إله ليس ككل الآلهة، مسكنه ليس عند منبع النهر ولا يجتمع مع الآلهة على على قمة جبل ارارات أو سبانو (الجبل الأقرع)، مسكنه العالم السفلي، تحت الأرض ومملكته مظلمة..
يتوسط جلجامش عند الإله أيا لكي يفتح له نركال ثقبا في الأرض ليكلم انكيدو ليسأله عن العالم السفلي فيفتح نركال ثقبا فتصعد روح انكيدو من العلم السفلي مثل الريح ويقول لجلجامش: إذا أ خبرتك يا صديقي عن حالة العالم السفلي الذي رايته تجلس أنت باكيا سأجلس أنا وسأبكي.
فقد أكل الدود جسم أنكيدو مثل الثوب القديم وأصبح جسمه مليء بالتراب، وكما نعلم أن أنكيدو خلقته الآلهة من الطين. (هذا القول يذكرنا بالقول تذكر يا انسان أنك من التراب وإلى التراب تعود). ويقول زينون الرواقي الفيلسوف السوري حين نعي اليه ولده (إنما ولدت ولداً يموت وما ولدت ولداً لا يموت).
الموت حتمي عند الإنسان في بلادنا، الموت ظلمة وماء كدر بدل الخمرة، ومع ذلك نرى الإنسان في بلادنا لا يغرق في شرب الخمرة ويضيع في ملاذ الحياة واللهو.
ففي ملحمة جلجامش تنصح صاحبة الحانة جلجامش بعد تأكيدها له حتمية الموت:
(وأنت يا جلجامش اجعل بطنك مملوءة وكن فرحاً ليلاً نهاراً، واعمل طرباً في كل يوم، رقصاً ولعباً في النهار والليل، لتكن ملابسك نظيفة، ليكن رأسك مغسولاً ولتستحم بالماء، ارع الصغير الذي يمسك بيدك، ولتبتهج زوجتك في جحرك، فهذا نصيب البشرية).
والتمتع بالحياة كما نصحت صاحبة الحانة جلجامش رفضه جلجامش ورفضه كل إنسان في هذه البقعة من العالم (سورية) فدور الإنسان في الحياة هو تجويدها.
جلجامش يعلم منذ البداية حتمية الموت ولكنه لا يخافه بل انصرف إلى تجويد الحياة وخدمة الناس وحمايتهم. (فيتوجه إلى القضاء على خومبابا فيخاف عليه الشعب ويقولون له أن خومبابا لا يستخف به فهو خطرحتى أنكيدو يخاف، لكن جلجامش يقول له "اضبط قوة جأشك لاذهب أمامك....
إذا وقعت سيبقى اسمي (سيقولون) أن جلجامش صد خومبابا المحارب.....). ويقول لأمه ننسون "سأقضي على كل شر في الأرض يمقته الإله شمش" كما نلاحظ من ما سبق فهي ظاهرة قديمة في مجتمعنا نراها في جميع العصور دائماً الصراع نحو الأفضل.
عندما مات أنكيدو حزن جلجامش كثيراً ولم يرد أن يفقد شعبه لم يكن يهدف انقاذ نفسه بل شعبه لأنه يحبه ولا يريد أن يفقده. ولهذا سعى جلجامش للنبتة (نبتة الخلود) وحديثه مع الإله شمش يدل على مدى حب الإنسان السوري للحياة وللشمس فيقول:
(دع عيني تعاينان الشمس، فأمتلئ كلي بالنور، الظلمة تنقشع حين يكفي النور، ليت الذي مات يرى ضياء الشمس).
ويصف جلجامش النوم بأنه قريب من الموت، أما النهار فهو مليء بالصراع بالعمل، أيضاً في طريق جلجامش إلى اتنوشتيم تقول له صاحبة الحانة وربان السفينة وأتنوشتيم كل واحد بدوره أن حالته تعيسة بأنه منهك لكن جلجامش ينفي ذلك ويبقى على إصراره فهو من هذا الوطن المشرقي والإنسان فيه لا يستسلم أبدا ويسعى إلى هدفه حتى آخر رمق.
هذه أفكار من إحدى أساطير بلادنا منذ آلاف السنين التي تعبر عن إنسانية الإنسان فيها وحبه للحياة واستمرار ذلك حتى اليوم. حفظ الله بلادنا وتراثنا.
خاص - الأبجدية الجديدة إرسال الى صديق عــودة
|