم تك – توزيع نوكتورن - 2007
خاص - الأبجدية الجديدة إرسال الى صديق عــودة
|