السؤال الذي يُطرَح مع بداية فترة الصوم هو لماذا نصوم؟ ما الغاية من هذا الصيام؟ وللأسف أن الكثير من الناس يصومون فقط من باب الواجب، وبعيداً عن أي معرفة حقيقية بمعنى الصوم. حتى أنّ الصوم يتّخذ أشكالاً متعددة بحسب الاجتهادات والتفسيرات. لذلك من المفيد إلقاء نظرة سريعة عن الصوم وماهيته وروحانيته بحسب الكتاب المقدّس وتقليد الكنيسة.
لنتذكّر بسرعة بعض النصوص التي تتكلّم عن الصوم في الكتاب المقدّس:
- نص تجارب يسوع في البرّيّة يقول إنّ يسوع صامَ أربعين يوماً وأربعين ليلة. وجرّبّهُ إبليس. لا شيء يُذكر أكثر من هذا.
- بحسب إنجيل متى، قال يسوع: "إذا صمتم لا تكونوا كالمرائيين... (متى 6: 16-18)، في هذا النص يسوع لا يفرض الصوم.
- عندما سأل الفرّيسيّون يسوع قائلين: "لماذا تلاميذك لا يصومون، وتلاميذ يوحنّا يصومون". أجاب يسوع: "هل يصوم أهل العرس والعريس معهم؟ ولكن متى رُفعَ العريس عنهم، ففي تلكَ الأيام يصومون". هذا الكلام لا يدلّ على الأمر بل يصبح الأمر طبيعي.
- عندما تكلّمَ يسوع عن نوع من الشياطين قائلاً: "إنّ هذا النوع لا يخرج إلاّ بالصلاة والصوم". وهنا أيضاً لا يوجد أي أمر بالصوم. وأكثر من هذا، المخطوطات القديمة للإنجيل لا تذكر الصوم مع الصلاة فهي تقول: "إن هذا النوع لا يخرج إلاّ بالصلاة".
في أولّ الكنيسة وبكتب معاصرة للعهد الجديد، مثلاً كتاب تعليم الرسل الإثني عشر يتكلّم عن الصوم، بكلام يشبه كلام الإنجيل بحسب القديس متى، ولكنّه يزيد هذه الفكرة: إذا أردتم الصوم، لا تصوموا يومي الإثنين والخميس أي مع اليهود بل صوموا الأربعاء والجمعة، ومن هنا أتت قطاعة الأربعاء والجمعة. لماذا؟ لأنّ الذي يهمّ الكنيسة هوَ أن يكون إيمانها كاملاً متكاملاً، وليس بدعة يهوديّة، لذلكَ أرادوا أن يتميّزوا عن اليهود.
إذا في الواقع، الأمر بالصوم هو غير موجود لا في نصوص الكنيسة الأولى ولا في كتب العهد الجديد.
إذاً من الذي أدخل الصوم إلى الكنيسة؟ هُم الموعوظون وليس المعمّدون. مَن هُم هؤلاء: هم الذين كانوا يتحضّرون للمعموديّة. كانوا يتعلّمون في جماعاتهم التعليم المسيحي لمدّة ثلاث سنوات. وكانوا يقضون خمسون يوماً مع الأسقف؛ سبعة أسابيع تحديداً. وفي نهاية هذه الأسابيع السبعة، كانوا يقبلون سرّ المعموديّة في ليلة الفصح أي سبت النور مساءاً. وهذا للتعبير عن عبورهم من الموت إلى القيامة، والعمادات الأولى في الكنيسة من بعد تنظيم الروزنامة الليتورجيّة في بداياتها، كانت تتمّ ليلة الفصح وليس ليلة الغطاس إذ في تلك الأيام لم تكن موجودة ليلة الغطاس.
إذاً بدأ الموعوظون يقولون أنّ هذه الفترة مع الأسقف (سبعة أسابيع) يجب أن نكون فيها متفرّغين كلّياً للإصغاء إلى كلمة الله، لأن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله، من هنا بدأ الموعوظون يصومون.
إذاً الغاية الأولى من الصوم كانت الإنقطاع عن كلمة العالم للإنقطاع إلى كلمة الله. إذا أن أساس الصوم مرتكز على الكلمة. فلننتبه كم هو شبيه بالصوم القرباني الذي فرضه مار بولس بسبب الذي كان يُعاش في كورنتس. قال: تناولوا الطعام في بيوتكم ومن ثمّ تعالوا واحتفلوا بعشاء الربّ. ومع التطوّر أصبح الصوم انقطاع من الخبز البشري للانقطاع إلى الخبز السماوي. وإذا قرأنا في الفصل 6 من إنجيل يوحنا نجد في القسم الأول، كلمة خبز تعني كلمة الله، وفي القسم الثاني نجد الكلمة ذاتها ولكن بمعنى جسد المسيح؛ وهذه هي أقسام القدّاس. من هذا المنطلق بدأت فكرة الصوم في الكنيسة.
فالصائم إذاً كان الموعوظ الذي يستعدّ لاستقبال كلمة الله التي عبر سرّ المعموديّة سوف تعبر فيه من خلال موت وقيامة المسيح. هذه كانت الفكرة الأولى.
أمّا الفكرة الثانية فإنّه مع تعاقب الأجيال أصبح المعمّدون بفترة الموعوظيّة، يتذكّرون موعوظيّتهم، فيصومون وينقطعون أكثر إلى كلمة الله. وهكذا انتشر تدريجيّاً الصوم في الكنيسة. وفيما بعد نظّمته الكنيسة بقوانين وقالت أن نهار الأحد لا نصوم لأنّه ذكرى قيامة الرب، ولا السبت لأنّه ذكرى تمام الخلق القديم.
إذا ذهبنا إلى النص بحسب إنجيل متى والذي يتكلم عن صيام يسوع في البرية، فسنجد نفس النتيجة.
نلاحظ في هذا النص أنّ الشيطان يتكلّم مع يسوع ثلاث مرّات.
في المرّة الأولى يطلب منه أن يحوّل الحجارة إلى خبز.
في المرّة الثانية يطلب منه أن يرمى نفسه من قمّة الجبل.
وفي المرّة الثالثة يطلب منه أن يسجد له ويعطيه كلّ ممالك الأرض.
وفي كلّ مرّة، جواب يسوع كان مأخوذاً من كلمة الله.
- في المرّة الأولى: "مكتوب، ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله".
- في المرّة الثانية: "مكتوب، لا تجرّب الربّ إلهك".
- في المرّة الثالثة: "مكتوب، للربّ إلهكَ تسجد، وإياه وحده تعبد".
كلمة مكتوب، كلمة مهمّة جدّاً، والمقصود أن هذا هو كلام الله.
إذاً سلاح يسوع لمقاومة التجربة لم يكن الصوم، بل كلمة الربّ.
أنا لا أصوم لأغلب التجربة، أنا أصوم حتى أتقَوّى بكلمة الله، كي تعطيني القوّة على الخطيئة وفي التجربة. فكلمة الله تقوّيني على الخطيئة.
هذا يعني، بأنه عندما طلب الشيطان من يسوع أن يحوّل الحجارة إلى خبر، قال له: كلمة الله الموجودة في داخلي هي أقوى بكثير من صرخة معدتي الجائعة. كلمة الله الموجودة في داخلي هي أقوى بكثير من غريزة البقاء الموجودة فيَّ.
إذاً الصوم هوَ انقطاع عن ذاتك لتقبل الكلمة التي تكوّن ذاتك على طريقة الله وليس انغماس بذاتك، فتستعمل الكلمة لتكبرّك على قدر ذاتك. فكم من الأوقات أستعمل كلام الله كي أحصل على راحة الضمير.
إذاً، الانقطاع عن كلمة العالم يحرّرني من عدوى أن أحجّم كلمة الله على مستوى رغباتي. فالمطلوب هوَ أن أنّمي رغباتي حتى تصبح على مستوى كلمة الله.
يقول البعض إن الصوم هو تمرين للإرادة. هذا جيّد، لكن هذا الأمر ليس بحاجة إلى مسيحيّة حتى يُعاش. فصومي يجب أن يكون مرتبطاً بروحيّة كلمة الله التي تكبّرني.
والبعض يقول، "إماتة"، هذه الكلمة استُعملت كثيراً في الكنيسة وأصبحت مع الأسف مبتذلة وفقدت معناها. يتباهَون ويقولون "أنا لا آكل (مثلاً) الشوكولا طيلة فترة الصوم، أو أنا لا أدخّن خلال الصوم... وهذه إماتة أعيشها...
هذا جيّد ولكن أين المعنى الصحيح للإماتة؟
إماتة الجسد ليست بأن نؤلم الجسد. وكلمة جسد أوصلتنا إلى التباس كبير. في الكتاب المقدّس وخصوصاً في العهد الجديد الجسد يعنى شهوات العالم. والمعنى العميق لكلمة إماتة الجسد، هو إحياؤه، أي إدخاله بسرّ موت وقيامة يسوع المسيح. وما فعلناه نحن هو تحجيم الإماتة بممارسات وأصبح الأمر متوقّف على العذاب. بمعنى آخر، كلّما كنتُ مقهوراً في صيامي، كلّما كان يسوع مسروراً. "ترى مَن هوَ هذا الإله الذي يفرح بعذاب الإنسان"؟
الفكرة الأساسيّة هي أنه بالإماتة يجب أن أموت عن كلّ شيء في حياتي إلهه غير يسوع المسيح. أن أموت يعني أن أدخل بفعل التوبة والتحوّل. وعندئذ أتعامل مع الطعام على أنّه عطيّة من الله وليس الله، وأقول للربّ: في سبيل ملكوتكَ، هناك أهمّ من عطيّة الطعام، فالطعام يؤمّن لي الحياة البيولوجيّة أما قربانك فيؤمّن ليَ الحياة الأبديّة.
هناك مَن يمتنع عن المناولة لأنّه لم يستطع أن يقاوم أكل الشوكولا، مثلاً، قبل القدّاس. هذه كارثة، فالأكل هنا ما زال هوَ الإله وبالتالي ما معنى الصوم القرباني؟ أتى بولس ليقول: ألاحظ أنّ مظاهر الغنى عندكم هي أهم من القربان الذي ستتناولونه، لذلك يجب أن تأكلوا في بيوتكم ما دمتُم تريدون عبادة بطنكم وشهواتكم. اذهبوا واعبدوا إلهكم خارج مكان العبادة المسيحيّة ما دمتم تريدون المحافظة على التمييز بين طبقتكم العالية والطبقة الفقيرة.
أخوتي الأحباء، في النهاية أود أن أقول أن الصوم هو ما يقربني أكثر من الله المحبة، من خلال لقائي بكلمته، والتي ينتج عنها حتماً لقاء مع الآخر. إذا لم نستطع أن ندخل إلى عمق هذا الروح، فصيامنا لا معنى له، حتى لو انقطعت عن الأكل نهائياً. لذلك دعونا نجعل من هذه الفترة زمن تقرب من كلمة الله، وزمن محبة ورحمة تجاه بعضنا البعض.
خاص - الأبجدية الجديدة إرسال الى صديق عــودة
|