لم تكن مهمة حمامات السوق تقتصر على الاستحمام والاغتسال فحسب، بل تناولت وظائف أخرى، حيث إنها اعتبرت كأماكن تجمعات يتبادل فيها أبناء الحي الأحاديث في الأمور التي تهمهم، إضافة إلى التجمعات في المناسبات الاجتماعية المتعددة كحمام العرس وحمام النفاس.
ويقال إن فوائد الحمام كثيرة لأنه يخرج الأوجاع والآلام التي تصيب المفاصل والعظام، والذي يرغب بالعلاج عليه البقاء في الحمام ساعات طويلة.
للحمامات الشعبية في سورية تاريخ طويل يعود إلى عشرات السنين، وعند قدوم السياح إلى مدينة دمشق لا بد لهم من زيارة الحمام الشعبي (حمام السوق) باعتباره أحد الأماكن الأثرية المهمة مثل الجامع الأموي وقصر العظم والمتاحف... وغيرها.
مع تطور نمط الحياة وانتشار السخانات الكهربائية في المنازل انحسر عدد هذه الحمامات إلى حد كبير وجعل الناس يوفرون عناء الخروج من بيتهم للاستحمام وخاصة في الشتاء وأيام البرد القارص، إلا أن شهر رمضان بأجوائه الخاصة أعاد شيئاً من الاهتمام بهذه الحمامات التاريخية التي تتميز بطراز معماري تغلب عليه الأقواس والدهاليز والسقوف الملونة التي لا تعوض عنها حمامات الرخام والمرايا.
أقسام حمام السوق:
تنقسم حمامات السوق بشكل عام إلى ثلاثة أقسام الأول: «البراني» ويقال له القسم البارد وهو الخارجي من الحمام ويتألف من منصة واسعة اصطفت من حولها المصاطب وتتوسـطها فسقية (بحرة) جـميلة وفرشت أرضه بالبساط والسجاد. ولكل مصطبة خزانة أو أكثر من دون أبواب، وذلك لخلع الملابس بداخلها أو تعليق الألبسة على مشاجب خشبية. وأسفل المصاطب توجد فتحات في الجدران على شكل طاقات لوضع القباقيب.. وإلى جانب باب الحمام الرئيسي (المدخل الرئيسي) توجد مصطبة المعلم (تخت المعلم) لاستقبال الزبائن ووضع الودائع والأمانات عنده، حيث يحتفظ بصندوق خشبي مقسم إلى أقسام متعددة من أجل الودائع.
ويوجد في معظم البراني الخاصة بالحمامات مقصورات خشبية وهي أحياناً أغلى إيجاراً، أما السقف فيتخذ عدة أشكال، والأغلب أن عقود الأقواس التي تنصب على جدران البراني الأربعة تنتهي إلى رقبة انتظمت منها النوافذ علتها قبة واسعة توزعت فيها فتحات زجاجية ملونة، وأحياناً يكون الجزء الأعظم على هيئة قبة أسطوانية والجزء الذي أمام الباب على شكل قبة.. ومن سقف القبة تتدلى السلاسل لتعليق المشكاوات والفوانيس.
أما القسم الثاني من الحمام فهو «الوسطاني» ويسمى القسم المعتدل، ويشمل كل الخدمات من استحمام ودورات المياه. أما ساحته فهي أصغر من ساحة البراني. وبعض الحمامات تحتوي في الوسطاني على ممر لبيت النار بجانبه إيوان به مصطبة لراحة المستحمين، وتحيط بالوسطاني الخلوات، منها ما تكون على هيئة أواوين مكشوفة أو مقاصير غرف، وتعلو المقاصير قباب ذات قمريات كما توسطت الساحة قبة واسعة.
أما القسم الثالث من الحمام «الجواني» فهو القسم الحار ويشبه الوسطاني، ويحتوي على أواوين للاغتسال ومقاصير خاصة.. وتتوسطه مصطبة بيت النار التي يجلس عليها المستحمون.
أشهر حمامات مدينة دمشق
من أشهر الحمامات القائمة في العاصمة دمشق حمام «نور الدين الشهيد» في سوق البزورية، وقد أنشئ في عصر نور الدين بن زنكي، وهو كغيره من الحمامات مؤلف من البراني المشلح والوسطاني الفاتر والجواني الحار ومن خزان للمياه وقميم لوقد النار من أماكن الخدمة، وقد رمم وأصبح سياحياً. إضافة إلى حمام «الملك الظاهر» الذي يقع خلف قلعة دمشق، بني في 985 م، وكان يعرف تاريخياً باسم حمام «العقيق» نسبة إلى مالكه في ذلك الوقت أحمد بن الحسين العقيقي. وتذكر كتب التاريخ أن الملك السعيد ابن الملك «الظاهر بيبرس» المملوكي قام سنة 1377 ميلادية بشراء الدار الملاصقة للحمام وجعلها مدرسة سميت المدرسة الظاهرية وهي اليوم تستعمل كمكتبة وتضم جثمان الملك الظاهر وابنه وفي خمسينيات القرن الماضي كان الحمام مهملاً إلى أن انتقلت ملكيته إلى عائلة كبب في عام 1956 حيث تم ترميمه وأطلق اسم «الملك الظاهر» عليه وتبلغ مساحته 1200 متر مربع.
أما حمام «القيشاني» فله قبة مزينة بالزخارف الحديثة العهد.. ولقد ارتبط عدد الحمامات في دمشق بعدد سكانها وتوسعها العمراني لهذا نرى أن عدد تلك الحمامات قد تناقص مع الزمن بدءاً من القرن الثامن وحتى القرن الحادي عشر للهجرة / السابع عشر للميلاد، ثم بدأ بعد ذلك يتزايد عما كان عليه في القرن الحادي عشر للهجرة.
ولقد بلغ عدد الحمامات التي تقع داخل دمشق (34) حماماً منها: حمام «أمونة» في منطقة بوابة الآس (العمارة البرانية) والذي كان يسمى قديماً حمام «الشجاع» بسبب وقوعه خارج سور مدينة دمشق وكان يتطلب شجاعة للخروج إليه ليلاً، وحمام «النايب» في محلة باب توما، وحمام «منجك» بمحلة القباقبية، وحمام «عيسى القاري»، وحمام «بني أسامة» بدخلة بني الصايغ، وحمام لصيق بالبيمارستان النوري بالقرب من المدرسة الشامية من ناحية القبلة، وحمام «الأمير علي» في محلة سوق القطن بزقاق المدرسة الخضيرية، وحمام «المسك» في محلة طالع القبة أو حمام «السلسلة».
المياه في حمام السوق
كانت هذه الحمامات تستمد المياه من الطوالع القريبة التي تتزود بدورها من الطالع الرئيسي. وينتقل الماء بأنابيب فخارية إلى مرجل ناري وإلى صنابير المياه الباردة ودورات المياه والنافورات في داخل برك الماء. ومن الحمامات التي كانت تزود بمياه البزورية: حمام نور الدين الشهيد، الذي كان له طالع ماء يزوده طالع رئيسي يأتيه الماء بدوره من نهر يزيد.
طاقم العمل في حمام السوق
أما الطاقم الذي كان يعمل في داخل الحمام فكان يضم: المعلم وهو صاحب الحمام أو مستأجره الذي يقوم بتشغيل الحمام وتوزيع العمل على بقية عماله، الناطور وهو الذي يتعاطى كسوة الزبائن في القسم الخارجي، والمصوبن ومهمته تغسيل الزبائن بالصابون والليفة والدلك بالكيس الخاص بالحمام لإخراج الوسخ لمن أراد، ثم القهوجي ويسقي القهوة للزبائن في الحمام، والتبع وهو عامل يقدم للزبائن المناشف إذا كانوا من متوسطي الحال أو من الفقراء، ثم الأجير ويكون واحدا أو أكثر ومهمته أخذ النعال وتقديمها لأصحابها، والإقميمي ومهمته إيقاد النار في الإقميم والإشراف عليه والحصول على الوقود والزبل ونشره ليجف كما يخرج الرماد من تحت الإقميم، وأخيراً الزبال ومهمته جلب روث الجمال والحمير والبقر في الشليف على ظهر حمار من أماكن عدة كالخانات وغيرها ويعطيها للأقميمي (الشخص المسؤول عن إشعال نار الحمام).
المصدر - الوطن السورية إرسال الى صديق عــودة
|